أهو تحالف بين الحضارات؟
الجامعات الغربية تعج بالعلماء العرب البارزين في فروع المعرفة كلها تقريباً، وهو نتيجة استنزاف العقول الذي يعكس في الوقت نفسه انحدار العالم الإسلامي الذي دام قروناً من الزمان. ففي عام 2005، نشرت البلدان العربية السبعة عشر مجتمعة 13444 بحثاً علمياً، وهذا أقل من مجموع الأبحاث التي نشرتها جامعة هارفارد فقط خلال العام نفسه، التي بلغت 15455 بحثاً.كان المنتدى الدولي الأول للتحالف بين الحضارات، بمنزلة الترياق المضاد للفكرة التي تقول إن العالم محكوم عليه بـ«الصدام بين الحضارات». انعقد ذلك المنتدى أخيراً في مدينة مدريد، ولقد كشف عن بعض الصدق في مقولة روبرت كاغان الذي زعم أن الأميركيين أصلهم من كوكب المريخ، وأن الأوروبيين أصلهم من كوكب الزهرة. فمنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 انهمكت الولايات المتحدة في حملة ضد قوى الشر في العالم الإسلامي. وعلى النقيض من ذلك، كانت الهجمة الإرهابية التي شهدتها إسبانيا في الحادي عشر من مارس 2004، التي أسفرت عن مائتي قتيل، سبباً في قيام «حملة مضادة» تسعى إلى نزع سلاح التطرف عن طريق بناء جسور التفاهم والتصالح مع الإسلام.والحقيقة أن مبادرة تحالف الحضارات التي اشتركت إسبانيا مع تركيا في رعايتها لم تكن خالية من الحسابات السياسية. فهي بالنسبة للإسبان تشكل عاملاً مساعداً في تبرير انسحاب إسبانيا المفاجئ من العراق في العام 2004؛ أما بالنسبة للأتراك فهي تشكل أداة أخرى في إطار مساعيهم الرامية إلى الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، باعتبارهم جسراً حيوياً يربط بين الإسلام والغرب.رغم عدم ترابط واضطراب مشروع التحالف بين الحضارات بعض الشيء، فإنه يستهدف مداواة الجراح الناجمة عن الصراع بين الإسلام والغرب من خلال التعليم، وسياسات الاندماج العملية، والحوار المبني على الاطلاع مع الإعلام. بيد أن المشروع يعاني التشكك العميق من جانب اللاعبين العالميين، حيث لم تظهر الولايات المتحدة، ولا روسيا، ولا الاتحاد الأوروبي حماساً حقيقياً نحو ذلك المشروع.رغم غموض فكرة التحالف بين الحضارات فإنها ليس من الممكن أن تكون أشد ضرراً من الحرب الدائرة ضد التطرف الإسلامي. فلا أحد يستطيع أن يزعم أن أياً من المشاكل والصراعات التي يعانيها العالم الإسلامي قابلة للحلول العسكرية. فضلاً عن ذلك فإن ذلك التحالف ليس بالاقتراح المفكك بالكامل، إذا ما كان الهدف منه حمل الغرب عن العدول عن سياسة الغطرسة والعمل على تأسيس مجال حقيقي من التعاون مع العالم الإسلامي في الميادين الاقتصادية، والثقافية، والعلمية.بطبيعة الحال، تعمل الآليات الداخلية التي تحرك طرفي التحالف المقترح على إعاقة فكرته الأساسية. فالعديد من أهل الغرب يتساءلون ما إذا كان الإسلام متوافقاً مع حقوق الإنسان وفهم الغرب للحرية. والعديد من المسلمين الذين ناضلوا لأعوام في سبيل دفع بلدانهم نحو الاعتدال فشلوا حتى الآن في إحداث ردة فعل واضحة في مواجهة الموجة المتنامية من التعصب الإسلامي. إن من يزعم أن الإسلام غير متوافق مع حقوق الإنسان يعتبره حضارة أكثر عناداً وجموداً من أن تتغير. وهذه مغالطة تاريخية واضحة. ولا نستطيع أن نزعم أن الإسلام يعادي الإبداع على نحو متأصل، إذ أن الحضارة الإسلامية قد ساهمت إلى حد بعيد في إثراء العلوم والفنون عبر عصور التاريخ كافة. واليوم سنجد أن الجامعات الغربية تعج بالعلماء العرب البارزين في فروع المعرفة كلها تقريباً، وهو نتيجة استنزاف العقول الذي يعكس في الوقت نفسه انحدار العالم الإسلامي الذي دام قروناً من الزمان. ففي عام 2005، نشرت البلدان العربية السبعة عشر مجتمعة 13444 بحثاً علمياً، وهذا أقل من مجموع الأبحاث التي نشرتها جامعة هارفارد فقط خلال العام نفسه، التي بلغت 15455 بحثاً.بيد أن أعداء العقل لهم وجود وثقل في الغرب أيضاً. إذ أننا نعيش عصراً تحررت فيه العديد من الشعوب من وهم السياسات العلمانية، وبدأت في العودة إلى الدين بدلاً من ذلك، وليس فقط في أنحاء العالم الإسلامي، بل في قلب الحضارة الغربية، في أوروبا المسيحية وأميركا البروتستانتية، أيضاً. وحتى دولة إسرائيل اليهودية، حيث اعتنق المتعصبون المبشرون بالمخلِّص والقوميون الدينيون عقيدة سياسية تشكك في شرعية المؤسسات الديموقراطية ذاتها، لم تسلم من هذه الظاهرة.إن أزمة الإسلام الحالية ليست متأصلة فيه بالفطرة، بيد أن الورطة التي يعيشها الإسلام حادة. والسؤال الآن هو: هل المسلمون مستعدون لقبول خطأ المبدأ الذي أطلقه الخميني حين زعم أن «الإسلام هو السياسة أو لا شيء»، وأن الإسلام دين وليس شكلاً من أشكال الحكم، وأن ما لقيصر لقيصر وما للرب للرب، كما هي الحال في العالم المسيحي؟ إن هؤلاء الذين يريدون اعتناق الإصلاح في العالم الإسلامي لابد أن يكونوا مدفوعين بقناعة مفادها أن حكم رجال الدين لم يتمكن قط من العمل كمحرك للتقدم البشري.بالطبع، لا ينبغي لتحالف الحضارات أن يحاول مد الجسور وإذابة الفوارق عن طريق الدفاع عن النسبية الأخلاقية. وإذا ما كانت عقدة الشعور بالذنب لدى الغرب، التي تفترض أن الحل يكمن ببساطة في تبني قدر أعظم من التعاطف مع المعضلة الإسلامية، هي المحرك وراء هذا التحالف، فإن هذا من شأنه أن يثبت حجج المتشككين. فلكي يحظى تحالف الحضارات بأي فرصة من النجاح، لابد أن يكون التوكيد على مبدأ التبادلية. فلابد أن يكون التسامح الديني والحرية الدينية متبادلين. ولابد أن يتضمن جانب الإسلام من الاتفاق ضمان حقوق الإنسان والحريات المدنية، وتحسين وضع المرأة، وانتهاج السياسات الواقعية لوقف الانفجار السكاني في العالم الإسلامي.قد يزعم بعضهم، كالمعتاد، أن الصراع الإسرائيلي العربي يكمن في جذور المشاكل القائمة بين الإسلام والغرب، وأن حل المحنة الفلسطينية سوف يساهم على نحو واضح في تلطيف العلاقات. ولكن يتعين على العرب والمسلمين أن يكفوا عن إيهام أنفسهم بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو السبب وراء تراجعهم. مما لا شك فيه أن إنهاء الاحتلال الأميركي للعراق وفرض السلام الإسرائيلي العربي سوف يساعد كثيراً، ولكن يتعين علينا أن ندرك أن ذلك لن يكون بمنزلة الدواء لكل العلل. إذ أن الكفاح من أجل إزالة البؤس والجهل والفساد، واعتناق الإسلام للعلم، لا يعتمد على نتائج عملية السلام في الشرق الأوسط.*وزير خارجية إسرائيل الأسبق، وحالياً نائب رئيس مركز «توليدو» الدولي للسلام. «بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»