صفحات احتلال العراق

نشر في 25-01-2008 | 00:00
آخر تحديث 25-01-2008 | 00:00
No Image Caption
تأليف: مصطفى علي العبيدي

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

«صفحات احتلال العراق» يرسم صورة واقعية للمأساة الإنسانية المريرة والكارثة الوطنية المفجعة التي نتجت عن هذا الاحتلال وردود أفعال الشعب العراقي عليها. وما يؤثر هذا الكتاب عن غيره هو أن الكاتب لم يكن مجرد شاهد عيان من داخل بغداد فحسب، بل لأنه كان صحفياً يعمل ضمن وكالات صحفية عالمية تتابع كل تطورات الواقع العراقي وتفاصيله بدقة وحرفية عالية، كما عمل مراسلاً لعدة صحف عربية، إضافة الى كونه عضواً في جمعية حقوق الإنسان العراقية حيث وفّر له ذلك فرصاً نادرة جعلته قريباً من الأحداث والأشخاص الفاعلين فيها إنْ عرباً أو أميركيين.

لا يستطيع أي محلل سياسي أو مؤرخ أو صحفيّ الكتابة عن احتلال العراق ومبّررات حدوثه وظروفه إن لم يكن مطلعاً بشكل واسع على الحقبة التي سبقته وعلى فترة اندلاع الحرب وما سببته لاحقاً للعراق وشعبه والى أين سيؤدي كل ذلك بالوطن العراقي الجريح!

وانطلاقاً من هذا التصور للموضوع قسّم العبيدي كتابه الى ثلاثة فصول تتناول في أوّلها معالم الصراع قبل الحرب وفي أثنائها، وفي ثانيها تستعرض أيام الاحتلال الأولى، وفي ثالثها تبرز التطورات التي حصلت ما بعد الاحتلال.

قبل اندلاع الحرب برز بعض المؤشرات والمظاهر التي اعتبرت مقدّمة لحتمية وقوع المواجهة بين العراق والولايات المتحدة على الرغم من جميع المحاولات والجهود التي بذلتها الدول والمنظمات المحبّة للسلام، ومن أبرزها ازدياد نشاط فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل وإصرارها على تدمير بعض أنواع الأجهزة والمعدات مثل صواريخ أرض ـ أرض التي يزيد مداها عن 150 كلم.

فرضت هذه الأجواء تعبئة واستعدادات غير اعتيادية قامت بها الدولة العراقية شملت كافة نواحي المجتمع الرسمية والحزبية والشعبية، وكانت مراهنة صدام حسين على إطالة أمد الحرب إذا وقعت كي تتكبّد دول التحالف خسائر كبيرة تعرّضها الى زيادة في الضغوط عليها من المجتمع الدولي والرأي العام الأميركي.

لم تؤثر محاولات تحذير صدام بأن الحرب هذه المرة ستكون عنيفة ومختلفة تماماً عما جرى سابقاً في العراق. فانطلقت الغارات الجوية بالطائرات والصواريخ والقصف المدفعي لمدّة 300 ساعة قبل البدء بالحرب البرية، وعجزت القوات العراقية تماماً عن القيام بأي دور في مواجهتها.

شهدت الأسابيع الثلاثة الأولى من الاجتياح البري الكثير من المواجهات والمعارك العنيفة كانت معركة الفاو أطولها ودامت 17 يوماً تلتها معركة الكفل التي شكلت أول تماس بين الأرتال المدرعة الأميركية وقوات الحرس الجمهوري وأبناء العشائر المسلحين. وعند اقتراب الأميركيين من مداخل بغداد تواصل الإنزال الجوي بطائرات الهليكوبتر على جميع الجهات حيث دارت معارك استبسل خلالها الجنود والعراقيون في التصدي.

مع إطلالة الأسبوع الثالث للمعارك الدائرة بدأت مؤشرات انهيار المقاومة والنظام تبدو بوضوح. فالقوات الأميركية سيطرت على المطار، وشرع الحرس الجمهوري في الفرار خوفاً من نيران الدبابات والطائرات، وتوقف وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف عن عقد مؤتمره الصحفيّ اليوميّ، وانقطعت البيانات العسكرية التي تفيد عن سير المعارك، واختفى جميع عناصر جهاز المخابرات السابق.

أما أسباب السقوط السريع للنطام في العراق فتعود الى عوامل عدّة أهمّها نتائج الحصار المفروض على العراق منذ ثلاثة عشر عاماً، وانتشار الفساد الإداري كالرشوة والسرقة وانهيار التعليم والقضاء وهروب الكثير من الكادرات الى الخارج، والحروب التي توالت على العراق منذ الثمانينات وأهمها الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات رهيبة من الاستنزاف، وموقف الشعب العراقي من دخول القوات العراقية الى الكويت. لكن العامل الرئيسيّ للسقوط هو عدم توقع القيادة العراقية لوقوع الاحتلال فكانت تلك هي الغلطة القاتلة للرئيس العراقي صدام حسين وقادته.

الاحتلال

بعدما سقط تمثال صدام وتأكد الناس من سقوط النظام بمؤسساته العسكرية والأمنية والحزبية سيطرت الفوضى على الشارع وابتدأ نهب دوائر الدولة ودور المسؤولين السابقين والمعسكرات. ويقول مصطفى العبيدي أن مدير المتحف الوطني أشار في لقاء تلفزيوني أن المتحف تعرّض لهجوم من أشخاص مسلحين قاموا بنهب محتوياته تحت أنظار القوات الأميركية المرابطة عند سوره والتي لم تتدخل لأن حمايته ليس من واجبها، وقد بلغ عدد القطع المسروقة منه 14000 قطعة أثرية تمّ استرجاع 4000 منها. ولم يكن المتحف المكان التراثي الوحيد الذي نهب بعد الاحتلال بل شمل النهب أماكن أخرى منها دار الوثائق الإسلامية ومكتبة الأوقاف الإسلامية اللتان تضمّان المخطوطات والكتب النادرة، ومركز صدام للفنون الحديثة الذي يحتوي أشهر اللوحات والأعمال الفنية والتشكيلية لرواد الفن العراقي الحديث.

لم يكد العراقيون يفيقون من صدمة الاحتلال وتغيير النظام وتدمير البنية الأساسية للدولة حتى وجد موظفو الدولة أنفسهم في وضع غامض لا يدرون معه مصيرهم. فالرواتب توقفت والدوائر تخربت والخدمات الأساسية تعطلت ومراكز الاتصالات الهاتفية تهدمت، وتنظيمات حزب البعث ووزارات الدفاع والداخلية والاعلام ألغيت لتلقي بمئات الآلاف من الموظفين في الشارع.

ومن الظواهر الأخرى التي برزت قيام أسواق الحرامية لبيع السلع المسروقة، وانتشار الجريمة والخطف المنظم مقابل الفدية، وتعدد الوسائل الإعلامية الخاصة، وازدياد تداول المخدرات وبيعها.

في خضمّ هذه التحولات شرعت قوات الاحتلال بالتعاون مع القوى والشخصيات العراقية المتحالفة في عملية غسل دماغ وإعادة تشكيل عقلية عراقية تتقبل الوضع الجديد عبر مؤتمرات صحفية يومية تعلن فيها قوات التحالف عن سعيها للقبض على قادة النظام السابق مقابل مكافآت مالية ضخمة، وعن محاسن النظام الجديد المرسوم للعراق.

وعندما عادت جماعات المعارضة بعد الاحتلال كانت مزوّدة بقوائم تضمّ أسماء كل من كانت له علاقة بالنظام السابق، فبدأت حملة الاغتيالات تجري تحت غطاء قانونيّ وفرته لها قوات التحالف. وكانت أجهزة الاستخبارات الأميركية في الوقت نفسه تلاحق صدام الى أن عثرت عليه في منطقة الدور القريبة من مدينة تكريت.

ما بعد الاحتلال

أنشأت القوات المتحالفة قواعد لا توجد أية سلطة للحكومة العراقية عليها مما جعل تلك القواعد بمثابة دولة داخلة الدولة. وتزايدت الانتهاكات التي كانت ترتكبها مثلما جرى في سجن أبي غريب عندما نشرت صور التعذيب التي يقوم بها الجنود الأميركيون. وأخذت الجمعيات والمنظمات العالمية تندد بالجرائم والانتهاكات المثيرة ضدّ حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس بوش عن انتهاء العمليات العسكرية الكبرى فإن عمليات المقاومة كانت تزداد بوتيرة متصاعدة وتلحق خسائر كبيرة بالتحالف مما جعل الحاكم المدني بول بريمر يغادر معلناً أنّ العراق قد استعاد سيادته الكاملة. إلاّ أن واقع الحال كان يؤكد أن السلطة الحقيقية في البلد ما زالت بيد دول التحالف.

ويعتبر المؤلف أن عملية غزو العراق واحتلاله هي تدمير منظم لثروات البلد وبنيته التحتية في المجال العسكري والمدني وخاصة في القطاع النفطي الذي ظل سائباً لغاية العام 2007 حين أصدرت الحكومة والبرلمان العراقي قانون استثمار النفط. لكنّ أخطر النتائج المدمرة على المجتمع كانت في زرع بذور الفتنة الطائفية والعنصرية بين أبناء الشعب الواحد فاستخدمت وسائل الإعلام للتحريض وتأجيج مشاعر العامة من الناس للسيطرة على السلطة أو لمواجهة الإرهاب، ناهيك بالانتخابات التي سعت الإدارة الأميركية الى إعطائها الشرعية الدولية في الوقت الذي سخّرت فيه السلطة جميع وسائل الترغيب والترهيب للفوز بها.

لا يستطيع القارئ سوى التأثر من مشاهدات الصحفي مصطفى علي العبيدي الذي رافق الحرب التي لا تنتهي بمختلف أوجهها، ولا يمتلك سوى أن يثني على الشجاعة التي تحلى بها في أخطر الظروف. وإذا كان من ملاحظة على هذا الكتاب الذي يشتمل على ملاحق هامة في خاتمته، فهي عدم إفراده فصلاً خاصاً يبيّن فيه مساوئ حكم صدام واستبداده مما أسهم في انهيار دولة كان لها شأن هام في تاريخ الحضارة الإنسانية.

تذوّق

لقد كانت حرب احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما عام 2003، البداية لمرحلة تاريخية جديدة في المنطقة والعالم، حيث أجهزت الحرب على مصداقية الولايات المتحدة وحلفائها وأتباعها إضافة الى الأمم المتحدة بادعاء الحرص على الشرعية الدولية وسيادة الدول وحقوق الشعوب، فكانت الحرب إعلاناً رسمياً بموت المنظمة الدولية وعودة الفترة الاستعمارية وسياسة شريعة الغاب تحت مسميات مثل مشروع الشرق الأوسط الجديد والعولمة. وكما أكدت الحرب ونتائجها الفشل الذريع للنظام الرسمي العربي في قيادة الأمة العربية وحماية كيانها ومصالحها عبر إصرارها على نهج كبت الحريات وتقييد ارادة الجماهير والتمسك بكراسي السلطة بحماية الأجنبي، وقد كشفت أيضاً عن مواقف بعض دول الجوار وأطماعها الإقليمية والتاريخية في العراق وأسقطت كل شعاراتها المضللة التي ظلت ترددها لفترات طويلة.

وكانت الحرب ونتائجها بالنسبة للشعب العراقي هزة عنيفة في القيم والمبادئ وبداية لمرحلة عصيبة وتحد كبير في مواجهة الاحتلال ونتائجه المدمرة لكل نواحي المجتمع العراقي، وذلك من أجل حماية العراق والحفاظ على هويته العربية وإفشال مخططات تقسيمه.

back to top