المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران: حرب باردة أخرى
عندما بدأت الحرب الباردة الأولى سنة 1946، قال ونستون تشرشل كلماته الشهيرة عن ستار حديدي كان يقسم أوروبا. ومع بداية الحرب الباردة الثانية بعد نصف قرن تقريباً، تحاول إدارة بوش إسدال «ستار أخضر» يقسم الشرق الاوسط إلى أصدقاء إيران وأعدائها. وقد يصبح أهم ما سيخلفه هذا التطور الجديد وراءه هو الصراع الإيراني. فلا شك أن نتيجة هذا الصراع ستحدد مستقبل الشرق الأوسط، خصوصاً أنه يبدو أنّ استراتيجية الإدارة الاميركية لن تنجح.
ستحتل الحرب العالمية الجديدة وسط المسرح هذا الأسبوع حين سيرسل الرئيس بوش وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت غيتس إلى الشرق الأوسط في محاولة أخيرة لاستمالة حلفاء الولايات المتحدة المعاندين بشأن العراق. فبعد أن أخاف تكتل البلدان والحركات الذي ترأسه دولة إيران الفارسية الشيعية الأنظمة العربية السنية، تريد الولايات المتحدة أن تقدم لهم العرض التالي: ادعموا العراق ليكون صمام أمان ضد إيران أو واجهوا خطر العيش في ظل قوة طهران المتنامية. ضرورة عزل إيران صحيح أن العداوة بين الولايات المتحدة وإيران تعود إلى الثورة الإيرانية سنة 1979 التي استبدلت الملكية بنظام ديني متشدد، لكن واشنطن شعرت بضرورة عزل إيران بطريقة أكثر حزماً خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية عندما بدأت كفة الميزان في الشرق الأوسط تميل لمصلحة طهران. ففي الأراضي الفلسطينية، فازت حركة حماس الأصولية التي تدعمها إيران بأغلبية المقاعد في أكثر الانتخابات ديموقراطية في البلدان العربية في يناير 2006. بعد ذلك، حاربت «حماس» حركة فتح غير الدينية التي تنافسها والتي تحظى بدعم من الولايات المتحدة، ونجحت في النهاية في السيطرة على قطاع غزة. في لبنان، استخدمت ميليشيا حزب الله الشيعية المتطرفة الصيف الماضي أسلحة إيرانية لتصمد في وجه إسرائيل في أطول حرب خاضتها هذه الأخيرة منذ تأسيس الدولة اليهودية. ولم تنجح إسرائيل في تحقيق النصر مع أنها تستخدم أسحلة أميركية الصنع أكثر تطوراً بكثير. أما سورية، أبرز حلفاء إيران، فتسمح للمجاهدين الأجانب بعبور الحدود إلى دولة العراق المجاورة وتمرر الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله وتدعم المجموعات الفلسطينية الأصولية التي تعارض السلام، مما يقوّض أهم المشاريع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. وفي العراق تهدد الميليشيات الشيعية، التي تسلحها إيران وتدربها، أمن شوارع بغداد والمنطقة الخضراء المحصنة، فباتت غير آمنة حتى بالنسبة إلى الجنود الأميركيين. «الفارق أن إيران تشعر أنها مهمة جداً بسبب ارتفاع سعر النفط وضعف العراق بعد سقوط صدام وانتصار حزب الله وحماس»، حسبما ذكر ريتشارد هاس، مدير مجلس العلاقات الخارجية الذي تولى مهمة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية خلال الولاية الأولى لبوش. وأضاف: «في المقابل، تشعر الولايات المتحدة أنها منهكة بسبب ارتفاع أسعار النفط والصعوبات التي تواجهها في العراق وأفغانستان». الحرب الباردة الثانية تعود أسباب الحرب الباردة الثانية إلى قرار إدارة بوش التخلص من الأنظمة التي تعتبرها عدوا بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001. كان هدفها الأول طالبان في أفغانستان والثاني صدام حسين في العراق. وتصادف أن كليهما عدو لإيران، وقد ساهما إلى حد كبير في كبح قوة طهران. لذلك تلعب الولايات المتحدة اليوم الدور الذي اعتاد العراق لعبه، وهو خلق نوع من التوازن في المنطقة في وجه القوة الإيرانية. «ازدادت قوة التكتل الإيراني إلى حد كبير خلال السنوات الخمس الماضية بعد خروج أعدائها التقليديين، وخصوصاً صدام حسين وطالبان، من اللعبة»، على حد تعبير بروس ريدل، مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات الأميركية ومجلس الأمن القومي، وهو يعمل حالياً في مركز سابان التابع لمؤسسة «بروكينغز». وأضاف: «بما أن القوى التي كانت تحد من نفوذ إيران على حدودها الشرقية أو الغربية قد زالت، كان من الطبيعي أن ينمو نفوذها. ولا يعود الفضل في ذلك إلى الاستراتيجيات الإيرانية المبدعة بل إلى الأخطاء التي ارتكبها الأميركيون». أوضح ريدل أن إيران تعتبر أن رياح التاريخ تهب لمصلحتها الآن. «هذا نوع من الغرور». ويجب ألّا ننسى أننا لم نأخذ بعد في الاعتبار مسألة نوايا إيران النووية. فهل تستخدم إيران برنامجاً نووياً قانونياً أو مسالماً لتغطي محاولاتها لتطوير أخطر سلاح في العالم. الستار الأخضر تسعى إدارة بوش حالياً إلى تكييف استراتيجيات الحرب الباردة القديمة مع الحرب الجديدة. في أربعينيات القرن العشرين، أقام الاتحاد السوفييتي الستار الحديدي لحماية الشيوعية في أوروبا الشرقية ومنع أي تدخل من الغرب. ونرى اليوم أن الخبراء في سياسات الاتحاد السوفييتي الذي يتولون اليوم إدارة السياسة الخارجية الأميركية، مثل رايس وغيتس، يحاولون تكرار ما قام به الاتحاد السوفييتي سابقاً. فهم يريدون إقامة ستار أخضر هدفه عزل تكتل حلفاء إيران الأصوليين وحماية حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. تنوع الاسلحة في الحرب الباردة الجديدة، تستخدم كل من الولايات المتحدة وإيران اسلحة مخيفة مألوفة للقضاء على الآخر. فخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، أرسلت واشنطن حاملة طائرات أخرى إلى الخليج قبالة الشواطئ الإيرانية. وأعدت قرارين صادرين عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يقضيان بفرض عقوبات على المؤسسات المالية والمسؤولين العسكريين في إيران. كما أوقفت مسؤولين إيرانيين في العراق، وخصصت 75 مليون دولار من موازنة هذه السنة و108 ملايين من موازنة السنة المقبلة لتعزيز الديموقراطية في إيران. إضافة إلى ذلك، يُقال إنها بدأت عمليات سرية تشمل حملات تضليل وتلاعب بالعملات. في المقابل، زادت إيران، حسبما يُقال، كميات المتفجرات وقذائف الهاون وحتى الصواريخ من عيار 240 مليمتراً التي تمنحها للميليشيات العراقين. كما أعادت مد حزب الله بالسلاح بعد حربه مع إسرائيل، وأعطت حماس عشرات ملايين الدولارات عندما توقفت المساعدات الدولية إثر الانتخابات. كذلك أوقف أميركيون في إيران بتهمة تقويض الأمن القومي الإيراني. ويُقال أيضاً انها زودت حركة طالبان، عدوتها القديمة، بأسلحة صغيرة لاستخدامها ضد الجنود الأميركيين في أفغانستان. ضبابية الصورة لكن الحرب الباردة الجديدة لن تكون واضحة المعالم كما كانت حال الحرب الباردة الأولى. فالقضايا المطروحة ليست صريحة كما في السابق. كما أن تفويض الصلاحيات لا يمنح بسهولة. «بخلاف الحرب الباردة، حين كان هنالك إطار مرجعي مشترك، حين كنا نحن والاتحاد السوفييتي وسكان العالم الثالث نرى الخطوط تُرسم بالطريقة نفسها، نحن لا نرى الانقسام الحاصل اليوم كما يراه كثيرون في الشرق الأوسط»، وفق ما ذكره بول بيلر، أحد كبار محللين قضايا الشرق الأوسط الذي كان يعمل في مجلس الاستخبارات الوطني قبل انتقاله إلى جامعة جورج تاون. ويضيف باتريك كلاوسن من معهد سياسات الشرق الأدنى في واشنطن: «يشكل المكان الذي سيُقام فيه الستار الأخضر لبّ المشكلة». في الأراضي الفلسطينية، تأمل واشنطن في تقوية الرئيس محمود عباس وفي عزل حركة حماس التي تدعمها إيران. كذلك تريد الأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة دعم عباس، لكن هدفها أن يتصالح مع «حماس». في لبنان، تريد الولايات المتحدة تجريد حزب الله من مخالبه كي لا يتمكن من تهديد إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الحكومة اللبنانية. لكن استفتاءات الرأي تظهر أن معظم اللبنانيين يعتبرون حزب الله قوة شرعية تدافع عن بلدهم ضد إسرائيل. في العراق، تنتظر رايس وغيتس مهمة إقناع عسيرة، وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية. «فالخوف من إيران لن يكون كافياً لإقناع السعودية بدعم العراق»، على حد قول كنيث كاتزمان من دائرة الأبحاث التابعة للكونغرس. وأضاف: «نقول إن عليهم دعم حكومة الوحدة العراقية كأداة لكبح جماح إيران»، لكن السعوديين يعتقدون أن حكومة نوري المالكي التي تدعمها الولايات المتحدة تساعد أصدقاء إيران الشيعة في العراق وتسيء إلى أصدقاء السعودية السُّنة. المعتدلون والمتطرفون تقضي فكرة الولايات المتحدة الأساسية بعزل أعدائها في المنطقة خلف ستار أخضر. لكن هذه الفكرة تواجه العقبات حتى بين حلفاء واشنطن الأقرباء. أوضح بيلر: «تحاول أن تحدد الولايات المتحدة بوضوح خط المواجهات الفاصل بين معسكر المتطرفين ومعسكر المعتدلين، لكن هذا الانقسام غير موجود أساساً. قد يكون هذا الانقسام واضحاً في طريقة تعبيرنا ونظرة الأميركيين إلى العالم، بيد أنه ليس موجوداً في الواقع في الشرق الأوسط». علاوةً على ذلك، فإن جغرافية الحرب الباردة الثانية ليست واضحة كما كانت خلال الحرب الباردة الأولى. فبعض حلفاء إيران، مثل حزب الله، يعملون في جيوب داخل بلدان، مثل لبنان، حكوماتها تتحالف مع الولايات المتحدة. أوضخ ريدل: «يكمن الخلل في الصورة التي تقدمها الإدارة في أنها ستحتاج إلى ستائر خضر عديدة». إذا وضعنا نقاط الاختلاف هذه جانباً، نرى أن ثمة وجه شبه واحد بين الحرب الباردة الأول والثانية، مع أن وجه الشبه هذا يتراجع يوماً بعد يوم. فكما في السابق، سيمر وقت طويل قبل أن نحصد النتائج. «بما أنها حرب باردة، فهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع الفوز في المستقبل القريب»، حسبما قال بول سالم، رئيس مكتب بيروت لمؤسسة كارنيغي للسلام العالمي. وتابع موضحاً: «تشمل هذه الحرب سياسة طويلة الأمد لاحتواء الأعداء وتقويضهم، وهي سياسة طبقتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي طوال 40 سنة». • روبن رايت: مراسلة دبلوماسية للواشنطن بوست، وقد وضعت ثلاثة كتب عن إيران.