الإصلاح

نشر في 03-03-2008
آخر تحديث 03-03-2008 | 00:00
 د. حسن حنفي

الإصلاح هو سبب بقاء الشعوب في التاريخ والإفساد هو سبب انهيارها، فالتاريخ مسار نحو التقدم، والإصلاح فاعله الرئيسي والمحافظ عليه، وهو السبيل إلى نهضة الأمم، والإفساد سبب تأخرها، فالصالحون لهم وراثة الأرض.

تتعدد المواقف بالنسبة لعلاقة الدين بالدولة أو الدين بالمجتمع أو الدين بالحياة. وهي ثلاثة: الموقف السلفي التقليدي الذي كان سائداً في الدولة العثمانية أثناء فترة ضعف الخلافة، ويمثله أبو الهدى الصيادي شيخ الإسلام في حلب، وكان يدعو إلى استمرار الخلافة بحسنها وقبحها كمسألة مبدأ وعقيدة، رمزاً لوحدة الأمة، ودفاعاً عنها ضد الطامعين فيها لتقطيع أوصالها، والتهامها جزءاً جزءاً من الدول الكبرى في ذلك الوقت. وهو ما حدث بالفعل بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى. والثاني الموقف العلماني الذي كان يمثله حزب «الاتحاد والترقي» أو «تركيا الفتاة». وكان يمثل القومية الطورانية، وإلغاء الخلافة، والعودة إلى الحدود الطبيعية التركية، وتبني النموذج الغربي بحذافيره مثل الفصل بين الدين والدولة، وتغيير الحروف العربية إلى حروف لاتينية، وتقليد الغربيين في أساليب حياتهم، لباسهم وطعامهم وعمارتهم وفنونهم. وهو الموقف الذي قاده مصطفى كمال الذي نجح في طرد الجيش اليوناني الذي كان على أبواب أنقره في قلب هضبة الأناضول. والثالث الموقف الإصلاحي الذي قاده جمال الدين الأفغاني «لوثر الشرق» وتلاميذه. كان يبغي تحديث الخلافة من دون القضاء عليها، والقضاء على الفساد فيها من دون هدمها، والدعوة إلى اللامركزية للتخفيف من بطش السلطنة، ورعاية مصالح الأقاليم. وشاركه في ذلك شبلي شميل «حكيم الشرق» من العلمانيين العلميين، للدعوة إلى تأسيس الدستور والبرلمان للمراجعة على قرارات السلطان، وتقييد سلطته المطلقة. وهو التيار الذي لم ينجح في عصره بالرغم من محاولات التحديث في «التنظيمات». وربما يحن حزب العدالة والتنمية الآن إلى الموقف الإصلاحي من جديد بعد تأزم الموقف العلماني وظهور حدوده. وهو الموقف الذي يعود من جديد في الثورة الإسلامية في إيران عند الرئيس خاتمي والإصلاحيين، وفي المغرب في حزب العدالة والتنمية وسط الاستقطاب الشديد بين السلفيين والعلمانيين في مصر وليبيا وتونس والجزائر وسورية والسودان.

ويتضمن الإصلاح التغير التدريجي للمجتمعات الإسلامية ابتداء من القضاء على الفساد، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح بالوسائل السلمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، والحسبة، وخطب المساجد، والدروس الدينية، واللجوء إلى القضاء إذا لزم الأمر. وإن لم تنجح هذه الوسائل واستمر الفساد والظلم من الأئمة فالخروج على الحاكم الظالم واجب شرعي، ولا يكون الخروج بالضرورة بالسلاح بل يمكن بالعصيان المدني، والمظاهرات الشعبية، وضغط الرأي العام، وتجنيد الناس.

وهو ما يتفق مع معاني لفظ «الإصلاح» في القرآن الكريم. فهو لفظ شائع يتكرر. ذُكر نحو مئة وثمانين مرة: الأسماء نحو مئة وخمسين مرة، والأفعال نحو ثلاثين مرة. فلا إصلاح بلا صالح وصالحين وصالحات ومصلح ومصلحين وإصلاح. يعني الإصلاح بين الناس والصلح بين الأزواج، والصلاح في الأعمال.

النبوة إصلاح في الأرض، بل إن صالح اسم نبي، والعمل الصالح دليل على نبوته «إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ». فلا يوجد صاحب دعوة للإفساد. والإصلاح اتجاه نحو الكمال، وتحرك نحو المثال، ومهمة الوحي الإصلاح في الأرض، وهو دور الإنسان، فإصلاح الأرض أمر طبيعي ضد الإفساد فيها «وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا». وفرق بين الإصلاح والإفساد «وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ». دور الإنسان إعمار الأرض وتحويلها من أرض صفراء إلى أرض خضراء، ومن أرض قاحلة إلى أرض عامرة. الإصلاح الذاتي أولا قبل إصلاح الغير، «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا». والإصلاح للأفراد، «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ»، وبين الأزواج، «فَلا جُنَاحَ عَلَيْهمَا أنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا». والصلح بينهما يلغي الطلاق، ويرد الزوجة إلى زوجها «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا»، «إِنْ يُريدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا». الإصلاح جمع وليس فرقاً، توحيد وليس تفريقاً، تآلف وليس نفوراً. لذلك لا يجوز الخصام بين الناس، وخصام الأخ لأخيه لا يتجاوز ثلاثة أيام، فما بال خصام الأحزاب والشعوب فيما بينها عقوداً من الزمان أو أكثر خاصة لو كانوا من دول الجوار مثل المغرب والجزائر، العراق والكويت، اليمن والسعودية، مصر والسودان، الصومال والحبشة... إلخ.

ومنها الإصلاح بين الناس «فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أوْ إِثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»، داخل الأسرة وخارجها «أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ». فالإصلاح مظهر من مظاهر البر والتقوى «فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ». وهو إصلاح بين المسلمين المتقاتلين «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا». هو إصلاح بين الإخوة، وجميع المؤمنين إخوة «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ». الصلح خير وسلام وأمن وطمأنينة، ودليل على كرم النفس «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ». رعاية اليتامى إصلاح لهم «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ». فالإصلاح بين البشر قبل أن يكون في الأرض. فالبشر هم سادة الأرض.

والإصلاح بعد التوبة من الظلم «فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ». الإصلاح تكفير عن الذنب، وتحول من الظلم إلى العدل، ومن التكبر إلى التواضع. الإصلاح عود إلى الطريق المستقيم، طريق الطبيعة المتجهة نحو الكمال، وتصحيح للانحراف الذي يدمر الطبيعة ويرجع مسارها إلى الوراء.

وجزاء الصلاح جنات عدن، فالعمل الصالح هو الطريق إلى الآخرة، الصالحون والصالحات على حد سواء، بل إن الصالحات أكثر استعمالا من الصالحين بنحو الضعف، وكلاهما أصحاب وصاحبات الأعمال الصالحة، لذلك قرن الإيمان بالعمل الصالح بصرف النظر عن الإيمان بماذا والصلاح لمن؟ وقد جعل المعتزلة من مبادئهم رعاية الصلاح والأصلح كأحد الواجبات العقلية من الله وعلى الإنسان. والمصالح العامة المصدر الأول للتشريع والقادر على إحكام اشتباه النصوص.

الإصلاح هو سبب بقاء الشعوب في التاريخ والإفساد سبب انهيارها، «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ». فالتاريخ مسار نحو التقدم، والإصلاح فاعله الرئيسي، والمحافظ عليه. وهو السبيل إلى نهضة الأمم، والإفساد سبب تأخرها، فالصالحون لهم وراثة الأرض، «أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ» والمفسدون يندثرون ولا يبقون.

* كاتب مصري

back to top