الملصق السياسي لزينة معاصري... مرايا لا تنكسر!

نشر في 24-04-2008 | 00:00
آخر تحديث 24-04-2008 | 00:00

تحت عنوان {ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية»، أقامت الفنانة زينة معاصري، بمشاركة عليا كرامي وإنتاج جمعية «أشكال ألوان»، معرضا في «كوكب الإكتشاف» (بيروت) جمعت فيه أكثر من 300 ملصق سياسي للأطراف المتنازعة في الحرب الأهلية 1975 - 1990.

بدأت عملية تجميع الملصقات منذ العام 2003 من مصادر مختلفة: محفوظات شخصية لمقاتلين، أرشيف منظمات سياسية وأحزاب، أرشيف مكتبات جامعية في لبنان والخارج إضافة إلى محفوظات خاصة.

جُمع حتى الآن أكثر من 700 ملصق سياسي لـ 30 مجموعة سياسية وخُزّنوا رقمياً في بنك معلومات يسمح بالوصول إليهم بسهولة.

حروب الصور

بدأت الحرب الأهلية اللبنانية فيما كان العالم يغلي بالأفكار، بعد أعوام قليلة من ثورة الطلاب في فرنسا وفي وقت كانت المنطقة العربية مسرحا للتطلعات، بالإضافة إلى نشاطات التيارات الإسلامية وصعود نجم المقاومة الفلسطينية التي كان لها أثر كبير في تكوين مشهد فني وسياسي وجد صورته في الرسم والشعر والأغنية وسائر الفنون .

اندلعت هذه الحرب تحت عناوين عدة، كان الحضور الفلسطيني فيها طاغيا ومدججا بالصور عبر مادة إعلامية غزيرة ومتنوعة. فصورة الفدائي كانت مجالا بصريا وإيديولوجيا، عملت المقاومة الفلسطينية وأنصارها على دفعه إلى أقصى الحدود الممكنة، وصار لغة بصرية يمكن اعتبارها مؤسِّسة في صناعة وتشكيل الروافد التي تغذى منها الملصق السياسي، الذي انتشر مباشرة مع بداية الحرب الأهلية وتطورت مفاهيمه وأدواته مع أحداثها وتطوراتها.

لم يكن ملحقا بالحرب كعلامة خاصة ومميزة، بل كانت الحرب نفسها مفلوشة وموزعة داخل مساحات الاحياء والمناطق التي تحولت جدرانها إلى ساحات تنطلق منها حروب الملصقات ولم تكن صغيرة أبدا. كان هدف الحرب جعل الطرف الآخر كائنا بلا صفات وبلا مزايا إلا تلك التي تنسبه إلى الظلام والهمجية، فلا يعود قتله عنفا أو عدوانا بل نوعا من خدمة للإنسانية تتجاوز حدود إحالاتها الساحة اللبنانية، لتقدم حالة ودروسا إلى العالم بأسره.

كان الشهيد حفلة الملصق الدائمة وعنوان حروب الصور، التي كانت تدل على المشترك عند جميع القوى، على الرغم من التباين السياسي والإيديولوجي . كان وجهه الإضاءة بالنسبة إلى الصورة، يحكم تصميم الملصق ويفرض عليه إيقاعا خاصا لا يمكن ان تخالطه أية رموز أرضية، لذا شاعت التصاميم التي تبرز صورة الشهيد التي تنزف لتسقي أرضا لا تقتصر حدودها على المساحة التي يسيطر عليها الحزب الذي ينتمي إليه الشهيد، إنما هي دوما الأرض اللبنانية كلها . من هنا كان يحدد بشهادته مصير الجغرافيا حتى تستوي ضمن حدود سياسية وإيديولوجية يجتهد كل طرف في تعميمها، ليس بواسطة نيران البنادق ولكن من خلال نيران الملصق.

هويّة الملصق

يملك هوية موحدة، فهو نوع من بنية بصرية محاصرة بسياق معين ومحكومة بإيصال رسالة، يجب أن تكون شديدة الوضوح وتحمل، بشكل لا يقبل التأويل، صفات وأخلاق الطرف الذي ينتجها. لذا يمكن الحديث عن الملصق اليساري والملصق الإسلامي ليس من خلال التمايز في الهوية، ولكن من خلال اختلاف وسائل التعبير عنها الخاضع إلى طبيعة الخلاف السياسي والتناحر العسكري.

ضمت حركة اليسار المثقفين وحاولت ملصقاتها ان تكون في قلب معركة التحديث التي خاضتها أولا في مجال الأغنية، فصمم فنانون بارزون ملصقاتها، ما جعل الملصق اليساري نوعا من سجال ثقافي يتمايز عن الملصقات الاخرى التي طغى فيها التوجيه السياسي المباشر وإن كان يشترك معها في الأهداف.

كان مسموحا في مؤسسة اليسار الإعلامية، بروز الطابع الشخصي في العلاقة مع الزعيم أو الشهيد أو المناسبة. تميزت الأغاني بكلام عاطفي عن الشهداء وربطته بالموقف السياسي، وكان الفنان اليساري يعبر عن علاقته بالفكر الذي ينتمي إليه من خلال الملصق. لذا نستطيع القول أن دخول الفنانين معركة تصميم الملصق السياسي لم يكن مجرد ترف بل كان تصعيدا يؤشر إلى أن المعركة شاملة ويجب أن تستخدم فيها الأدوات كلها.

صمم الرسام التشكيلي اللبناني بول غيراغوسيان بعض الملصقات اليسارية وشارك زميله جميل ملاعب في بعضها أيضا. لا يعني ذلك أن سائر الأطراف ليس في صفوفها فنانون ولكن كان اليسار يضم العدد الأكبر من الفنانين والأكثر بروزا.

حفل الملصق، الذي كانت القوى المسماة إنعزالية تتبناه، بالخرائط وأقوال أقطاب الأحزاب وكلماتها، وامتاز بحرصه الشديد على إظهار التناقضات بينه وبين سائر القوى التي يناصبها العداء، كان هذا «الآخر» غريبا وجاهلا ومجرما وكافرا أيضا. نرى في بعض الملصقات تقسيما ثنائيا يبني على فكرة المفارقة ويحاول دفعها إلى أقصى الحدود، فيعرض أحدها مثلا صورتين، واحدة لرجل هائج يحمل سكينا يلوّح بها ويطلق عليه صفة القاتل، في مقابل أخرى تعرض مقاتلا يرتدي ثيابا عسكرية ويحمل سلاحا على كتفه وهو راكع يصلي وتطلق عليه صفة المقاتل. المسافة التي يحاول هذا الملصق الإيحاء بها غير قابلة للقياس، إنها هوة شاسعة لا يمكن ردمها أو إقامة الجسور للعبور فوقها. القاتل يقتل فحسب ولا يمكن نسب أي معنى إلى عمله هذا، أما المقاتل فيحارب ويدافع ويحمي.

كان الملصق القومي سائدا منذ بداية الحرب، وهو لا يعتبر أن حدوده لبنانية، بل يرى في لبنان ساحة معركة للمشروع القومي الذي يشمل المنطقة العربية كلها ، لذا فإن ما يميز هذا النوع من الملصق هو خطابه العربي الشامل الذي يستعيد شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة « ويحاول تعميمه وإعادة إنتاجه على الدوام . كانت صور عبد الناصر وأقواله هي القاسم المشترك الدائم الظهور وكانت التصميمات تلتفت إلى معاني الخير والعطاء والوحدة، فتكثر فيها السنابل والأشجار الملتفة على بعضها .

يمكن القول إن هذا الملصق كان يعكس هما طوباويا متمثلا برموز زراعية، لذلك حافظت طبيعته على قدر كبير من السجالية، إلا أنها حاولت إبراز صيغ التعليم والتربية. كان الفكر القومي يعتبر نفسه نهضة ووعياً، فحرص، من خلال تجليه لبنانياً عبر وسيط الملصق، على أن يكون متوازنا قدر الإمكان لأن القوى المتحاربة في لبنان هي جزء من النسيج الذي يقع على عاتقه مهمة إنشاء القومية العربية.

كان هذا الملصق متحايلا وحالما وحربيا في الوقت نفسه، لأن صفة أعداء العروبة، التي ظهرت فيه، كانت تعني أن حدود المعركة واسعة ولا يمكن تحديدها ضمن خريطة حروب الشوارع الأحياء التي ميّزت الحرب الأهلية اللبنانية.

انتشر الملصق الإسلامي بعد فترة وجيزة من بداية الحرب الأهلية وكان مطبوعا بالمقدس منذ بداياته، فكانت الآيات القرآنية تسيطر عليه مما يستدعي حفظه بالضرورة، إذ من الحرام أن تتلف ورقة عليها آية قرآنية. من هنا كان هذا الملصق خطابا علويا يسعى إلى القبض على السياسة من دون أن يمسها ويتلوث بأوحالها ويحاول رسم مساراتها وخطابها وما تحتاج إليه، لتكون فعلا سياسة من دون أن يدعي أنه فيها. كانت صور الشهداء خاضعة للغيب على الدوام، فهم قضوا في سبيل الله خلافاً للأحزاب الأخرى، التي كانت تنسب شهداءها بشكل أكثر وضوحا إلى مناطقهم وتهديهم إلى الوطن. لا يعني ذلك أن هذا الملصق لم يكن يتوجه إلى الوطن، ولكنه كان يجعل من الدفاع عنه والموت في سبيله فرضا وواجبا لا تمليه السياسة ولا الجغرافيا ولكن العلي القدير.

بنى تمايزه من هذه الناحية بالتحديد، فكانت مفاهيمه وطرق تصميمه مقتصرة على شبكة الإحالات والتوظيفات الإسلامية التي تستعيد مادة ذات أثر ثابت ومدروس وتعيد استعمالها ونشرها. لا مغامرات في مثل هذا الملصق.

كان الملصق السياسي في فترة الحرب الأهلية نوعا من المشاريع الصغيرة التي تمولها الأحزاب والمؤسسات واحياناً الأفراد، وكانت إمكانات عرضها محصورة بحدود المناطق التي كانت مرسومة بدقة هندسية، لذا كان حجمها محدودا بدوره ولا يتجاوز أكبرها السبعين في المئة. نشهد اليوم تداخلا مناطقيا وتضخما ملصقيا, جعل مساحة عرض الملصق وحجمه يبلغان حدودا خيالية مقارنة مع ما كانت الحال عليه إبان فترة الحرب الأهلية . تعرض الملصقات الآن على مساحات واسعة وتتكرر على الأوتوسترادات وفي قلب المناطق، ويبلغ حجم بعضها حجم بنايات كاملة.

تطوّر الملصق السياسي، في حين تقلصت الحياة السياسية اللبنانية. هذه بعض مفارقات الكارثة حين تصبح مهزلة ساخرة.

back to top