ساركوزي في مرمى الأقلام المنقلب على إرث مايو 68 أذلّته زوجةٌ مغناج
صدر في بضعة شهور العديد من الكتب الفرنسية التي تتناول شخصية الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وأحلامه وطموحاته. هل يستحق الرئيس الجديد كل الكتابات التي حيكت عنه وجعلته «أسطورة» أم انها مجرد «جعجعة» من دون طحين؟ لا نستطيع بالطبع الحكم على عهده على نحو متسرع، رغم ان صعوده السياسي كان أشبه بانقلاب في التاريخ الفرنسي.
ما نودّ التطرق اليه هنا هو حديث المثقفين عن «الساركوزية» فبعضهم يقارنها بالديغولية وبعضهم الآخر بالبونابرتية وثمة من يعتبرها جزءا من «امركة» اوروبا. يستنبط المرء من الكتابات عن الساركوزية ان بعض الكتّاب يحاول اجراء مقارنة بين ساركوزي وشخصيات فرنسية عريقة لاسباب تبدو في محلها احيانا وساذجة في أحيان أخرى. لعل هدف الكتّاب من المقارنات اضفاء متعة ونكهة على كتبهم او إحداث سجال يمكن وصفه بالعقيم. فهل يمكن ان يشبه ساركوزي نابوليون لمجرد انه قصير القامة مثله وان جذورهما غير فرنسية (الأول مجري والثاني كورسيكي) وانهما تعرضا للخيانة الزوجية. يبدو ان الوصف الأدق الذي يناسب الساركوزية انها جزء من صناعة «الميديا». لهذه الاسباب تكثر الأبحاث عن مكنونها. يعتبر المفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب «إننا في زمن أمركة العالم، وأميركا بصدد تحقيق الانتصار حتى في معقل الأوربة التي تمثلها فرنسا، ثم يأتي الباقي كله منطقياً. أي أن ساركوزي منتج ثقافة الميديا. ساركوزي الذي يعرف أن كل شيء يجب أن يرتبط بالصورة التلفزيونية ويرى أن التحكم في السياسي يمر عبر التحكم في حقل المعلومة والحقل الميديوي. وهو ما سمي بالبعد البيرلوسكوني وتمت إدانته وعاد ليذكّر به فينكلكروت». مرشح الخوفقبل الانتخابات الرئاسية في فرنسا وقّع نحو مئة وخمسين مثقفا فرنسيا بيان تأييد للمرشحة الاشتراكية سيغولين رويال التي يرونها «مرشحة الأمل» في مواجهة نيكولا ساركوزي «مرشح الخوف». هذا البيان لم يشكل صرخة ثقافية في الوسط الفرنسي فالانتخابات الرئاسية لم تعرف تشتتا كالذي عرفته طبقة المثقفين، بل إنّ صوتهم كان خافتا وغير مؤثر، إضافة إلى أن العديد منهم سقطوا في شَََرك ساركوزي وإغواءاته. ما تبقى من المثقفين الذين يصوتون تقليديا لمصلحة اليسار تخاطفتهم كثرةُ المرشحين المحسوبين على اليمين، والعديد منهم لم يكن يرى في سيغولين رويال سوى الوجه الآخر لعملة ساركوزي. في المقابل يعتبر ساركوزي ان المفكر فينكلكروت(اليميني النزعة ضد المهاجرين) «شرف للعبقرية الفرنسية». هذه علامة من علامات الثقافة الساركوزية. ساركوزي الرئيس الذي يريد الانتقام من ثقافة ايار / مايو 1968. هكذا يكتب بعض المفكرين الفرنسيين والعرب، إذ أعلن عن رغبته في إحداث قطيعة مع ثورة مايو 1968 التي لا يزال فرنسيون كثر يغامرون بها. أمر يدعو الى التساؤل حول ما ستكون عليه فرنسا الغد. قال ساركوزي، بوحي وتأثير من المفكّريْن ليك فيري وغلوكسمان، قبيل انتهاء الحملة الانتخابية: «يتعلق الأمرُ، في هذه الانتخابات، بمعرفة ما إذا كان إرثُ مايو 68 سيتأبّدُ أم تتوجب تصفيته إلى الأبد. أريد أن أقلب صفحة مايو 68». يسأل المفكر السوري هاشم صالح هل يمكن القول إن السّبب في حقد ساركوزي على مايو 68 أنه يبحث لفرنسا اليمينية عن انتقام طال انتظاره لهزيمة ديغول أمام الثورة الطلابية والعمالية وانسحابه من الحياة السياسية الفرنسية بشكل نهائي. يقول ساركوزي في «شهادته» التي ترجمتها «دار النهار» في بيروت: «عندما كنت صغيراً جداً، منعني أهلي من المشاركة في تظاهرة الدعم الكبرى للجنرال ديغول في 31 أيار 1968 التي تلت حوادث الهند، لكنني كمئات الفرنسيين وضعت زهرة تحت «قوس النصر» في الاتوال يوم جنازة الرجل الكبير، فالديغولية تعالت على كل الانشقاقات السياسية والاجتماعية وجمعت ملايين الفرنسيين من مختلف الأصول والطبقات الاجتماعية في فكرة محددة عن فرنسا، رغبة في عصرنة البلاد وتغييرها. وقد ادهشتني تلك القدرة على تجاوز العادات والتقاليد والتقيد بالاعراف والتقاليد لدفع بلد بكامله في اتجاه الامتياز!». الآن يبدو ساركوزي مستعداً لإحداث «القطيعة مع الماضي» ووضع أفكار الاقتصادي النمساوي الليبرالي فريدريش فون هايك، المرجع الفكري لأسلافه اليمينيين رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، موضع التنفيذ. واقلّ ذلك إعلانه نيّته فرض قيود على حق التظاهر في بعض قطاعات الخدمات العامة مثل التعليم والنقل. والسؤال هل يحافظ ساركوزي على «عبق» الثقافة الفرنسية أم يلجأ الى تسليع ما تبقى منها؟ المعروف انه من اجل صفقة مالية افتتح في دبي «لوفر» وفي ابو ظبي «سوربون».ياسمينا ريزابعيداً عن التأويلات الثقافية والسياسية والاجتماعية للرئيس الفرنسي الجديد، فإنه اصبح شخصية أدبية في كتاب «الفجر، المساء أو الليل» للكاتبة الفرنسية الايرانية الاصل ياسمينا ريزا(أو رضا). كانت هناك صداقة أولية بينهما جعلت ساركوزي يطمئن إلى موهبة تلك الكاتبة التي «لن تخذله»، بتعبيره. وغداة صدر الكتاب في باريس تصدرت ريزا مع كتابها وصورها غلافات المجلات ورصدت الصحف الحدث من جوانبه الأدبية، إلى جانب المحاولات المتباينة، وكل على طريقته، لـ «استكشاف» شخصية الرئيس الفرنسي الجديد. الكتاب بحسب مجلة «لو نوفيل أوبسرفاتور» يشبه الكاميرا الواقعية التي تسرد عاماً كاملاً من حياة ساركوزي وتحديداً من حزيران 2006 إلى حزيران 2007، إذ اقتفت أثره من مكان إلى آخر، في الطائرة، في القطار، في السيارة، ورافقته إلى كل الأمكنة من ريوتور ـ دو ـ راندون إلى شارلفيل ـ ميزيير، ومن نيويورك إلى لندن، ومن آجاكسيو إلى مدريد. راقبته وهو يلتقي المسؤولين أو يرتاح في غرفته الخاصة. استمعت إليه يدلي بتصريحاته أو بآرائه في اجتماعاته السريّة. حتى بدأت الصحف تلمح ـ خاصة ان المشروع كان علنياً ـ إلى ان ريزا تخطت الحدود وانتقلت من الفضولية إلى الحميمية والعائلية ومن تبادل الكلمات المنمقة إلى أسلوب «شعبي». تقول «لاحظت ذات يوم ان نيكولا لا يتمتع بمشية سوية فثمة ما يعيق خطواته العرجاء قليلاً» أو «دائماً ما تطفو على السطح تصرفات نيكولا الصبيانية والساذجة احياناً، فهو يبرز احياناً وقاحة ابن ثماني سنوات بافكاره الفجّة والبريئة، ولا يخلو الأمر من رغبات صبيانية يرتاح حين يشبعها مثل تناول الشوكولا أو الفاكهة المجففة، أو ارتياحه إلى كل الزخرفات التي تلتمع في عينيه وتريحه»(....).تفصح ريزا أن ساركوزي يكره «الريف والجبال البعيدة والأماكن النائية، ويحب بل يعشق بشغف المدن الصاخبة والحياة العملية التي تضج بألف صوت». كما تصرّح برداءة استخدامه للغة الانكليزية: «لهجته الانكليزية رهيبة» وثمة رغبات لديه تحولت شيئاً فشيئاً، أي بمجرد اقترابه من النصر، إلى قرارات أو عناوين عريضة يطلقها بين الحين والآخر، منها مثلاً: «إذا ربحت وصرت رئيساً للبلاد، سألغي أموراً عديدة. أتمنى أن ألغي «الجبهة الشعبية» و»كل نوادي الليونز» و»الروتاري»(...)».لم يُبخل ساركوزي بآرائه حول قضايا وأمور شخصية فثمة حوارات مباشرة مع الكاتبة يفصح فيها عن مشاعره: «الحب هو كل ما يهمني وهو فوق كل اعتبار». انا لا أصدقك فلو سلبنا منك حياتك الاجتماعية، فسوف تذبل».ـ تماماً، كما إذا سلبني احدهم عائلتي سأذبل أكثر.ـ وإذا نقلناك مع سيسيليا (زوجته) والأولاد إلى منطقة موبوج الريفية، انا واثقة من انك ترمي بنفسك في النهر. إذا حصل، سأصبح ملك موبوج بعد عامين»!.الإضاءات على هذه الجوانب من حياة الرئيس الفرنسي الجديد ميّزت كتاب ياسمينا ريزا التي سلكت درباً مختلفة عن تلك التي سلكتها أو أعتمدها أي صحافي سياسي حيث الرغبة في تصوير استراتيجيات الرئيس في الأولوية التي لا مناقشة فيها، لكنها هنا إلى حين «أمسك الرئيس بمفتاح قصر الاليزيه» فوضعت مناقشة نقطة النهاية على صفحاتها المدوّنة وبذلك توقف كتابها أو انتهت حوادث كتابها في 7 أيار، أي في اليوم الذي تلا فوز ساركوزي بالانتخابات الرئاسية.شهوة السلطةمهما تكن «عظمة» ساركوزي، ثمة نقطة تجمع بينه وبين نابوليون تلاحظها الصحافية الفرنسية كاترين ني في كتابها «شهوة السلطة» وهي أن كليهما خانته زوجته وأذلته على رؤوس الأشهاد. عاش ساركوزي محنة مع زوجته سيسيليا قبل عامين كادت تودي به. فمثلما أذلّت جوزفين نابوليون وركعته أذلّت سيسيليا ساركوزي الذي لم يستطع حتى جاك شيراك كسر شوكته. كادت هذه المرأة المغناج التي يحبها أن تقضي على مستقبله السياسي لكنه نجا من المحنة بأعجوبة. يقول في «شهادته»:»كل شيء معقد بين رجل وامرأة، انه الثمن الأغلى الذي يدفع في الحياة السياسية المعاصرة. اكتب الرمز س. لأنني الى اليوم، وبعد مرور نحو عشرين عاماً على لقائنا الأول مازلت اشعر بالرعشة كلما لفظت اسمها. س. هي سيسيليا، هي زوجتي ، هي جزء مني، مهما بلغت المحن التي عرفناها كزوجين. عندما وعيت مدى تعريض سيسيليا للمحن كانت الاساءة قد حصلت. الكثير من التهجم والقليل من الاهتمام من جهتي. حصلت امور سيئة. لم اشهد يوماً محنة مماثلة، اعصاراً. غالباً ما يلام رجال السياسة لانهم لا يعيشون الحياة الحقيقية، أما أنا فأقول الآن انني استمت من اجل ذلك!».