تحفة غويا El Coloso خطأ فادح؟
سحب متحف برادو إحدى أشهر لوحات غويا الفنية من أحد المعارض الجديدة، مشككاً بمصدرها. أحدثت هذه الخطوة جدلاً صاخباً في عالم الفن، وفقاً لكاتبة المقال.
لطالما أشيد بتحفة فرانسيسكو دو غويا الفنية السوداوية والمحبطة El Coloso (العملاق)، كونها إحدى لوحات المبدع الإسباني الأكثر مأساوية التي تتحدث عن أهوال الحرب. يظهر هذا العمل الشهير شخصاً عملاقاً عارياً، عيناه مغلقتان وقبضتاه مشدودتان، ويرتفع فوق منظر جبلي قاتم حيث يفر البشر والحيوانات مذعورين بشكل جماعي.وحشيةمن المتعارف عليه على نحو شائع، أن هذه اللوحة، التي قال عنها الشاعر الفرنسي بودلير إنها «تعطي الوحشية خاتم الحقيقة» والتي رسمت في العام 1808 أو بعده بقليل، تجسد شعور الفنان القاتم تجاه الحرب والفوضى الاجتماعية اللتين شنهما جيش نابوليون الغازي ضد الشعب الإسباني. ولكن هذه اللوحة القوية الوقع التي يملكها متحف برادو في مدريد، والتي توجّه صفعة عاطفية تتخطى اللحظة التي رسمت فيها، استثنيت على نحو مثير للجدل من المعرض الضخم الذي ينظمه متحف برادو حالياً تحت عنوان War In Times of Goya بسبب الشكوك بأنها في نهاية المطاف لم يرسمها غويا. يضم هذا المعرض حوالي 200 تحفة فنية من اللوحات والرسوم والنقوش تصوّر الحرب الإسبانية ضد الفرنسيين، بما في ذلك أعمالاً اقترضت من مجموعات خاصة لم تعرض أبداً في السابق، وذلك لمناسبة مرور 200 عام على صراع شرذم المجتمع الإسباني وراقبه غويا من أحياء قريبة، محتفظاً بمذكرات يومية عن الوحشية التي شهدها خلال الحرب. و استبعدت لوحة El Coloso، التي شكلت جزءاً من مجموعة متحف برادو الدائمة لما يقارب 80 عاماً، بشكل غامض من المعرض الجديد الضخم في المتحف. وفي هذا الإطار، صرح مدير «برادو»، ميغيل زوغازا، لشبكة «إي بي سي» اليومية في مدريد: «تطورت معرفتنا بعمل غويا إلى حد كبير في السنوات الأخيرة، واصبحت الشكوك حول مصدر اللوحة متفقاً عليها على نطاق واسع من قبل الفريق العلمي في المتحف». من ناحية أخرى، يعِد مدير متحف برادو بأن يعلن، في النهاية، الأدلة التي أقنعت المتحف بإبعاد اللوحة عن الأنظار. ويضيف: «سنعلن للمجتمع العلمي بداية، في خلال بضعة أشهر، دراسة أجريناها وذلك عبر نشرة المتحف الرسمية». لطالما حرص هذا المتحف، الذي واجه جدالات سابقاً حول مصدر اللوحة، على إبعاد الأعمال المشكوك في أصالتها عن الأنظار. أحاط الجدل بهذه اللوحة الفريدة لبعض الوقت في الأوساط الفنية، لكن النبأ الذي مفاده أن لوحة El Coloso غويا لم يرسم فاجأ الجمهور بجميع شرائحه. تفاصيلكانت جولييت ويلسون_ بارو، الخبيرة البريطانية في فن غويا وعضو في اللجنة العلمية التي نظمت معرض برادو الجديد، أول من أثار الشكوك حيال أصالة اللوحة، وأخرى شهيرة لغويا هي Lechera de Burdeos (الحلابة في بوردو). وتقول ويلسون - بارو في مقال لها في المجلة الفنية الإسبانية El Periodico del Arte في نيسان (إبريل) من العام 2001: «تفتقر التفاصيل في إطار هذه اللوحة إلى الطاقة وإلى العرض الجيد، وهي أخطاء شاذة تماماً عن مسيرة فن غويا». وتتابع داحضةً بشكل نهائي أصالة اللوحة: «يتفق الاختصاصيون على أنها لم ترسم من قبل غويا». شاركت مانويلا مينا، الخبيرة البارزة في فن غويا في متحف برادو والمشرفة على المعرض ويلسون_ بارو شكوكها. مع ذلك، جوبهتا بالرفض القاطع من قبل مدير متحف برادو آنذاك، فرناندو شيكا، الذي أصر على أصالة اللوحتين. وبعد مرور عام ، أعد البروفسور في التاريخ الفني في جامعة لندن، نيغل غليندينينغ، دراسة أكاديمية دافع فيها بقوة عن أصالة اللوحتين. ولم يُسمع بعدها أي جدل حول El Coloso حتى الفترة الأخيرة، عندما تبين أن اللوحة استثنيت من الاحتفال الحالي بلوحات غويا عن الحرب. ويقول غليندينينغ: «استثناء هذه اللوحة من العرض وتواريها عن الأنظار، لفترة موقتة، مجحف بحق الجمهور. فإن كان المتحف لا يحبها، يجب أن يطلعنا على السبب». أفاد موظفون بارزون في متحف برادو أنهم قرروا عدم عرض اللوحة في المعرض الحالي اعتقاداً منهم أنها لم ترسم من قبل غويا. من ناحيته، يقول غليندينينغ: «كان يمكن أن يضعوها في قسم على حدة، مع إيراد الأسباب وراء شكوكهم، بدلاً من منع عرض لوحة شهيرة ومحبوبة للغاية من دون أي تبرير رسمي». وفي إحدى المحاضرات الرسمية في مدريد، سيعلن من جديد اقتناعه بأن اللوحة ليست لوحة أصلية فحسب لغويا، وإنما ثورية في تركيبتها. ويقول: «كل ما فيها يتدفق بعيداً عن المركز. وهذا بالضبط ما يفعله غويا في رسوماته ونقوشه حول كوارث الحرب، ولا سيما في لوحته العظيمة المعنونة El Dos de Mayo (الثاني من مايو)، حيث يطير كل شيء في جميع الاتجاهات، ويبرع غويا في رسم الخطوط المائلة والمثلثات لنقل الحركة والفوضى». بالإضافة إلى ذلك، تتوافر أدلة وثائقية تؤكد أصالة اللوحة. لطالما تمثلت El Coloso (العنوان الحديث لها) في كونها اللوحة التي أدرجها ابن غويا، خافيير، في جردة لمقتنيات الفنان في العام 1812، تحت الرقم 18 باسم Un Gigante (عملاق). وتحت هذا العنوان، وردت اللوحة في الكتيّب الذي أعده متحف برادو للمعرض الضخم لغويا الذي أقيم في العام 1996، لمناسبة ذكرى مرور مئتين وخمسين عاماً على ولادته. ويضيف نص الكتيّب: «ذلك يدعم النظرية القائلة إن الرعب الذي ينبع من الصورة ليس إلا عاقبة حرب الاستقلال». تضم جردة أخرى أجريت في العام 1874 ونشرها متحف برادو في العام 1996، لائحة بأسماء اللوحات التي تعود إلى الماركيزة بيراليس إي تولوزا. وصفت اللوحة رقم 89 من مقتنياتها على أنها «صورة تنبؤية للأهوال التي حدثت خلال حرب الاستقلال، وهي لوحة أصلية لغويا». حصل متحف برادو عليها في العام 1931. جبروت الحربلو افترضنا، كما هو متعارف عليه، بأن اللوحة رسمت في حوالي العام 1808، لتزامنت مع نشر خوان بوتيستا أريازا أبياتاًً وطنية مجهولة العنوان. فالقصة التي رواها الشاعر تتحدث عن فكرة «قوة عملاقة تنتفض في وجه جبروت الحرب، وهو مصدر أدبي يظهر أوجه شبه كبيرة بينه وبين هذه اللوحة»، وفق ما ورد في المنشور الخاص بمتحف برادو حول لوحة El Coloso التي صدرت في العام 1995. ويشدد غليندينينغ على أن قصائد أريازا ترددت آنذاك على ألسنة الجميع وشكلت جزءاً من السياق الشعبي الذي رسمت في إطاره هذه اللوحة. وعلى حد قوله، تؤكد الحالة الحساسة التي وجدت فيها اللوحة على أصالة العمل، إذ يمكن أن تكون وضعت في أحد المعارض وتضررت على إثره. وربما تكون تزاوجت مع لوحة فنية أخرى لغويا بالحجم نفسه، تصور نسراً يحلق فوق جماهير إسبانية مذعورة وأحضرت إلى انكلترا وضاعت بعد ذلك. ويردف البروفسور قائلاً: «قد تكون هاتان اللوحتان عرضتا معاً، الأمر الذي يفسر حالتها المذرية. ففي أوقات الحرب، تقع لوحات وأدوات في حالة سيئة». في المقابل، تكشف صور التقطت للوحة El Colosa في أربعينات القرن العشرين في إحدى الزوايا، تحت الغشاء الذي تكوّن لاحقاً نتيجة قدم عهدها، ما قد يتبين أنه «الرقم 18» المهم الوارد في جردة خافيير غويا الأصلية. ويقول غليندينينغ في هذا الإطار: « قال لي أحد المشرفين على متحف برادو إنه وردت بعض الأرقام على اللوحة، لكنهم لم يتمكنوا من معرفة ما هي بالتحديد. أنا لا أعترض على الشك في أصالة اللوحة، ولكننا نحتاج إلى حجج واضحة مدعّمة بوقائع وليس آراءً فحسب».نقل عن أحد الاختصاصيين في عالم الفن الذي لم يعلن عن اسمه على شبكة «إي بي سي» قوله متذمراً: «من المزعج بالنسبة إلى المجتمع العلمي أن يضطر إلى انتظار إعلان نشرة المتحف الرسمية عن خبر من هذا النوع». واشتكى آخر قائلاً: «حتى أنهم لم يعلنوا متى ستنشر نتائج دراستهم. لكان من اللائق أكثر استشارة المجتمع العلمي الواسع، أو على الأقل طرح جدال جدي، قبل تعريض صيت اللوحة لضرر يتعذر إصلاحه». وفي ظل غياب لوحة El Coloso، سيسلّط المعرض الضوء على الأرجح على لوحة Le Dos de Mayo المجددة لغويا، والتي تصور انتفاضة شعب مدريد ضد قوات نابوليون العسكرية، والتي شوهت منذ زمن طويل بفعل رقع خمرية اللون تغطي الأمكنة الممزقة خلال الحرب الأهلية الإسبانية. نقلت هذه التحفة الفنية من مدريد إلى فالنسيا، ومن ثم إلى برشلونة، لحمايتها من قصف فرانكو في العام 1938، ولكنها وقعت من على العربة خلال سيرها وتمزقت في أماكن عدة. بعد أشهر من العمل المضني، أعيد ترميم هذه اللوحة المفقودة من الصور الأولية والنسخ المقتبسة عن الأصلية. وتعرض اللوحة المجددة راهناً التي كانت عليها في السابق عندما رسمها غويا في العام 1814.