جامع قرطبة... إحدى قمم الفن المعماري العالمي

نشر في 26-09-2007 | 00:00
آخر تحديث 26-09-2007 | 00:00
مسجد قرطبة هو، باعتراف مؤرخي الفن من الأوروبيين، قمة من قمم الفن المعماري العالمي على مر العصور، ومنذ شروع عبد الرحمن الداخل في تشييده عام 170هـ (786م) وأعمال التجديد والإضافات لم تنقطع عنه ولمدة قرنين ونصف قرن تقريباً.

وقد حرص أمراء وخلفاء الأمويين على الالتزام بالطراز الأصلي للجامع واحترام شخصيته المتفردة.

بدأ جامع قرطبة بمساحة مستطيلة (75م 65 X م) عبارة عن ظلة للقبلة ذات أروقة حملت عقودها على أعمدة من الرخام ويتقدمها صحن مكشوف بالمساحة نفسها. وعدد أروقة الصلاة كان 12 رواقاً موازية لجدار القبلة أو تسع بلاطات عمودية على جدار القبلة أوسعها الوسطى المعروفة بالرواق الأوسط وتؤدي إلى المحراب.

وفي سنة 180 هـ (796م) أضاف الأمير هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل رواقاً من جهة الصحن.

وإزاء تزايد أعداد المصلين شرع عبد الرحمن الثاني في زيادة مساحة الجامع فقام بهدم جدار القبلة وأضاف ثمانية أروقة في اتجاه نهر الوادي الكبير ووضع محراباً جميلاً للمسجد. وبذلك أصبحت المساحة الإجمالية لجامع قرطبة بما فيها الصحن حوالي 9750 متر مربع، ونظراً للعمق الكبير لظلة القبلة فقد قلت كمية الإضاءة النهارية التي كانت تأتي من الصحن ونوافذ الجامع بشكل ملحوظ، ما دفع المعماريين الأندلسيين إلى البحث عن حلول لهذه المعضلة وهدتهم قريحتهم الابتكارية إلى تعلية سقف ظلة القبلة عن طريق وضع دعامات مجرية فوق الأعمدة الأولى وإضافة عقود ثانية تنطلق منها، وبذا ظهرت العقود المزدوجة الشهيرة في جامع قرطبة والتي حملت سقفاً خشبياً خفيفاً غطي بالقرميد الأحمر.

وتولى الأمير محمد بن عبد الرحمن في سنة 241هـ (855م) تكملة أعمال الزخرفة في هذه الزيادة التي بدأها والده في عام 234ه ـ (848م) وأضاف مقصورة إلى يمين المحراب ثم قنطرة علوية (ساباط) فوق الشارع الرئيسي لقرطبة «المحجة العظمى» المار غربي الجامع، لينتقل الأمير عليها من قصره في الجهة المقابلة إلى المسجد دون أن يمر في الشارع.

وفي عهد الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر جرت توسعة ثالثة باتجاه القبلة التي نقل جدارها 35 متراً إلى الجنوب وتم عمل محراب جديد يعد آية من آيات فن النحت والمعمار في الفن الإسلامي. وقد عملت هذه الزيادة على هيئة مسجد جديد متصل بالأول ومتناسق معه في الهيئة العامة، حيث استخدمت العقود المزدوجة ولكن مع تنوع شديد في الصورة والأشكال الهندسية خاصة في العقود المفصصة والقباب.

وزود عبد الرحمن الناصر الجامع بمئذنة أو صومعة جديدة في أقصى جدار الصحن ناحية الشمال وهي ذات بدن متعامد الأضلاع ولها شرفتان للأذان يصعد إليهما بسلم حجري داخلي.

وتعتبر أعمال المنصور محمد بن أبي عامر حاجب الخليفة المؤيد هشام آخر تلك الأعمال الكبيرة التي أدخلت على عمارة جامع قرطبة وقد زاد في سنة 377هـ (987م) مساحة جديدة بطول المسجد كله من ناحية الشرق. وحرص المعمار على أن تتماشى أعمال هذه الزيادة مع هيئة الجامع العامة، ومن بعدها أصبحت مساحة جامع قرطبة بما فيها الصحن حوالي خمسة أفدنة (22.500 متر مربع) يشغل بيت الصلاة وحده حوالي ثلاثة أفدنة منها، ويعتبر بذلك أضخم ظلة للصلاة شيدت في العمارة الإسلامية.

وقد حوّل هذا الجامع الفريد والمهيب إلى كاتدرائية عندما استولى الأسبان على قرطبة في عام 1236م وفي القرن 14م أنشئت في الجانب الغربي منه كاتدرائية صغيرة وفي سنة 1523م شيدت بوسط الجامع كاتدرائية كاملة شوهت من هيئته البديعة.

أما الصومعة الرائعة التي شيدها عبد الرحمن الناصر في سنة 340هـ (951م) فقد حولت إلى برج للنواقيس. ورغم ذلك فمازالت بقايا الجامع الكبير تشهد بروعة عمارته وجلالها الفني.

back to top