مترجم كردي أفنى حياته في عمله نال تقدير القوات العسكريّة وحُرم من البطاقة الخضراء!
اشتهر سمعان أحمد بشجاعته وعمله الدؤوب خلال السنوات الأربع التي عمل خلالها كمترجم للقوات الأميركية في العراق وكتب النقيب في قوات المارينز ترانت جيبسون عنه قائلاً: «كان يعرّض سام حياته يومياً للخطر في عمله مع قوى التحالف ولها».
ووردت رسالة جيبسون هذه في ملف دعم واسع تضمّن تقديراً من أمين سرّ أسطول البحرية واللواء السابق ديفيد بيتراوس مما ساعد أحمد في الهجرة إلى الولايات المتحدة في العام 2006 ضمن فريق مؤلف من 50 مترجماً عراقياً وافغانياً منحوا تأشيرات دخول بموجب برنامج قبول خاص. غير أن الحكومة الأميركية رفضت طلباً تقدم به أحمد للحصول على الاقامة الدائمة بحجة أنه كان ينتمي في الماضي إلى الحزب الديمقراطي الكردي الذي يعتبره المسؤولون في دائرة الهجرة الأميركية منظمة إرهابية لسعيه إلى الاطاحة بصدام حسين.لا شك في أن أحمد التحق سابقاً في القوات المسلحة للحزب الديمقراطي الكردي الذي بات يشكل اليوم جزءاً من الجيش العراقي الجديد وهو حليف الولايات المتحدة ويمثل الحكومة الكردية المنتخبة ويشغل أعضاؤه بعض المقاعد في البرلمان العراقي، لكن الدائرة الأميركية للهجرة والتجنيس اعتبرت بعد معاينتها المواقع العامة على شبكة الانترنت أن القوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردي «قادت هجمات مسلحة متكاملة وحرضت على الثورة ضد نظام حسين في أوقات عدة لا سيما إبان الحرب الايرانية العراقية وعمليتي عاصفة الصحراء وتحرير العراق». خجلوفي مقابلة أجريت مع احمد في القاعدة العسكرية البحرية في كنتيكو حيث يعلّم العربية لغة وثقافة لجنود المارينز المنتشرين في العراق بدا صوته مرتجفاً وتكلم بلغة انكليزية ركيكة لم نعهدها لديه من قبل عندما قال: «أشعر بالخجل» فقد أجّل مشروع زواجه من الخياطة التي كان مصمماً على عقد قرانه عليها والتي تصمم البزات العسكرية للمارينز ثم أضاف: «لا أريد أن يقيم أفراد عائلتي في أميركا لأنهم سيشعرون بالخجل لانتمائي إلى مجموعة إرهابية بل أريدهم أن يكونوا فخورين بما فعلته لفيلق مشاة البحرية الأميركية». وتابع: «بعد استلامي هذه الرسالة، أي منذ 3 أسابيع، إنقلبت حياتي رأساً على عقب، مع أن المحامي يؤكد لي انهم لن يسحبوا مني تأشيرة الدخول ولكن ما الذي يضمن لي ذلك؟ فأنا أتوقع أن يرغموني على الرحيل فور ايقافهم معاملات البطاقة الخضراء الخاصة بي».وفي اليوم نفسه أُبلغ مترجم عراقي كردي آخر يعيش في هذا البلد رفض طلبه المشابه لطلب أحمد بحسب المحامي توماس راغلاند التابع للشركة القانونية «Maggio and Kattar» التي تمثل الرجلين في الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم ضد قرارات الرفض. ولم يشأ المترجم الثاني مناقشة حالته خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى الحاق الضرر بعائلته في العراق وقد عمل الأخير مع المخابرات الأميركية والقوى الخاصة في العراق قبل سنوات عدة من الاجتياح الأميركي.وقال بيتروس، القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق، في بريد إلكتروني إنه لا يتذكّر أحمد شخصياً ولكنه أكد أن الحزب الديمقراطي الكردي أدى مهامَّ أمنية قيّمة للفرقة 101 المحمولة جواً التي تولى قيادتها في مدينة الموصل الشمالية في العام 2003 وأكد أن أياً من الوكالات الأميركية لم تصنِّف يوماً الحزب الديمقراطي الكردي على أنه حزب ارهابي.وقد تلقى عدد كبير من المترجمين العراقيين الذين عملوا في صفوف القوات الأميركية تهديدات في العراق مع الإشارة إلى أن أحمد غادر البلاد بعد أن وصفه خطباء المساجد في مقاطعة أنبار العراقية بال بأنه «متعاون مع العدو». وبعد أن مارس الكونغرس ضغوطاً على إدارة بوش للسماح إلى مثل هؤلاء المترجمين بدخول الولايات المتحدة، مُنحوا في العام 2006 خمسين تأشيرة دخول وفي 2008 ارتفع هذا العدد إلى 500 مع العلم أن الحصة لن تتجاوز ال50 في السنة المالية 2009، وفي البرنامج الذي أعلنته دائرة الهجرة والتجنيس شددت على أنها ستسمح للمترجمين بـ«دخول أراضي الولايات المتحدة والتقدم بطلبات الإقامة الدائمة تمهيداً للحصول على الجنسية الأميركية أخيراً».ً وتؤكد قيادة بيتروس أنه من أصل 5300 طلب، تقدم بها المترجمون العراقيون العاملون مع القوات الأميركية في العراق للحصول على تأشيرات دخول خاصة، ما زال هناك 648 طلباً عالقاً منذ ديسمبر. وقد عهد بيتروس إلى بعض المسؤولين القانونيين مهمة تسهيل طلباتهم فساعدهم في جمع الوثائق والتواقيع والشهادات الخطية العسكرية، مشيراً إلى أنه قام شخصياً بتوقيع عدد كبير من الرسائل المطالبة بمنح موافقات فردية، غير أن برنامج تأشيرات الهجرة الخاص لا يمنحهم سوى تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة أما الراغبون في الهجرة فيمكنهم التقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة لدى وصولهم. نقيب المارينز المتقاعد جايسون شاوبل، الذي عاد من العراق في 2004 بعد إصابته بجراح، هو الكفيل الرسمي لأحمد. وفي رسالة أرفقها شاوبل الأسبوع الماضي بملف الهجرة الخاص به دان «البيروقراطية النكراء» التي رفضت طلبه وكتب في هذا المجال «لا أعلم ما الخدمة التي يمكن أن يؤديها أجنبي لحلفائه الأميركيين والتي تفوق قيمة ما قدمه سمعان أحمد». ويقول الناطق باسم دائرة الهجرة والتجنيس بيتر فياتي إن الأنظمة تمنعه من التعليق على أية قضية خاصة، مضيفاً أنه يمكن نقض الطلبات المرفوضة أمام المحاكم فقط وردّاً على بعض الأسئلة التي وجهت إليه بشأن أحمد قال «يمكنني أن أؤكد لكم أن القضية قيد الدرس».وأحمد هو ثاني أصغر فرد في عائلة مؤلفة من خمسة أولاد وكان يكمل تحصيله الجامعي بعيداً عن مدينته حلبجة عندما شن صدام حسين هجوماً بالغاز عليها في العام 1998 لضرب المتمردين الأكراد ولطالما أوردت إدارة بوش هذا الهجوم الشائن في سياق الحجج المبررة لاجتياحها العراق. وإثر هذا الهجوم لم يبق أي من أقاربه على قيد الحياة، كما ردد على مسامع الأميركيين مرات عدة خلال السنوات الستة الماضية. وبعد أن تخرج من جامعة صلاح الدين في مدينة أربيل أدى خدمته العسكرية الإلزامية في جيش حسين حيث أمضى الفترة المخصصة له ثم تنقل بين وظائف عدة قبل أن يدخل السجن بسبب تعاطيه التهريب، وبعدئذ فرّ إلى تركيا حيث عمل غاسل صحون في أحد فنادق اسطنبول وعندما قرر العودة إلى دياره في ديسمبر 2001 سلّم نفسه إلى الشرطة التركية كمهاجر غير شرعي ورُحّل. وفي ذلك الحين كانت قوات الحزب الديمقراطي الكردي تحارب صدام حسين والحزب الكردي المنافس في آن معاً، فانتسب إلى ميليشيا الحزب الديمقراطي الكردي ويتذكر قائلاً : «لم أكن أملك أي مورد وكنت أفتقر إلى المال وأريد أن أؤمن لقمة عيشي»وفي منطقته كردستان كان «لا يستطيع المرء آنذاك العمل حتى في تنظيف الشوارع ما لم يكن منتسباً إلى هذه المجموعة».صلة وصلوفي بداية 2003، كانت القوات الأميركية الخاصة تعمل على توحيد الأكراد ليتحالفوا معها في اجتياح العراق، فأصبح أحمد يقوم بأعمال الترجمة ويؤمن صلة الوصل بين الفريقين وبعد وصول بتراوس إلى الموصل رفض العرض الذي تقدم به أحمد للعمل بدوام كامل مع الأميركيين بحجة أن الأمر سيثير سخط قيادة الحزب الديمقراطي الكردي الذي ينتمي إليه.فقرر أن ينشق عن الحزب ويجرّب حظه مع مركز القيادة الأميركية في بغداد حاملاً معه شهادة التقدير التي نالها على «خدمته وتفانيه للفرقة رقم 101» والموقعة من بترويس نفسه في 11 سبتمبر2003.وفي بغداد أصبح يعمل كمترجم لقوى المارينز وصرح جيبسون –وهو رائد الآن- في شهادة خطية أن أحمد كان أول مترجم عراقي يرتدي بزة المارينز والدرع الجسدي والخوذة و«أول شخص يؤتمن على سلاح» ورافق أحمد جنود كتيبة «كيلو كومباني» التابعة لجيبسون في أكثر من 200 دورية على مدى 7 أشهر في مناطق كانت تشهد معارك عنيفة غرب العراق وكتب جيبسون «لولا الجهود الحثيثة وغير المشروطة التي قام بها سام لما تمكنت من انجاز المهمة الملقاة على عاتقي».غير أن التهديدات بالقتل التي تلقاها من القوى المناوئة للائتلاف حثَّت المارينز على اتخاذ قرار اخراجه من العراق. وفي نشرة صادرة عن الدائرة الأميركية للهجرة والتجنيس حول تأشيرات الدخول الخاصة الممنوحة إلى المترجمين أشير إلى أنه «على المتقدمين بالطلبات أن يكونوا مؤهلين لنيل الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة» فتوقع كل من شاوبل وأحمد أن يواجه الأخير بعض المصاعب في الحصول على البطاقة الخضراء وما إن وصل إلى الولايات المتحدة حتى تقدم بطلب للحصول على اللجوء السياسي دعماً لقضيته ونجح في مسعاه.وفي 2006 تقدم بطلب آخر للحصول على الاقامة الدائمة فقدّم الوثائق نفسها التي ساعدته في السابق على نيل تأشيرة الدخول وحق اللجوء وانهى الاجراءات في أغسطس الماضي. وفي غضون ذلك تابع العمل لصالح المارينز في مركز التدريب على العمليات العسكرية المتطورة الذي أُسس عام 2005 في كنتيكو بعد أن أدرك الفيلق أن جهله واقع العراق وثقافة هذا البلد يضعف مهمته هناك . ويمضي أحمد قسطاً كبيراً من وقته في مراكز التدريب التي ترسله إليها قوات المارينز في مختلف أنحاء البلاد للاطلاع على المواقع الأثرية والمراكز العربية والثقافية هناك. والحد الأقصى لتلقينهم اللغة هو 40 ساعة وهي فترة غير كافية على حد تعبيره إنما من الممكن على الأقل «تعليم الجندي كيفية التفوه بكلمة تكتيكية والبقاء على قيد الحياة وعدم اطلاق الرصاص على شخص لم يتوقف عند حاجز تفتيش» أما الذين يقومون بجولاتهم الثانية أو الثالثة فالأسئلة التي يطرحونها هي أشد تعقيداً و«يقولون حسناً، سنذهب إلى هناك ونحن في زمن رمضان فما معنى كلمة لا؟ وكيف يقال افعل هذا – لا تفعل ذلك؟ ماذا أقول لجنود المارينز خاصتي؟» قانون الهجرةوفي الواقع يعود إلى مسؤولي دائرة الهجرة والتجنيس الأميركية البحث في الخلفية الثقافية لمقدم الطلب واتخاذ القرار المناسب مستعينة بالتفسيرات المحددة في قانون الهجرة والجنسية وقانون باتريوت الصادر بعد هجمات 11 أيلول، وبحسب ما ورد في كتاب الرفض الموجه إلى أحمد استُقي الخبر من موقع مؤسسة ميموريال لمنع الارهاب على الشبكة الالكترونية وهي منظمة لا تتوخى الربح، ممولة من ادارة الأمن القومي.ويتضمن القانون أحكاماً استثنائية صادرة عن وزير الخارجية لصالح الجهات المستدعية الأجنبية وعن مستشار الأمن القومي لصالح المقيمين في البلاد على غرار أحمد، إنما لا يمكن أن يتقدم الشخص المرفوض بطلب إعفاء. وما زال أحمد يقيم في هذا البلد بتأشيرة دخول خاصة وبوضعه كلاجئ إنما هاتان الوثيقتان لا تملكان استمرارية البطاقة الخضراء وبموجب القانون الأميركي يمكن ترحيل أصحاب حق اللجوء إلى بلادهم إن رأى وزير الخارجية في هذا التدبير عملاً سلمياً وأن الخطر على الشخص المعني قد زال. وقال إنه يود العودة إلى العراق ولكن بصفة جندي في المارينز فحسب، فلا عائلة له إنما «لدي أعظم عائلة وأكبرها حجماً في أميركا، لدي فيلق مشاة البحرية الأميركية».