رصدتها دراسة حديثة وحلَّلها الخبراء لغة خاصة يتمرّد بها الشباب العربيّ على مجتمعه!
انتشرت خلال السنوات الأخيرة مصطلحات غريبة بين الشباب العربي بفئاته العمرية المختلفة وأصبحت هي الدارجة على ألسنتهم ما جعلها لغة خاصة بالشباب.
دفع هذا الأمر المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة إلى إعداد دراسة حديثة تتعلق بلغة الشباب، تحت عنوان «ثقافة الشباب العربي» أعدها الخبير في المركز د. علي صلاح محمود.تعتبر الدراسة أن اختيار الشباب ثقافة ولغة خاصة بهم, هو تمرد على النظام الاجتماعي, لذا ابتدعوا لوناً جديداً من الثقافة لا يستطيع أحد فك رموزها غيرهم.في هذا السياق حذر د. علي صلاح محمود من ظهور «لغة موازية» يستخدمها الشباب العربي في محادثاتهم عبر الإنترنت تهدد مصير اللغة العربية في الحياة اليومية لهؤلاء وتلقي ظلالاً سلبية على ثقافة الشباب العربي وسلوكه. من خلال شريحة عشوائية من الشباب تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً، رصدت الدراسة وجود تأثير للإنترنت على مفردات اللغة المتداولة بينهم في مواقع الإنترنت والمدونات وغرف المحادثات، موضحة أن طبيعة الإنترنت باعتبارها وسيلة اتصال سريعة الإيقاع, واكبتها محاولات لفرض عدد من المفردات السريعة والمختصرة ، من ذلك أن حروف اللغة العربية تحولت في قاموس هؤلاء إلى رموز وأرقام، وباتت الحاء «7»، والهمزة «2»، والعين «3»، وكلمة حوار تكتب بالأحرف اللاتينية «7war»، وكلمة سعاد تكتب «So3ad»، وكلمة you تكتب «u»...ويؤكد د. محمود ابتعاد الشباب، خصوصاً في المجتمعات العربية، عن الأنشطة السياسية والاجتماعية، نتيجة التأثر بالإعلام الخارجي، مفسراً لجوءهم إلى لغة حديثة بالشعور بالاغتراب الذي يدفعهم الى التمرد على النظام الاجتماعي، وتكوين عالمهم الخاص بعيداً عن قيود الآباء، وكقناع في مواجهة الآخرين.عبارات سهلةلا بد من التحدث مع أصحاب هذه اللغة وهم الشباب.علي فاروق (طالب)، يقول في هذا المجال: «من حق الشباب أن تكون لهم لغة خاصة بهم وليس في ذلك أي ضرر على لغتنا الأصلية لأنها محفوظة من خلال الدراسة الأكاديمية. أما عن طبيعتها فهي مجموعة من العبارات المتداولة تجعل تواصلنا سهلاً وتعبر عن قربنا من بعض في التفكير والاهتمامات. بدوره يقول محمد عمر (طالب في كلية الآداب): «لغة الشباب هي مجرد كلمات نبتكرها، هرباً من اللغة العادية التي لا نرى فيها ألفاظاً كثيرة تعبر عما نريد قوله, لذا نلجأ إلى تلك التي يمكن أن تكون غريبة ومستهجنة من آبائنا ومعلمينا، لكن على الجميع أن يفهم أن لكل جيل ظروفه الخاصة ومتغيراته التي تفرض عليه والتي تختلف كثيراً عن نمط الحياة التي عاشتها الأجيال السابقة». أما أحمد بكر (طالب) فيرى أن «اللغة المستخدمة بين الشباب في هذه الأيام تعبِّر عن تمرد وتغريب شديدين، يلجأ إليها هؤلاء شعوراً منهم بالدونية ومحاولة لتقليد الغير خصوصاً الغرب. والأمر ليس مقتصراً على اللغة وحدها, فالتغريب ظاهر في الملبس والحديث والعلاقات واعتبار بعض الألفاظ الشبابية بمثابة الدليل على التمدن ومسايرة روح الشباب والعصر. تعليقاً على ذلك تقول د. ماغي الحلواني (عميد سابق في كلية الإعلام في جامعة القاهرة): «ظهور لغة جديدة بين الشباب أمر طبيعي يتكرر من حين إلى آخر ويعكس التمرد الاجتماعي، وعدم تفاعل هؤلاء مع الكبار ويظهر عادة في نمط مميز من اللغة أو الملابس أو السلوكيات اليومية». الشارع العربيفي هذا الاطار يرى د. سيد مرعي (أستاذ في كلية التربية في جامعة الأزهر) «أن تراجع لغة الشارع العربي وتقلص مفرداته اللغوية المنتقاة بعناية من اللغة العربية الفصيحة هما من أبرز الظواهر التي برزت في الفترة الأخيرة، ما زاد الأمر صعوبة وجود مستجدات تكنولوجية في مجال الاتصال وعلى رأسها الإنترنت والفضائيات خصوصاً الغنائية منها التي أفسحت في المجال لكل التراكيب اللغوية المتردية والمشوهة كي تتردد بسهولة على ألسنة الصغار والشباب، على اعتبار أنها اللغة الحقيقية. واكبت هذه الظاهرة مناهج تعليمية وكتب مدرسية لتدريس اللغة العربية, ما زالت تحتفظ بمحتواها وطريقتها القديمة في تدريس اللغة ربما منذ قرون مضت والتي تُلهب عقول التلاميذ بعشرات القواعد للنحو والصرف، لا يستوعبها بسهولة عقل راشد, ما بالنا إذا بأطفال أو شباب صغار في المراحل المدرسية؟». ويحذر من أن الحال إذا بقي على ما هو عليه تزداد الهوة كل يوم بين الطلبة واللغة وبين الناس واللغة، ويمكننا أن نتابع كلمة مقروءة أو مرتجلة لشخصية حكومية أو عامة، حتى نلحظ بسهولة الأخطاء اللغوية المتكررة التي تحملها وكأن إجادة الحديث، أو الكتابة بلغة عربية صحيحة أمر صعب، لا يقدر عليه أحد, وإذا كان هذا هو الناتج الحقيقي لنظام تعليمي لم ينجح في تدريس اللغة العربية بشكل ميسر، فلنجرب إعادة تدريسه بطريقة سهلة محببة. خصوصاً أن انتشار اللغة الأجنبية انسحب حتى على الشوارع، وشاشات القنوات التلفزيونية، وهي المؤسسات التي تحيط بالمواطن العربي وتتغلغل في حياته. هذه الأمور تجعل الشباب يبحثون باستمرار عن لغتهم الخاصة غير عابئين بثقافتهم اللغوية الأصلية إنما يسعون إلى تصدير ثقافتهم الخاصة إلى الآخرين وهذه هي الكارثة التي يجب الانتباه إليها ومواجهتها.مصطلحات أجنبيةتوضح الدراسات أن شبكة الإنترنت ليست وحدها المسؤولة عن تغير لغة الشباب, فمصطلحات أجنبية كثيرة منتشرة بينهم سببها استخدام الإنكليزية كلغة تعامل في بعض أماكن العمل، إضافة إلى تردي التعليم الجامعي الذي لا يهتم أصلاً باللغة وصولاً إلى الدراما العربية وما تقدمه في المسلسلات والأفلام من ألفاظ شاذة. وتبين أن لغة الشباب هي طريقة مباشرة لإبداء الاحتجاج، لذا يقبل هؤلاء على اعتماد هذا النمط التعبيري ويحيطون أنفسهم بلغة خاصة بهم تفصلهم عن لغة الكبار, وهذه اللغة يفهمونها ويتفاهمون بواسطتها باعتبارها الأداة الأولى للاحتجاج، في مقابل اللغة غير النافعة المستعملة في عالم الكبار والمعتمدة للتعبير عن وجهة نظرهم، وهي شائعة في صفوفهم باعتبارها مناقضة للقواعد والتقاليد «اللغوية والاجتماعية».كذلك تشير الدراسات الى ان غالباً ما يحاول الأهل أو المعلمون التقرب من الشباب، وذلك عبر محاولة التكلم بلغتهم، لكنهم نادراً ما ينجحون في هذه المحاولة. وللتميز، يرغب الشباب في اللعب على الألفاظ، في سياق المزاح وبغية إيجاد كلمات جديدة تحمل معاني مبتكرة لا يفهمها غيرهم ويصعب على الآخرين تشفيرها أو استيعاب مدلولاتها الحقيقية.