ولاية الدولة ودولة الفقيه

نشر في 20-12-2007 | 00:00
آخر تحديث 20-12-2007 | 00:00
No Image Caption
تأليف: السيد علي

 الأمين الناشر: سلسلة هيا بنا

يناقش السيد علي الأمين في كتابه «ولاية الدولة ودولة الفقيه» الصادر لدى سلسلة «هيا بنا» ولاية الفقيه ويرد القارئ إلى جذورها التاريخية في الماضي البعيد والقريب منه راسماً للشيعة الأطر التي تكمن فيها مصلحتهم بادءاًً بالاختلافات التي نشأت بين العلماء الشيعة حول علاقتهم بالدولة في عصر الغيبة.

يقول الأمين ان الآراء اختلفت في هذا المجال. فمنهم من ذهب إلى عدم جواز التعامل معها بصفتها غاصبة للحق من أهله الشرعيين، وقائمة على الظلم والجور. ومنهم من ذهب إلى شرعيتها وإلى ضرورة المشاركة فيها وإقامة العلاقات معها، حفظاً للنظام العام وتحقيقاً لمصالح الناس، ودفعاً للأضرار والمفاسد، ويعود هذا النزاع برأي الأمين إلى أوائل القرن الماضي، عندما طالبت بعض الجماعات الدينية والاجتماعية في ايران بإدخال إصلاحات على النظام الملكي آنذاك. ووقف في وجه تلك الحركة الإصلاحية بعض العلماء الذين أصبحوا من حيث لا يدرون أو يدرون من المؤيدين للاستبداد والرافضين للإصلاح من خلال النظرة السلبية إلى الدولة والسلطة، وما يتفرع عنهما، واستندوا في ذلك إلى القول بعدم جدوى استبدال ظالم بآخر وبقيت هذه الشبهة مستحكمة في أذهان الكثيرين في زماننا. ومرد هذه الشبهة عائد إلى بعض المصطلحات التي تدرس في علم الفقه، حيث يطلق على الفقيه الجامع للشرائط بأنه الحاكم الشرعي، بحيث يفهم أن كل حاكم سواه هو غاصب للسلطة، فاقد للشرعية، مع أن المقصود من مصطلح الحاكم الشرعي ناظر إلى أهلية إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، وليس ناظراً إلى الحكومة الفعلية والسلطة السياسية المنبثقة عن نظام سياسي مدني وغير مدني.

ويستند السيد الأمين في تعريفه هذا إلى الحاكم الشرعي على ما أشار إليه الإمام علي في جوابه عن شبهة الخوارج وشعارهم عندما قالوا: «ليس لك الحكم يا علي، الحكم لله» فقال كلمة حق يراد بها باطل، نعم لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله وإنه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمّن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برّ ويستراح من فاجر.

وبذلك يقول السيد الامين إن الإمام علي أبطل هذه الشبهة المؤدية إلى الفراغ القاتل وانهيار الدولة التي لا بد للمجتمع من قيامها ، ووجوب العمل فيها على الموالي والمعارض، مع غضّ النظر عن الرفض والقبول والإيمان والكفر بهذه الإمرة والحاكمية، حفظاً لضرورات انتظام المجتمعات واستمرارها واستقرارها.

يستشهد السيد الأمين بأقوال للإمام علي ولبعض الفقهاء في مسألة التعريف بالسلطة والإمرة والولاية، الذين جردوها من الأوصاف الدينية، وعرفوها من خلال دورها المدني في حياة المجتمع الإنساني بقولهم: «إنها إقامة وظائف لازمة لرعاية المصلحة العامة «قائمة على حالة تعاقدية ناشئة عن التوافق والتراضي بين الأفراد والمجتمعات، على صيغة من صيغ الحكم وشكل من أشكال الإدارة التي تحفظ بها الأمانة، وهي ليست بطبيعة الحال من باب الإلزام الديني والتكليف الإلهي.

ولاية سياسية

وهذا المعنى التعاقدي لنشوء الولاية وفقاً للأصل المتقدم يتفق مع الاتجاه الفقهي الرافض لثبوت ولاية سياسية للفقيه خارج تلك الحالة التعاقدية، فإذا أصبح طرفاً فيها لانتهاء السلطة إليه، بسبب من الأسباب، كما لو وقع عليه الاختيار لحكم البلاد، ثبتت له تلك الولاية حينئذٍ بوصفه حاكماً ووالياً لا بوصفه فقيهاً.

لا تكون هذه الولاية خارجة عن كونها طوراً بشرياً من أطوار الولاية تخضع لموازين النقد والاعتراض واعتبارات التغيير والتطوير، ولا تتمتع بحق إلهي يخرجها عن دائرة الخطأ والحساب كما قال الإمام علي في كلام له موجّه إلى الرعيّة قائلاً: «ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني».

ثورة الخميني

أما كيف انتقلت ولاية الفقيه من منطلقاتها الحقوقية والدينية إلى الإطار السياسي البحت، فيعود برأيه ذلك إلى زمن انتصار ثورة الخميني في إيران». لذلك يبدأ السيد الأمين بوصف التعريفات المعمول بها لولاية الفقيه بنظر الفقهاء أنها قامت أصلاً كولاية على المحتاجين إليها ممن فقدوا الأولياء والأهلية الشرعية لإتمام معاملاتهم الشخصية وليس للولاية عليهم في آرائهم وأفكارهم السياسية والحياتية الأخرى. فضلاً عن الولاية على غيرهم من واجدي الأهلية والشخصية الحقوقية الكاملة.

يذكر الامين بما جاء في كلمات الفقهاء أن الفقيه هو ولي الغائب والصغير والذي لا وليّ له، وأنه ولي الممتنع عن أداء الحق والدين وما شاكل ذلك، وهذا يعني أن الولاية التي بحثوا عنها ليست ولاية على عموم الناس، إنما هي على تقدير ثبوتها، ولاية على الذين لا أولياء لهم.

قفزت هذه المسألة العلمية الفقهية إلى واجهة البحث السياسي وتجاوزت حدودها الأنفة الذكر كما يقول السيد الأمين بعد وصول الإمام الخميني إلى سدة الحكم في إيران، باعتباره فقيهاً ومرجعاً دينياً، وقد استلزم وصوله إلى السلطة والحكم الكثير من التعريفات التي تجاوزت الولاية فيها حدود الولاية المعروفة والثابتة في الأحوال الشخصية إلى التصرف في الدماء والأموال، وهي تصرفات تعتبر حسب الذهنية العامة عند الشيعة وبحسب السائد الفقهي، من صلاحيات النبي والإمام المعصوم أو المأذون من قبلهما، فالسعي للإمساك بالسلطة السياسية الذي يؤدي إلى إزهاق النفوس وإتلاف الأموال ومصادرتها في عصر غيبة الإمام يحتاج إلى المبرّر الشرعي المستند إلى أدلة شرعية من الكتاب والسنة.

يحاجج السيد الأمين هذا التجاوز الذي قامت به السلطة الحاكمة في إيران الخميني بإعادة التذكير بدور الرسل والأنبياء كما هو معروف عند أهل الملل والأديان والكتب السماوية كلّها. إن الهدف الأساسي الذي يسعى الانبياء لتحقيقه في المجتمعات البشرية لم يكن بالدرجة الأولى مشروعاً سياسياً، هادفاً إلى إقامة نظام سياسي، وتسلّم السلطة فيه، وإنما كان الهدف الأساسي والأولي من بعثة الأنبياء وإرسال الرسل التربية والتعليم للناس، حاملين لهم دعوة الإيمان ورسالة الهداية والإرشاد إلى سواء السبيل وإقامة الحجة عليهم بإظهار الحق وبيان الطريق القويم والصراط المستقيم الذي لا عوج فيه.

مصلحة الشيعة

ينهي السيد الأمين كتابه في البحث عن دور الشيعة في أوطانهم. والموقف الذي يجب أن يتخذوه من مسألة ولاية الفقيه، فيقول إنه ليس من مصلحة الشيعة أن يكونوا خارج إطار المسلمين عامة أو أن يكون لهم مشروعهم الخاص في أوطانهم أينما وجدوا. ويعتبر أن نظرية ولاية الفقيه، قد تأثرت بمسألة الخلافة بعد رسول الله، وبمن يملأ فراغ السلطة والقيادة بعد وفاته، وقد أجمع علماء الشيعة على أن الإمام علي هو الأولى بالحكم وصاحب الحق بالخلافة اعتماداً على النصوص المتواترة والواردة عن رسول الله فالأولى هو الأفضل، وإن كانت في بعض جوانبها مرتبطة فكرياً بالبحث في النصوص الشرعية إلا أنها من الناحية العملية أصبحت بحثاً يشبه البحث التاريخي. ولم يعد لها من هذه الناحية تأثير في عصر الدول الحديثة والمجتمعات والشعوب المتعدّدة الأديان والمذاهب والطوائف المتشاركة مع بعضها في الحكم وإنتاج السلطة. معيداً المسألة إلى التمييز في موقفه الرافض لولاية الفقيه عبر قوله أن أولوية الإمام علي بالحكم شيء وأولوية الشيعي بالحكم شيء آخر. فالشيعي وغيره في مسألة الحكم على حدّ سواء، فهما من عائلة واحدة ومن وطن واحد، والشرعية يستمدّها الحاكم من تجسيده للعدالة في البلاد والعباد، وليس من خلال انتمائه المذهبي أو الديني .

back to top