لمَ لا أشعر بالسعادة؟ ... حين تحطّم كلمة لو حياتنا

نشر في 29-10-2007 | 00:00
آخر تحديث 29-10-2007 | 00:00
No Image Caption

ثمة عبارات نسمعها من كل حدب وصوب تتناهى إلينا رغم تبدّل الظروف والأحوال: «لو ترقيت في وظيفتي لكنت أسعد امرأة في العالم» أو «ليتني أستطيع تخفيف وزني» أو «لو نجحت في الامتحان لعشت في سعادة قصوى».

المفارقة ان العبارات هذه تصدر غالباً عن أناس يملكون أسباب السعادة لكنهم دائماً في حالة عدم الرضا. هل السعادة الحقيقية موجودة حقاً؟ وهل نستطيع بلوغها ام انها بعيدة المنال؟

قد نتفق مع علماء النفس في أنّ التعاسة تتغلغل غالباً في أعماق الإنسان بسبب مرض أو معاناة طويلة تكبدها في مرحلة من حياته نتيجة فقدان شخص عزيز فأثرت فيه وشكلت عقبة في وجه سعادته.

لكن مجرّد نظرة عميقة إلى مجتمعنا كفيلة بكشف الدوافع المختلفة للتعاسة غير المرتبطة بمصيبة ألمّت بالمرء أو بمرض أصابه. يحفل مجتمعنا بأناس يوحون بالعيش الرغيد. هندامهم أنيق ومركزهم مرموق ولا ينقصهم المال لكنك تجدهم متذمرين، مؤكدين أنّ السعادة بعيدة تماماً عنهم. أظهرت دراسات أن المشاكل التي يتخبط بها الاغنياء شبيهة بالتي يتخبط بها الفقراء. الفرق الوحيد بين الفقير والغني أن الأخير يتخلص من بعض المشاكل التفصيلية بأمواله لكنّه يقع في فخ المشاكل عينها، فيتساءل هل أصاب في اختيار رفيق العمر وماذا عن مستقبله فتجده دائم البحث عن سعادة لم يبلغها بعد وغالباً ما تكون أطماع الطبقة الميسورة عقبة أساسية، خاصة إن اقترن الربح بالشهرة. كم من المشاهير ماتوا منتحرين وكم من الروايات تحدثت عن تعاسة مارلين مونرو وإلفيس بريسلي وداليدا وبريتني سبيرز وسواهم!

الإفادة من الحاضر

نصادف راهناً نساءً خضعن لعمليات تجميل طمعاً بشباب دائم وسعياً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولا شك في أنّ عدد هؤلاء النساء في تزايد مستمر.

معركة خاسرة تنطلق من رفض المرأة مظهرها الخارجي لتعيش صراعاً دفيناً مع شيخوختها ولا تستطيع أنامل الجرّاح إعادة ثقتها بنفسها، إذ غالباً ما تتوالى عمليات التجميل لتعالج مشكلتها من الخارج كمن يعالج نتيجة الداء لا سببه الاساسي.

لذا، أفضل طريقة للشعور بالسعادة بحسب طبيبة علم النفس سميرة عبد الساتر، تكمن في التمتع بكل عمر بدلاً من التحسّر على ما مضى منه على حين غفلة. تنصح عبد الساتر الانسان بالبحث عن السعادة في داخله لا في مظهره الخارجي: «إبحثوا عن سعادتكم بالاعتراف بما حققتم من نضوج ومن عمق في التفكير وخبرة بنّاءة في الحياة. لا تستسلموا لتعداد الأيام الفائتة بل فكروا في أيامكم المقبلة ومشاريعكم المستقبلية. إجعلوا من ماضيكم سنداً لكم يساعدكم على الاستمرار في مشوار حياتكم. لا تتحسروا على قطار الشباب الذي فاتكم بدلاً من العيش في الحاضر والتسلح بالتجارب التي مررتم بها سابقاً لتحقيق السعادة والعيش بهناء».

أحلام مستحيلة

تتفق السيدة آمال المسلماني (ربة منزل، 45 عاماً) مع رأي الطبيبة عبد الساتر في المجال هذا انطلاقاً من خبرتها الشخصية، تقول: «كنت في التاسعة والثلاثين حين بدأ شبح الاربعين يطاردني. شعرت بخوف كبير. لم أتقبّل الشعر الابيض الذي لم يكن مشكلة كبيرة نظراً إلى وجود صبغات الشعر المختلفة لكن مصيبتي الكبرى كانت التجاعيد التي بدأت تغزو وجهي من كلّ حدب وصوب. قرّرت لاحقاً اللجوء الى الجراحة بتشجيع من صديقتي التي سبق أن خضعت لها فسلمت وجهي للجراح بعدما جمعت ما يكفي من المال الذي اقتطعته من مصروف أولادي. لم يعترض زوجي على الأمر بل كان متفهما للغاية وأبدى استعداده لفعل ما يلزم كي اشعر بالسعادة لكنني رغم نضارة بشرتي المفتعلة لم أشعر بالسعادة. كنت أريد المزيد. أغرتني الأنوثة المتفجّرة للفنانات. لمَ لا أكون مثلهن طالما انّ طبيب التجميل نفسه قال لي إنّ انامله هي التي صنعت جمال المئات من الفنانات المتسابقات على أخذ موعد منه بحماسة تحاكي لهفة النمل على قطعة حلوى؟ هكذا قصدت الجرّاح مجدداً هذه المرة لاجراء عملية «قلب للشفة». مرة جديدة لم يعترض زوجي إلا أن أولادي لم يستسيغوا الامر لكنهم تركوني أمضي في مغامرتي على مضض. مضت الايام وخطر لي أن أخضع لجراحة رفع الوجنتين ربما أشعر بالسعادة المرتجاة لكنني كنت بدّدت المال الذي اقتصدناه لدفع نفقات الجامعة لابني البكر حسن، ما ان فاتحت زوجي بالموضوع حتى ثار عليّ مؤكّدا أنني في حاجة الى علاج نفسي لا الى عملية جراحية. إحتج إذ لم يعد يتعرف اليّ ويفضلني كما تزوجني. توترت العلاقة بيننا. فهددني بترك المنزل ان لم ارجع الى صوابي. حين صممت على رأيي في إجراء الجراحة نفّذ وعده وهجرني فكانت الصفعة التي اعادتني الى صوابي. أيقنت أنّ سعادتي الحقيقية تكمن في حبّ زوجي لي ونجاح اولادي وتفاصيل حياتي الصغيرة التي ما كنت لأعطيها يوماً اهتمامي لانها كانت موجودة دوماً».

تحذّر عبد الساتر من مغبة فتح باب الطمع على مصراعيه والركض وراء أحلام عجز المرء عن تحقيقها سابقاً وقد يكون عاجزاً عن تحقيقها راهناً: «غالباً ما يزورني أناس يرفضون الانصياع لواقع ما. غالباً ما تكون معالجة هؤلاء مهمة شاقة لأنّ تعنتهم قد يؤدي بهم الى الانهيار، رغم ذلك يرفضون واقعاً معيناً متسلحين بعالم خياليّ يتوهمون أنهم يعيشون فيه وحين يصطدمون بالواقع المرير يغرقون في حالة من الانهيار العصبي».

تحلّوا بالواقعية

أفضل وسيلة لتحقيق السعادة، تبعاً للطبيبة عبد الساتر، حسن استغلال موارد الحاضر. السعادة ممكنة حاضراً ولا يصعب التعايش مع الواقع مهما يكن مراً او التحايل عليه بما فيه لمصلحتنا. من المستحيل إشباع رغباتنا كلها فإن فعلنا قد يكون على حساب أمور أخرى جوهرية لذا علينا تقبل الحرمان أحيانا. خاتمة بالقول: «ما بال الناس يغرقون في التعاسة فيما السعادة على قاب قوسين منهم؟ إنها في متناول اليد وراسخة في ذهننا. ألا يعني ذلك اننا نستحقها؟ السعادة لا تعطى، إنما تؤخذ!».

حسد وسعادة

من البديهي توق الإنسان إلى تحقيق السعادة وطموحه إلى الأفضل ولا ضرر من السعي هذا بحسب عبد الساتر لكن المشكلة تقع حين يتملك الإنسان الحسد فيحط من شأنه ولا يشعر الا بالبغض والكراهية لما يراه من حسن وحظّ لدى الآخرين فتكون التعاسة رفيق دربه.

«هذا لا يعني ضرورة أن يشعر المرء بحالة رضى أبدية فلا يسعى الى تحقيق أمنياته. قد يكون بعض من الحسد عاملاً إيجابياً أحياناً، خاصة أن سعي المرء الى الإفادة من تجارب الآخرين السعيدة من غير أن يضمر لهم الشر او يتمنى زوال هذه النعمة من حياتهم لانها غائبة في حياته. حين يبلغ هذا المستوى من الرقي يبلغ حالة من السلام الداخلي لا تقل أهمية عن السعادة.

back to top