الكلام عن الحب!

نشر في 14-09-2007 | 00:00
آخر تحديث 14-09-2007 | 00:00
No Image Caption

( 1 )

للقصائد العاطفية، أو لنقل الغزلية هكذا ليفهموننا غيمها، ومطرها الذي يظل يداهم جدب الروح من حيث لا يتوقع، وقد يفعل فعلته المعتبرة كما هو المطر الذي تجود به غيمة في كبد سماء الحقيقة.

للقصائد العاطفية هفهفاتها العطرة وهي التي تأتي أحيانا كنسائم مضمخة بعطر يقطره القلب من خمائل ورود العاطفة.

للقصائد العاطفية، تظل حاجتنا قائمة ومستديمة، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر قلبه، فكيف ينكر إنسانيته ؟!

( 2 )

ولكن تعالوا قليلاً نتأملها، تلك القصيدة العاطفية، التي تكاد تكون هي سيدة المكان والموقف، والقائمة على عرش الشعر المحكي- أتفق بهذه التسمية (المحكي) مع إبراهيم الوافي، إذ هي أدق وأصوب- والتي تشعرني أحيانا كثيرة انها تأتي كشخص ما، يرتدي معطفا كبيرا ذا جيوب كثيرة مملؤة بأشياء على شكل أكاذيب...

إنها ليست القصيدة العاطفية التي تقول لك بصراحة ودقة إنها كتبت بواسطة القلب، وبالتالي بواسطة الحب... كتلك القصائد التي نحتاجها، ولكن منذ ان تقع عينك على مطلعها المنطفئ البائس تشير لك أن تتركها وشأنها، منطوية على تجويفاتها المظلمة، وكأنها تقول «ماذا تريد مني؟ الحب، فاقد الشيء لا يعطيه!».

( 3 )

وهذا الكلام ليس جديداً، أعني الحديث عن القصيدة الغزلية الهزيلة التي تكتب لمجرد ان تكتب، كيفما اتفق ذهن الشاعر الشعبي وتفتّق عن لا شيء الا مجرد الوجود في السرب المزدحم، لكن الحال التي كان عليه الأمر قبل سنين عدة، كان من المفترض، في تصوري، ان يتغير شيئا ما ، استناداً على ما يفترض ان يكون قد تغير من ثقافة ومكتسبات ومعرفة ووجدان وأشياء الشاعر كلها، لكن لا، هذا الذي يفترض، ظل افتراضياً، لأن الشاعر الشعبي- على

الأغلب- لا يزال يرد المصادر نفسها التي كان يردها شاعر القصيدة الشفهية، بالنهج التقليدي البائد نفسه، بلا ثقافة فكرية ووجدانية معاصرة. ومن المؤكد انني استثني كل الشعراء الموهوبين من التمثل في هذه القضية.

( 4 )

لا يستطيع أحد أن يمنع أحدا عن الكتابة، والكتابة تظل دائماً حقا مشروعا لكل انسان، لهذا، فمن غير المعقول ان نقول للشعراء لا تكتبوا شعر غزل إلا وانتم تدركون ماهية الحب والشعر معاً، لكنني كواحد من المتلقين أظل أبحث عن قصيدة حب تذهب للقلب مباشرة عند اول فرصة لقاء / قراءة من دون ان تلزمني تصديقها، ولا افكر اساساً في صدقها من عدمه، إذ هي تتعامل كوردة تفوح عطراً وكغيمة تجود مطراً، تلقائياً وبلا تعقيدات. هذه القصيدة في تصوري لا تأتي إلا ممن يحترم الشعر ويحترم الحب، لذلك فهو لا يمكنه أن يأتي بأشياء ميتة ليقول للقارئ: «تفضل، هذه قصيدة حب !» في حين انها مجرد جثمان قصيدة حب.

( 5 )

في قصيدة «ورد أقل» للشاعر الكبير محمود درويش يحمل أحد مقاطعها عنوان «أستطيع الكلام عن الحب» ويهمني من الأمر هذا العنوان بظاهره، معتقداً أن الكثيرين يستطيعون الكلام عن الحب، ويظل الحب بريئاً من كل ما يقولون، وهناك الكثير من الشعراء يكتبون عن الحب قصائد هي في حقيقتها «كلام عن الحب» كأي كلام، والسلام !

back to top