الشاعر جوزف صايغ: حياتي ستنتهي في الغربة!

نشر في 12-03-2008 | 00:00
آخر تحديث 12-03-2008 | 00:00

صَدر للشاعر جوزيف صايغ كتابان: «معيار وجنون»، و»مجرّة الحروف» عن التعاونية اللبنانية للتأليف والنشر، كذلك صدرت عن دار النهار المؤلفات الشعرية الكاملة.

باكراً (1954) حطّ رحاله في باريس بحثاً عن الذات والافق الآخر. درس في جامعاتها ومارس الصحافة في اذاعة باريس العربية وانطبع وكتب «باريس، معيار وجنون» وهي مجموعة انطباعات وتعليقات للاذاعة.

حول الشعر واللغة والحياة والوجود والايمان والموت والما بعد كان هذا الحوار.

«مجرة الحروف»، هذه المرة تطل على القارئ ناثراً وليس شاعراً في كتاب يتناول قضايا العصر والكلمة ومصير الكتابة من خلال الثقافة العربية، ماذا بعد؟

يتناول «مجرة الحروف» قضايا تتعلق بالكلمة، والكلمة برأيي هي كل شيء. أنا اعتبر الكون كله كلاماً. من دون كلام لا كون ولا انسان. الكلمة العربية التي نكتبها، هي ذات تاريخ وحاضر ومستقبل، تاريخ هذه الكلمة كان دائماً محجوباً!

الكلمة العربية لم تكن يوماً حرّة، لأنها كانت إما خاضعة للمعتقدات الدينية، إما لارادة الخليفة وإما لسياسة الدولة. والكاتب العربي كان دائماً يكتب من دون أن يعبّر عن رأيه مخافة أن يتعرض لقطع الرأس أو اللسان! لذا حاولت أن أجد صِيَغاً وأن أطرق الموضوع الذي ارغب في طرحه ولو مداورة أو بأسلوب بلاغي ـ بياني يسمح بقول ما نريده.

هل تريد أن تقول بأنك تدعم حرية التعبير بالكلام؟

حرية الكلام لم تكن موجودة في أي عصر! الكاتب العربي كان دائماً يكتب وفي وعيه: ماذا تريد السلطة وماذا يريد الحاكم؟ هذه المرة أنا اكتب لأقول ماذا يريد الانسان!

لهذا اعتبر أن هذا الكتاب هو مفصلي، هو تحوّل في التفكير العربي المعاصر. هذا في الجزء الأول المتعلق بالكلمة ومصيرها وصراحتها وأنهي البحث بـ «كتاب الحقيقة» فيه تجرّؤ على الذين اتوا بحقائق للناس. فترى ان كل شخص جاء «بالحقيقة» حمل الى جانبها السيف وحصلت اراقة دماء كثيرة. هذا الموضوع كان يخالجني منذ دراستي في السوربون حيث كنت اشتغل على اطروحة حول «الحقيقة عند هايدغر» ثم انصرفت عنه، وبقيت الحقيقة هاجساً يلاحقني.

ماذا يريد الانسان؟ وماذا يجب أن يريد؟

لا اجرؤ على القول ماذا يجب أن يريد! كل انسان يريد حريته وراحته النفسية ومستقبله واعتقد أن ما يريده الانسان باستمرار هو ان يعرف ما هو الحق؟ وما معنى وجوده على الأرض؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هو هذا الكون؟ لماذا ينطلق من السؤال والشك وليس من اليقين؟

في اللغة العربية ومنذ 14 قرناً نحن على يقين من وجودنا ومن موتنا ومما وراء الموت. يعيش غيري في اليقين أما أنا فأعيش في الشك، ومن دونه لا يبلغ العقل أية حقيقة!؟

الغزالي منذ قرون قال بأن «الشك هو الطريق الى اليقين»!؟

صحيح. لكننا في مجتمعاتنا ننطلق من اليقين ومنذ أزمنة غابرة. لهذا ثمة ضرورة لاعادة النظر في مسلّمات تعود لعصور. يجب أن نعود اليها بالشك ونعيد الكرّة منذ البداية، ربما نصل الى حقيقة ما! وهنا المخاطرة!

أنتَ تطرح الأسئلة الصعبة. الموت؟ الحياة؟ الحقيقة؟ والما بعد؟ المنشأ والصيرورة؟ اسئلة فلسفية في المجردات، مطروحة منذ بدأ الانسان يعقل ويفكّر والى اليوم، لم تجد البشرية أجوبة مقنعة لها؟

صحيح، لكني طرحت اسئلة ترتبط بحياتنا اليومية، وبهذه الكلمة التي نعبّر بها عمّا لا نريد والتي لا نجرؤ على استعمالها في ما نريد. وخاصة «علقة» الكلمة مع نفسها في اللغة العربية.

«معيار وجنون» كتابٌ يتضمن مقالات اذعتَها من اذاعة باريس العربية في ستينيات القرن الماضي. لماذا تنشرها اليوم؟

«معيار وجنون» كتاب وضعته في العام 1956 يوم بدأت العمل في اذاعة باريس، مقالات كنت أقرأها في الاذاعة. هي وصف أو معاناة مع أجواء باريس الأدبية والفنية والمناخ الثقافي السائد يومها. سمّيت الكتاب «معيار وجنون» لأن باريس الكلاسيكية الأصيلة، هي معيار جمالي وفكري يمكن اعتماده. «المعيار» هو «القاعدة» التي تعقّد وتضع الأصول المنهجية لكن الابتكار هو خرق للقاعدة. بلا قاعدة لا ابتكار.

كيف «صدمتك» باريس التي عرفتها عبر الكتب والوصف وكيف تخيلتها؟ وكيف «عانقتها»؟

أول ما جبهتني به هذه المدينة هو الدهشة، وهي مدخل الى الاستكشاف والمعرفة. قبل أن أزور باريس فتيًّا سنة 1954 كنت قرأت عنها كثيراً، لذلك عندما وصلتُ اليها كنت «مجهزاً» فكريًا لاكتشافها. لكن المعرفة الذهنية تختلف كلياً عن المعرفة الواقعية، ومسألة تقريب المعرفتين، كانت عملية ثقافية مفيدة لي جداً في ما بعد.

عرفنا نتاج مستشرقين جاؤوا الى الشرق وتأثروا وكتبوا روائع هامة. أنتَ المشرقي، ذهبت الى أوروبا،. هل تعتبر نفسك «مستغرباً»؟

هذا سؤال يصيبني في الصميم! العملية برمتها كانت عملية استغراب، لأن باريس افقدتني أموراً كثيرة كنت اكتسبتها في لبنان _ بحكم ثقافتي العربية ـ لتكسبني أمورا جديدة منها. بهذا العمل كنت «مستغرباً» تماماً، وهو بالطبع «استغراب» ثقافي وجمالي.

ماذا «اخسرتك» باريس وبماذا أغنتك؟

أكاد أقول اكسبتني كل شيء ما عدا اللغة العربية. تعلّمت في باريس الانفتاح على «عالمية» الثقافة، قبلها كانت ثقافتي «اقليمية» ومتموضعة في جغرافيا اللغة العربية. اكتشفت أن على الأديب أن يأتي الى لغته من لغاتٍ أخرى، وأن يطلّ على حضارته من حضارات مختلفة، لا أن يذهب الى الحضارات الأخرى من ضمن حضارته، تحاشياً لخطأ التقويم! وهذا ما تيسّر لي في المجال الشعري. نلاحظ اليوم أن الشعر منذ أكثر من ربع قرن هو نوع من «نيو عبَّاسية»... يعني أن الشعر العربي انطلق من الشعر العربي وظل تحت عباءته، وقليلون جداً من شعراء الحداثة والكلاسيكية، اطلّوا على الشعر العربي من شعر أجنبي وكتبوا بالعربية، امثال سعيد عقل، انسي الحاج أو جوزيف صايغ ولا أعرف أكثر من هؤلاء الثلاثة!!!

سعيد عقل لم «يغترب» كيف تقرأ تجربته؟

سعيد عقل «مغترب» لغوياً وثقافياً، ولا تجد عنده أية مرجعية عربية في شعره وأدبه. اعتبره غريباً تماماً عن الثقافة العربية، ولكنه اكبر شعراء هذه اللغة. أنه نموذج وحده!!

عبر الاحتكاك اليومي بالغرب واطلاعك على ثقافته وما اكسبك، هل جعلك هذا الاغتراب الثقافي انساناً شمولي الانسانية والفكر؟

جعل مني انساناً مزدوجاً، هجيناً، نوعاً من غول ثقافي، أخذ من الحضارتين الشرقية والغربية ولكن في النهاية وبعد نصف قرن من الحياة المستمرة في الغرب الذي عشت فيه اكثر مما عشت في بلدي، أظن أن الناحية الغربية والاغترابية هي التي تغلّبت.

هل تستطيع ان تقول أن ثمة انفصاماً في شخصيتك الشعرية؟

ممكن ان نقول ذلك، ولكن هناك دوماً محاولة لتكييف الواحد بالآخر. لذلك كنت دائماً أقول عن نصوصي الشعرية بشكل خاص، أنها عارضات أزياء باريسية ترتدي أثواباً شرقية.

بعد كل هذه السنوات التي قضيت بين لبنان وباريس الجمال والمدارس الفنّية والثقافة. الى أي حقيقة انتهيت؟

اجيبك بلسان الشاعر الفرنسي بودلير الذي يقول: «يجب أن نسكر دائماً بالخمر، بالشعر، بالموسيقى بفكرة الله». المهم أن نتجاوز الواقع الرهيب الذي هو: حدود الشيء واللاشيء متقاربان _كما حال عنوان كتاب الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر «الكائن والعدم» ـ ولا تستطيع أن تعرف من سبق من!

هل أن هذه الأزمة ـ التي تعيش ـ هي أزمة ضمير العالم الثقافي اليوم؟

إنها أزمة دائمة، منذ الفكر الاغريقي وصراع الانسان مع القدر. العرب نجوا من هذا المأزق، ببلوغ اليقين، ولم يعد مصير الانسان مطروحاً كأحجية فلسفية، وبالتالي فهم سعداء بالوصول الى هذه المراتب العليا في اليقين!

نعيش على ايقاع التقدم الرقمي ووسائل الاتصالات الكوكبية، كيف تنظر الى نمط حياة الانسان، مع هذا الطغيان التقني؟ وأين الشعر وسط ذلك؟

هذا الوضع يزيد حاجة الانسان الى التفلّت والحرية والحلم وفي النهاية الى الفنون كافة والشعر منها. أنا لست ضد هذا «الكابوس» التقني، هذه سنّة التطور. واقع الانسان في هذا العالم، أن نتجاوز هذه الحقيقة بالنشوة. الانتشاء بأي شيء كان، من نبالة الفن كي نستحمل ما نحن فيه!

لماذا هذه العبثية في تفكيرك؟

كلمة لا شيء جميلة. هناك كتاب قيِّم جداً للفيزيائي الفرنسي ميشال كاسِّيه عنوانه: «في الفراغ وفي الخليقة» (Du Vide et de la Création). نصل دائماً في النهاية الى الفراغ الخلاّق، اللاَّشيء الذي صار شيئاً.

اعاني هذا الواقع. لهذا اقول يجب أن ننتشي بشيء، بالموسيقى (أفضّلها على جميع الفنون) أو بالشعر أو بجمال المرأة أو كما يحصل للمتصوّفون الذين يتغزّلون بالذات الالهية ويفنون بالله، كما لو كان حبيبة، وهو برأيي نوع من التخدّر والانتشاء بشيء، وأظن أن الذي لا يستطيع أن يتجاوز الواقع الى النشوة، هو انسان تعيس...

ماذا يعني أن يكون الانسان «شاعراً» مطلع هذه الألفية الثالثة؟

ان يكون الانسان شاعراً يعني الكثير. ويعني أيضاً وكما اسموه في البداية أنه «يشتغل» بما يسمّى «الله» عندما قيل «في البدء كان الكلمة». فالشاعر يشتغل «بالكلمة» أي بالجوهر!!!

متى يعود جوزيف صايغ الى لبنان وينهي هذا الاغتراب الجميل؟

أعود دائماً بالشوق، وعملياً مطلع كل صيف. أما عودتي النهائية، فاعتبرها أمراً عسيراً جداً، نظراً لتقدمي في السن وارتباطي بعائلتي المقيمة في باريس... حياتي ستنتهي - مع الأسف - في الغربة!!!

في مقدمة مجموعتك الشعرية «الديوان الغربي» اهداء: «الى أولغا ملحم الصايغ أمي، لأن الموت موجود، كانت باريس ضرورية»! لماذا هذه الضرورة؟

لأن هاجس الموت، القريب من هاجس الفرقة، الافتراق عن الأهل، شكّل دائماً هاجساً لي. عندما وصلت الى باريس، اجتاحتني المدينة كما يجتاح اعصار الحياة. فلم أعد أشعر بهاجسي السابق المتولّد من الفراق المؤدي الى الشعور بالموت، فكانت باريس مثل حياة جديدة عاصفة كثيفة عميقة، جعلتني أذهل تماماً عن الواقع الذي كنت أعيشه. ولهذا السبب، عندما تذكرت أمي التي فارقت الحياة وأنا بعيد عنها، قلت أن باريس كانت ضرورية، لكي نذهل عن الواقع، عن الموت والفراق، لكي ننتشي بنشوة ما تنتشلني من واقع الى وهْم بواقع يتجاوز حال القلق من الموت.

المؤلفات

شعراً

ـ قصور في الطفولة 1964

ـ المصابيح ذات مساء 1972

ـ كتاب آن ـ كولين 1973

ـ العاشق 1988

ـ القصيدة باريس 1992

ـ الديوان الغربي 1993

ـ الرقم واللازورد (...)

نثراً

ـ الوطن المستحيل

ـ ضريح للقرن العشرين

ـ المجرّة الأبجدية

ـ حوار مع الفكر الغربي

ـ معيار وجنون

ـ مجرّة الحروف

back to top