الباب العربي قناع الوجاهة ومرآة العمارة
الباب ظاهرة معمارية عرفتها شعوب الأرض بلا استثناء. هو في الأصل اختراع أمني دفاعي، بديل عن الصخرة الكبيرة التي كان يسد بها الإنسان البدائي كهفه أو مغارته حيث يحتمي.
يؤدي الباب دوراً رئيساً ومؤثراً في واجهة المبنى فهو من عناصره التشكيلية الأساسية، حيث يتم اختياره ليتلاءم وطراز المبنى ونمطه المعماري وحجمه تبعاً لتقسيمات العمارة في أوجهها الحربية أو الدينية أو المدنية.تنحصر العمارة الحربية في عمارة أسوار المدن الإسلامية الكبرى التي ظهرت واضحة إثر اتساع رقعة الإسلام فصار لها إمبراطورية مترامية الأطراف. كانت ثمة حاجة عسكرية وأمنية لحماية هذه المدن التي غالباً ما تحاط بأسوار مرتفعة ضخمة تحميها من هجمات الأعداء. ثمة أبواب عملاقة متينة محكمة تسمى بأسماء الجهات التي تتجه إليها: باب البصرة، باب الكوفة، باب خراسان، باب الشام في مدينة بغداد. وربما سميت هذه الأبواب بأسماء المناسبات التي ترتبط بها مثل باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح وباب العيد وكلها من أبواب القاهرة وفي مدن المغرب كتطوان التي لها سبعة أبواب ومدينة الرباط التي أطلق عليها مدينة الأسوار والأبواب. بواباتها مشهورة تعود إلى تاريخ بعيد منذ أسسها يعقوب المنصور الموحدي عام 593 هجرية. لها خمسة أبواب تاريخية مشهورة هي: باب الأحد، باب شاله، باب لعلو، باب البويبة، باب الملاح. كانت لمدينة الكويت قديماً أسوار، السور الأول بناه الشيخ صباح الأول عام (1798) والثاني في عهد الشيخ سالم المبارك (1920) يتخلله بوابات تغلق ليلا مثل بوابة الشامية وبوابة الجهراء وبوابة بنيد القار وبوابة المقصب وبوابة البريعص، ولكل بوابة ميزة ببروزها في السور يتوسطها باب خشبي كبير ذو مصراعين. في أعلى واجهة البوابة شرفات مسننة. على جانبي هذه البوابات ثمة مجموعة من الأبراج للحراسة تسمى (غولة) قامت الحكومة بهدم السور (عام 1957) وأبقت على البوابات الخمس كأثر تراثي وشاهد للعيان للأجيال المقبلة. أما أبواب العمارة الدينية التي تركزت في عمارة المسجد وأولي أهمية دون سائر أنواع المباني الأخرى. شملت العمارة الدينية المسجد الجامع والمساجد الكبرى والمدارس الدينية والأضرحة. كان الباب فيها أحد أهم العناصر المعمارية الأساسية ويؤدي دوراً رئيسياً ومؤثراً على واجهة المبنى حيث ينبغي للداخل إليها أن يبهر من عظمتها منذ الوهلة الأولى. المداخل ضخمة، كثيراً ما تكون الأبواب مرتدة إلى الداخل ومحاطة بإطارات مزخرفة. يعتمد المعماري رفع المدخل عن مستوى الأرض (عتبة عالية) حتى يوفر قدراً من الهيبة البصرية والإحساس بعلو المكانة. منهم من نصب الأعمدة العالية على جانبيه وسقفاً تتدلى منه المقرنصات أو قباباً ما يمنح الباب السمو والرفعة ومنهم من يلجأ إلى التشكيلات بكتل الأحجار المعشقة والمتداخلة أو المنحوتة لتحيط بالباب أو بزخرفة واجهاتها بالكتابات، علاوة على التفنن في مقابضها ومفصلاتها ومزاليجها، كما في جامع السلطان حسن في القاهرة ويعد مدخله من أضخم المداخل التي شيدت في البلدان الإسلامية. هوية المكان أنسحب هذا الاهتمام بالباب في العمارة المدنية على هذا النحو: في بوابات الحمامات والخانات والقيصريات والوكالات والبيمارستانات والأسبلة والفنادق ومساكن الطبقات الغنية وكبار التجار ورجال الدين والعلماء. كان للباب دلالة على وجاهة أو ثراء أو منعة، فيعرف البيت من بابه أن كان فخما أم متواضعا، حيث كانت تصنع الأبواب من أجود وأثمن أنواع الخشب وتغطى أحيانا بالنحاس المطعم بالذهب والفضة بهدف إضفاء الهيبة للمكان. من خصائص التصميم لهذه الأبواب الكبيرة (ضلفة واحدة أو ضلفتان) ما يسمح بدخول الأشخاص من دون الحاجة الى فتح الباب بأكمله في المناسبات والاحتفالات أو عند الحاجة.هذا ما نراه في بيوت الكويت قديما وكان يطلق عليه باب (بوخوخة). عادة ما يكون للباب درج مرتفع عن مستوى الأرض وله مقعدان حجريان على جانبيه وللأبواب سحرها الخاص ولها خصوصية في الثقافة العربية ولدى كل الحضارات. منذ فترة باتت صرعة محببة تزداد يوما إثر يوم ومحط أهتمام الفنانين والمصممين والحرفيين المحدثين ومحبي التحف والانتيكات. هذا يؤكد على ضرورة الحرص والاهتمام بجمال الباب الذي من شأنه رفع مستوى جمال البيت وحرص العارفين بضرورة صناعة الباب من خشب ثمين قوي يتحمل طبيعة المناخ وظروف الطقس من حرارة ورطوبة وجفاف كما يساعد الطلاء المناسب الجيد على حمايته إلى جانب أبراز جمال ثمرته واتجاهات إليافه. وكان الباب العربي قديما يصفح بالمعادن كالنحاس ويطلى بالذهب أو الفضة أو الاثنين معا. غالباً ما كانت تستورد للباب الأنواع الفاخرة من الأخشاب مثل خشب (التك) من الهند واندونيسيا ودول أسيا و(الأبنوس) من السودان وبعض الدول الإفريقية و(الأرز والصنوبر) من الشام.يعهد عادة لصنع الأبواب الى الحرفي الماهر المتمرس ،النجار الأقدم الذي يتقن صنع الأفاريز وأعتاب الأبواب الكبيرة والمحفورة والمتحكم في السدائب ذات الأسماك والأطوال المختلفة التي تشكل بالخرط أو الحفر لتقطع بمقاسات أيضاً توضع على أنف الباب.معلوم تميز الفن العربي بالإتقان والمبالغة في الإجادة وحب التنميق والزخرفة فنجد أن الحرفيين يلجأ ون إلى ابتكار طرق جديدة للتجميع والتعشيق بعد قطع الأخشاب على هيئة أشكال هندسية من مربعات ومخمسات ومسدسات ومثمنات تجمع وتعشق مع بعضها، عن طريق لسان بارز وجزء منقور(تعرف بالمفروكة)، توضع هذه الأجزاء على سطح الأخشاب الأقل ثمناً فيكون مجموعها شكلا زخرفيا جميلا حتى على الباب، العوامل الجوية من حرارة وبرودة، فلا يتلف أو ينبعج. كان بعضهم يقوم بزخرفة الباب بالتطعيم بالعاج أو العظم أو الأبنوس وأحيانا كثيرة يتعهد الباب حفار (أويمجي وهو لفظ تركي يستعمل في مصر) يقوم بتجميل أسطح الأبواب بطريقة الحفر البارز أو الغائر أو الاثنين معاً. ينقش كتابات بخطوط مختلفة مثل ( بسم الله ولا غالب إلا الله- يا مفتح الأبواب – اللهم أفتح لنا خير باب- أو بعض الآيات من القرآن الكريم).كانت ثمة أبواب تلون بالمناظر. تنفذ باستعمال طبقات رقيقة جدا من دهان اللاكية واللاكر ومع كل طبقة تحتوي على رسم عنصر رُسم بلون معين. توضع طبقة من الدهان على الأخرى حتى يتكون في النهاية الشكل أو الرسم المطلوب وكأنه داخل طبقات من الزجاج الشفاف،كما كانت هناك أبواب ذات أشكال صماء وأخرى ذات فراغات لإظهار حيوية السطح فيزيد من قوة التعبير الجمالي. أيضاً أظهرت الزخارف للنباتات المحورة من أفرع وأوراق وزهور تأثيراً كبيراً في غنى السطح بتفريعاتها النافذة من السطح ليكون تأثيرها على النفس مبهجاً بما يتولد بسببها من الخفة والشفافية والحيوية لقربها من الطبيعة، خاصة في حال كانت ثمة رسوم حيوانية جنب تلك الرسوم الزخرفية النباتية.و كان هناك ثراء أبداعي للزخارف الهندسية ووحداته التي تميزت بها الفنون العربية دون سائر حضارات العالم وقد ظهر كثير منها على الأبواب. منها عرف (بالمفروكة) وهي وحدة زخرفية تحصر في داخلها مربعاً بحيث تكون امتداداً لأضلاع المربع، خارجة متساوية في اتجاه واحد من دون أن تقابل، نقشة رأس السهم والأطباق النجمية وسواها من الطرز الزخرفية الهندسية. مطارق يكون للباب عادة مفصلات يُعتمد عليها أثناء حركته. يجب أن تتناسب وحجم الباب وثقله لضمان سهولة الغلق والفتح. تصنع من النحاس فتضفي على الباب جمالا وبهاء.أما (صفاقات) الأبواب ومطارقه فتعود فكرة استخدامها الى زمن بعيد. كان الناس يضربون الباب بالعصي أو السلاح الذي يحملونه للإفصاح عن هويتهم. ثم جاءت فكرة تثبيت مقبض يدوي وسط الباب يحدث صوتا لينبه سكان البيت عندما يطرق. تنوعت أشكال هذه المطارق، لكن أشهرها جاء على شكل يد امرأة في أحدى أصابعها خاتم وفي هذه الأيام كثر هواة التحف الذين يجمعون الأنواع المختلفة لهذه المطارق.