عود على بدء

نشر في 23-08-2007
آخر تحديث 23-08-2007 | 00:00
 د. محمد لطفـي

الكتابة في واقعنا السياسي العربي كثيراً ما تصيب الكاتب والقارئ بالإحباط لوقت قد يطول، ولكنهما في النهاية يعودان؛ الكاتب ليكتب، والقارئ ليقرأ وينتقد ويعلق.

ما أحلى الرجوع إليه ... «هذا ما يقولونه عن الحب والحبيب»، ولكن لا أعتقد أن هذه المقولة تنطبق على الكتابة، وإن كانت حباً أبدياً. فالكتابة أمر صعب وشاق والعودة إليها بعد فترة انقطاع يجعلها أشد صعوبة، خصوصا إذا كانت الكتابة لهدف ما ومن أجل قيمة غالية وليست الكتابة للكتابة. وهي لا يمكن أن تكون كذلك فقد يكون الضحك للضحك مبدأ يعتنقه بعض الفنانين ويؤمن به كثير من السينمائيين، أما الكتابة للكتابة فلا يمكن أن يكون مبدأ يؤمن به الكاتب؛ لذلك فالعودة إليها يجعلها أكثر صعوبة وشقاء.

وإذا كان بعضهم يعتقد أن الكتابة لا تؤدي الآن دورها ولا تحرك ساكناً أو تبعث راكداً أو تبدل نظاماً أو تغير حاكماً -وهي فعلا كذلك- فإنها لا يمكن أن تتحول تحت وطأة هذا الواقع القاسي المرير إلى ذلك المبدأ المزعوم (الكتابة للكتابة). فهي ستظل دائما مبعث الحركة ومناط الفكر، وكما قال الكواكبي قديما «إنها صرخة في واد إن ذهبت اليوم أدراج الرياح فقد تذهب غداً بالأوتاد». هذه هي الكتابة دائماً فكر متقد وضمير مشتعل وباعث حركة، وإن تأخرت، ومصدر فوران، وإن سكن زمناً.

بالرغم من إيماني بكل ذلك، فإن الكتابة في واقعنا السياسي العربي كثيراً ما تصيب الكاتب والقارئ –على السواء- بالإحباط لوقت قد يطول، ولكنهما في النهاية يعودان؛ الكاتب ليكتب، والقارئ ليقرأ وينتقد ويعلق. هذا ما يحدث بين الكاتب والقارئ أحياناً.

وعلى الجانب الآخر، هناك كتابات وأحاديث تصيبنا بالإحباط الدائم والأبدي، وهي خطابات الحكام العرب ومن يكتبون لهم، فها هو حاكم عربي يقول «إن شعبه سعيد الحظ لأنه يحكمه.. وأنه سيظل يحكم لآخر يوم في حياته»، هل يصدق أحد هذا؟ هل يمكن لكاتب أن يكتب لحاكم مثل هذا الحديث؟!

وحاكم عربي آخر يقول «إنه اختار شعبه ليحكمه»، لقد تعلمنا جميعا أن الشعوب هي التي تختار حكامها، أما أن يختار الحاكم شعبه فهذه أحدث صيحات بعض حكامنا العرب وكُتابهم الأجلاء!

هل يعتقد أحد أن حديث الكاتب ومقاله مهما كانت درجة إحباطه يمكن أن يصلا إلى ما يكتبه «كتبة» خطب وكلمات بعض الحكام العرب؟ وماذا يمكن أن نقول لمثل هؤلاء، فقط أذكرهم بقولٍ لأحد الشعراء:

وما من كاتب إلا سيفنى

ويبقى الدهرَ ما خطت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء

يسرّك في القيامة أن تراه

back to top