المريخ... قابل للحياة!

نشر في 05-05-2008 | 00:00
آخر تحديث 05-05-2008 | 00:00
No Image Caption

اتخذ البحث الطويل والمضني عن دلالات على حياة سابقة أو حالية على كوكب المريخ منحى إيجابياً هذا الشهر عندما قال العلماء إنهم عثروا على ما يعتقدون أنه بقايا نبعين حارين. ويشكل هذان النبعان بيئة دافئة ومحمية حيث تزدهر أنواع الحياة البدائية، حسبما يظن علماء كثيرون.

ويوضح الباحثون أن المياه لا تتدفق حالياً في هذين الموقعين، لكن الصور تكشف أنها خرجت على الأرجح على شكل فقاعات من الأرض في الماضي القريب نسبياً. وتشير عبارة «الماضي القريب نسبياً» في المفهوم الفلكي إلى عشرات ملايين السنين لا مليارات السنين.

يعمل كارلتون ألن في مركز جونسون الفضائي التابع للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، وهو حالياً يدرس كوكب المريخ بحثاً عن أماكن مثيرة للاهتمام يمكن لمهمات مستقبلية أن تهبط فيها. يقول ألن: «هذه هي المرة الأولى التي نحدد فيها على سطح كوكب المريخ مزايا قريبة إلى هذا الحد من الينابيع على الأرض، سواء من حيث الشكل أو التفاصيل. ويضع هذا الاكتشاف قصة المياه على سطحه في إطار مختلف تماماً».

لطالما كان شعار ناسا في سعيها للعثور على حياة خارج الأرض «ابحث عن المياه»، بما أنّ الكثير من أشكال الحياة يحتاج إليها، خصوصاً الدافئة والسائلة منها. لكنّ عدداً من العلماء يرفضون هذا المفهوم، قائلين إن الحياة يمكن أن تتطور في بيئات أخرى، مثل الميثان أو الإيثان السائلين. على الرغم من ذلك، يبقى أي اكتشاف يشير إلى وجود مياه سائلة في مكان آخر من الكون خبراً بالغ الأهمية.

التقطت المركبة الفضائية المدارية Mars Reconnaissance الصور الجديدة التي يدعوها ألن وزميلته في الناسا دوروثي أوهلر «روابي». ويُذكر أن هذه المركبة الفضائية التقطت صوراً واضحة ومفصلة جداً منذ بدأت تدور حول الكوكب في العام 2006. ويخبر ألن أن تشكلات مماثلة قد تكون واسعة الانتشار على سطح المريخ، كما هي الحال على الأرض، التي تضم نحو 50 ألف نبع حار جارٍ. ويضيف مستطرداً أن الباحثين سيبدأون البحث عن ينابيع مماثلة في أماكن أخرى بواسطة تقنيات التصوير التي شهدت تحسناً كبيراً.

ويقول ألن وأوهلر إن هذه الروابي تملك حدوداً منحنية مميزة. فهي أشبه بطاسة غائرة عند أعلى القنوات الضيقة المتعرجة التي تعبر الأراضي الأكثر انخفاضاً، وتتابع أوهلر قائلة إن عمق هذه الروابي الإهليلجية في فوهة فرنل، التي يتراوح عمرها بين مليوني وأربعة ملايين سنة والواقعة قرب خط الإستواء المريخي، يبلغ نحو 24 متراً وعرضها نحو 200 متر، ويتراوح طولها بين 400 و600 متر.

ويوضح ألن الذي أمضى بعض الوقت في يلوستون لدراسة الينابيع الحارة فيها: «تؤكد هذه الصور بوضوح وجود المياه ونبع حار. فما أظهرته شبيه جداً بما نراه عادة هنا على الأرض».

كانت أوهلر، التي عملت سابقاً عالمة جيولوجيا في شركة نفط، أول مَن تعرَّف إلى هذه الروابي. وقدمت ملاحظاتها هذا الشهر في مؤتمر ترعاه ناسا حول علم الأحياء الفلكي، أي دراسة الحياة خارج الأرض فعمدت إلى مقارنة الروابي المريخية، التي التُقطت بكاميرا تجارب علمية تعطي صوراً عالية الوضوح موضوعة على متن المركبة، بصور التقطتها الأقمار الاصطناعية لينابيع حارة جافة في وسط أستراليا. والمثير للاهتمام أن التشابه بينها بدا واضحاً جداً.

وعلّق ألن لاحقاً على هذه المسألة بالقول: «بوسعنا اليوم رفع تقارير عن مثل هذه الأمور، لأننا نملك العين المناسبة التي تمكننا من رؤيتها».

صحيح أن العلماء يظنون أن ما وجدوه هو على الأرجح نبع حار مريخي سابق، لكنهم يعون جيداً أنهم لا يملكون أية أدلة تؤكد اعتقادهم هذا. فقد استخدمت المركبة المدارية مقياساً طيفياً معقداً بغية تحليل المحتويات المعدنية في المنطقة المحيطة بالروابي والتي يُتوقع أن تحتوي على السيليكات والكربون في حال كانت الينابيع الحارة تجري هناك في ما مضى. إلا أن الجهاز لم يكشف عن وجود مثل هذه المعادن في تلك المنطقة.

وعن هذه المسألة يقول ألن وأوهلر إن سطح المريخ المليء بالغبار أثّر في النتائج التي قدمها المقياس الطيفي. ولكن ما لم يعثر الباحثون على هذه المعادن، لا يمكن الجزم بأن الروابي كانت في ما مضى ينابيع حارة.

لذلك يؤكد مايكل ماير، كبير علماء الناسا الذين يدرسون المريخ، أن هذه الاكتشافات محيرة بالفعل، إلا أنها تبقى أولية. ويضيف: «لا شك في أن اكتشاف ينابيع حارة سيكون بالغ الأهمية. ولكن من الصعب جداً الجزم في هذه المسألة استناداً إلى بيانات التُقطت من المدار. صحيح أن هذه الصور مثيرة للاهتمام في نظر الأوساط المعنية بكوكب المريخ، إلا أنها ليست حاسمة وتبقى قابلة لمختلف التفسيرات».

مثلا، في أواخر العام 2006، أظهرت مقارنة لبعض الصور التي التقطتها مركبة ناسا Mars Global Surveyor بفارق بضع سنوات أن أخدودين ظهرا على منحدر فوّهة، مما أوحى أن المياه جرت على هذا المنحدر خلال تلك السنوات. فأثار التقرير الكثير من الحماسة. ولكن منذ ذلك الحين، مال العلماء إلى الاعتقاد أن هذين الأخدودين نجما عن انجراف مواد جافة غير ثابتة، لا مياه جارية.

ويعلن ماير أن الاكتشافات الواردة في ذلك التقرير ليست بالتأكيد «فريدة من نوعها». ولكن لا يمكن استبعاد إمكان وجود بعض المياه السائلة تحت سطح الكوكب.

لا شك في أن حرارة هذه المياه ستكون أدنى بكثير من مياه الينابيع الحارة على الأرض، بما أن مناخ المريخ أبرد وجوّه الأقل كثافة يتيح للمياه بأن تتبخر على حرارة 10 درجات مئوية، في حين أنها تتبخر على حرارة 100 درجة مئوية على الأرض.

وسترسل «الناسا» لإرسال رواد فضاء في مهمة إلى المريخ بعيد العام 2030. ولكن حتى ذلك الحين، تخطط الوكالة للتعمق في درس الكوكب بواسطة كاميرات ومركبات أكثر تعقيداً. كذلك تنوي إرسال مهمة إليه لجمع العينات ونقلها إلى الأرض.

ومن المقرر أن يهبط الشهر المقبل مختبر آلي يُدعى Phoenix Mars Lander على أكبر تجمع للجليد المريخي خارج المناطق القطبية. وقد صُمم هذا المختبر ليحفر في الجليد ويأخذ عينات منه كي تُفحص بحثاً عن أشكال حياة جرثومية، فضلاً عن دلالات على تبدُّل المناخ. ولا تزال مركبتا ناسا Spirit وOpportunity، اللتان أُرسلتا في وقت سابق، تستكشفان الكوكب بعد مضي نحو 4 سنوات ونصف على هبوطهما.

وتعمل «الناسا» مع شركاء أوروبيين وتخطط لمهمة في غضون عقد من الزمن لجمع عينات من الصخور والتراب وحملها إلى الأرض. إلا أن هذا المشروع واجه مشاكل في الميزانية، فضلاً عن الخوف من مخاطر إحضار صخور مريخية من الممكن أن تحتوي على كائنات عضوية.

عبّر ألن وأوهلر عن أملهما في أن تبحث المهمات المستقبلية في إمكان استكشاف موقع الينابيع الحارة المحتملة، التي تُعتبر بيئة مثالية لا تحفز الحياة فحسب، بل تحفظ أيضاً البقايا المتحجرة.

وتضيف أوهلر: «نعرف من أبحاثنا على الأرض أن الحياة ربما بدأت في بيئات حرارية مائية، مثل الينابيع الحارة. فاستمرت هذه الحياة فيها وبقيت محفوظة. ويمكن أن يصح ذلك في حالة المريخ أيضاً».

back to top