تاريخ لبنان الحديث
تأليف: فواز طرابلسيالناشر: دار رياض الريس
صدر حديثا عن دار رياض الريّس للطباعة والنشر كتاب «تاريخ لبنان الحديث» للباحث اللبناني فواز طرابلسي الذي ينطلق فيه من تأسيس إمارة جبل لبنان مطلع العهد العثماني فيستعرض تطور تاريخ لبنان الحديث ويحلل مراحله: من انهيار النظام المقاطعجي وسط انتفاضات عامية واقتتال أهلي وتغلغل رأس المال الأوروبي ونمو دور بيروت التجاري والثقافي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ودور لبنان في النهضة العربية وتأسيس الكيان اللبناني في ظل الانتداب الفرنسي ومعضلات بناء الدولة خلال عهود لبنان المستقل والمراحل الثلاث للحروب التي اندلعت في نيسان 1975، وصولاً إلى التسوية التي وضعت حداً للاقتتال وفق اتفاق الطائف عام 1989.الحريريعتبر طرابلسي أن بدايات لبنان تعود إلى إمارة جبل لبنان التي تكونت نهاية القرن السادس عشر وتمتعت بقدر من الاستقلال الذاتي داخل السلطنة العثمانية. تاريخ الإمارة هو بالدرجة الأولى تاريخ انضواء جبل لبنان كله تحت سلطتها وتوسعها نحو المناطق المجاورة في فلسطين والداخل السوري، من هنا يرى الكاتب أن تبلور عدد من الخصائص داخل الإمارة سوف يكون له الأثر الأبرز على بنية لبنان في الأزمنة الحديثة وعلى تطوره: أكثرية سكانية مسيحية وازنة، انتقال مبكر إلى إنتاج سوقي (الحرير) وتجارة دولية، انفتاح ثقافي مديد على أوروبا وتقليد تدخل القوى الأوروبية في شؤون الإمارة الداخلية. يبيّن المؤلف أنه وبعد نهاية النظام المقاطعجي مع نهاية الإمارة، إذ بنظام القائم مقاميتين عام 1843 الذي قسم جبل لبنان إلى منطقتين إداريتين يفاقم النزاع حول هويته، إذ جرت داخله «الحركات» وهي تسمية متداولة لسلسلة انتفاضات عامية وضربات استباقية شنّها المقاطعجيون والحروب الأهلية التي تواصلت من العام 1841 إلى العام 1861 معلنة الانتقال الدموي من النظام المقاطعجي إلى الرأسمالية الطرفية، وانهيار النظام المقاطعجي ذي الركيزة الدرزية السياسية على جبل لبنان ليحل محلها نظام التمثيل السياسي الطوائفي. يؤكد طرابلسي أن فكرة تقسيم جبل لبنان بين المسيحيين والدروز كانت تسوية اقترحها المستشار النمساوي ميترنيخ بين البريطانيين والعثمانيين، الداعمين مطلب الدروز بحاكم عثماني والفرنسيين المتمسكين بعودة الإمارة الشهابية، وبموجب هذه التسوية عيِّّن أمير درزي قائم مقاماً على المناطق المختلطة وأمير مسيحي قائم مقاماً على المناطق الشمالية ذات الغالبية المسيحية، وكان إلى جانب كل قائم مقام وكيلان، أحدهما درزي وآخر مسيحي يمارسان السلطة القضائية والضريبية كل على أعضاء جماعته، عارض الفريقان التدبير الجديد، إذ طالبت الكنيسة المارونية بأن يوضع المسيحيون في القائم مقامية الجنوبية تحت قائم مقام من الشمال المسيحي وانتزاعهم نهائياً من تحت سلطة زعمائهم الدروز، أما الدروز فأصرّوا على حقهم التقليدي في بسط سلطتهم على كل جبل لبنان وسرعان ما نجح الحاكم العثماني في تأليب الجماعتين ضده فعاد الزعيم الدرزي شبلي آغا العريان إلى سلوك طريق الثورة في وادي التيم وحوران، يدعمه آل العماد وآل جنبلاط ودعا المسيحيين إلى الثورة فلم يحركوا ساكناً لأنهم اشترطوا لذلك العودة إلى الإمارة الشهابية. كذلك يؤكد الكاتب أن إعلان القائم مقامية أطلق موجة جديدة من العنف حول هوية الجبل، إذ كتب أهالي زحلة مذكرة رفعوها إلى القنصل الفرنسي «بوجاد» عام 1843 أن لا سلام يرتجى ما دام الزعماء الدروز يتمتعون بامتيازات وإعفاءات. وينتقل الكاتب إلى المرحلة التي أصبحت فيها بيروت عاصمة للتجارة والثقافة، فيؤكد أن المدينة عرفت نمواً مدهشاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأفادت في ذلك من تيارين ميزا الحقبة العثمانية المتأخرة: مسارات التحديث والمركزية التي ميزت «التنظيمات» من جهة والتغلغل الواسع لرأس المال الأوروبي في الأقاليم العربية الشرقية من السلطنة من جهة أخرى، كذلك كانت التنظيمات محاولة أخيرة للسلطنة العثمانية المريضة لمواجهة السيطرة الاستعمارية الأوروبية ومشاريع التجزئة، فأنتجت نقيض المرجو منها، حيث زادت مشاريع البنية التحتية والتحديث الطموحة في نمو المديونية ما ضاعف تبعية السلطنة تجاه القوى الاستعمارية وأدى إلى إفلاسها وانهيارها في نهاية المطاف. يعتبر الكاتب أن الاستعمار الأوروبي غيّر طرقات التجارة الدولية في حقبة الثورة الصناعية تغييراً جذرياً، حيث صار محور بيروت-دمشق الممر الرئيسي للتجارة الدولية شرقي المتوسط بالإضافة إلى القسط الأوفر من تصدير الحبوب التقليدية من الداخل السوري، حيث كانت صادرات بيروت الرئيسية هي الحرير الخام، الذي اكتسب إنتاجه حوافز جديدة وشهد توسعاً كبيراً في ظل المتصرفية، في المقابل كانت مستوردات بيروت الرئيسة هي الأنسجة القطنية والمنتجات المصنعة من الحرير الخام تصدّر إلى فرنسا فيما ترد معظم المنتجات الصناعية من إنكلترا مكتسحة أسواق جبل لبنان والداخل السوري ومتسببة بانهيار الحرف التقليدية والإنتاج المحلي، إذ تطورت تجارة بيروت فبلغت مستورداتها ثلاثة أضعاف المصدرات. وفي عام 1887 اعترفت السلطات العثمانية بدور بيروت التجاري فأعلنتها عاصمة لولاية جديدة تحمل اسمها وتغطي مساحة لا تقل عن 20 ألف كيلومتر مربع من الاسكندرونة شمالاً إلى عكا ونابلس جنوباً. يرى الكاتب أن بيروت أصبحت قبل ذلك عاصمة اقتصادية وقضائية وتعليمية وثقافية لجبل لبنان فنقل مركز المتصرفية من بيت الدين إلى بعبدا ليكون أقرب إلى العاصمة الجديدة. يؤكد أن مساهمة الأقاليم اللبنانية في نهضة الأدب والثقافة العربيين جاءت نتاج تفاعل فريد بين بيروت وجبل لبنان في الإطار العام للانفتاح على أوروبا والداخل السوري في آن ، فيما وفرت بيروت بنية تعليمية وثقافية وموقعا حضاريا قدم جبل لبنان العنصر البشري وتجربة المرحلة الانتقالية الدرامية التي شهدت انهيار النظام المقاطعجي في معمعة الاقتتال الأهلي الدموي، كذلك كان أعلام «النهضة» وافدين حديثين من جبل لبنان إلى بيروت، حيث حولتهم المدينة إلى نمط جديد من المثقفين، فحصلوا تعليمهم في الجبل وأكملوه في المدينة وخدموا جميعهم تقريباً بصفتهم «مدبرين» عند المقاطعجيين والحكام وصاروا مدرسين ومترجمين وصحافيين وكتاباً في المدينة. الانفصالأما عن جدليات الاتصال والانفصال مع سوريا يرى المؤلف أن لبنان في حدوده المعينة في أيلول 1925 لم يكن له وجود من قبل في التاريخ، فقد جاء نتيجة عملية التجزئة الكولونيالية الفرنسية-البريطانية للمشرق العربي، ولم يكن إنشاؤه يعني أية عودة إلى «حدوده الطبيعية والتاريخية» كما يدعي القوميون اللبنانيون، ولا كان «كياناً مصطنعاً» على عكس زعم القوميين العرب إذ أنه لم يكن أقل أو أكثر اصطناعاً من أي من البلدان العربية المشرقية الأخرى التي أنشأتها عملية التجزئة، كذلك ان حدود لبنان فرضت عليه فرضاً ضد إرادة أكثرية سكانه. انحكمت نشأة لبنان الكبير بالدرجة الأولى بمصالح فرنسا في تجزئة سورية والسيطرة عليها في إطار تجزئة الولايات العربية في السلطنة العثمانية السابقة بين باريس ولندن. يعيد طرابلسي شرح اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 حيث قُسمت الولايات العربية في السلطنة العثمانية إلى منطقتين بريطانية وفرنسية معينتين على نحو تقريبي تسيطر كل منهما على السواحل وتحتفظ بمناطق نفوذ في الداخل باستثناء القدس التي جرى التوافق على اعتبارها منطقة مدولة، حيث لم تكن لفرنسا مصلحة في سورية جديدة مع أن بعثة موّلتها غرفتا تجارة ليون ومارسيليا أُرسلت خلال الحرب للتأكد من جدوى استعمار المنطقة، فتوصلت إلى نتائج إيجابية، لكن ظل في المفهوم الفرنسي لسورية فكرة تقول إن فلسطين إنما هي سورية الجنوبية، فيما تتشدد بريطانيا في المطالبة بالأراضي المقدسة بما هي منطقة عازلة بين صحراء سيناء وسائر المشرق مهمتها الدفاع عن قناة السويس. أما الاهتمام البريطاني في الولايات العثمانية الثلاث التي سوف يتشكل منها العراق فكان سببه اكتشاف النفط في حقولها والسيطرة على الخليج الذي أمسى منطقة نفوذ بريطانية أصلاً.ينتقل طرابلسي إلى المرحلة الممتدة من الانتداب إلى الاستقلال، فيعتبر أن أنصار الانتداب اعتقدوا أن بلدهم سوف يُحكم من قبل حاكم لبناني وموظفين لبنانيين في ظل الحماية الفرنسية، لكن كل ما حصلوا عليه هو «نظام الحكم المباشر» فرضته عليهم فرنسا، كما عين المفوض السامي غورو المايجور ترابو حاكماً على لبنان يساعده مجلس تنفيذي من سبعة مديرين عامين إلا أن السلطة الحقيقية في الإدارة بقيت في يد المستشارين الفرنسيين، ثم شكل غورو «مجلساً إدارياً» من 15 عضواً بينهم خمسة مسلمين، لكن واجهته مقاطعة إسلامية شاملة فوسع المجلس إلى 17 عضواً وزاد حصة المسلمين فيه. وهكذا جرى تثبيت الحصص الطوائفية.في ما خص الحرب الأهلية اللبنانية يقول الكاتب أن «حرب السنتين» أو «الحرب المسيحية-الفلسطينية» هي حقبة من الحرب الطويلة لعبت فيها العوامل الداخلية الدور الأكبر، أطلقتها الأزمة الاجتماعية بين قوتين شعبويتين «حديثتين»: حزب الكتائب وحلفاؤه في «الجبهة اللبنانية» من جهة وكمال جنبلاط وأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى، كل منهما يحاول فرض سياسته على البلد فيما يفرض نفسه ممثلاً وحيداً لـ«المعسكر» الذي ينتمي إليه. أدى التورط المتزايد لمنظمة التحرير الفلسطينية في القتال إلى تشجيع الأطراف الخارجية على التدخل وخصوصاً سوريا وإسرائيل. وينقل الكاتب عن كريم بقرادوني، أحد المستشارين المقربين من بشير الجميل بعد انتخاب الأخير رئيساً للجمهورية، قوله أن هذا هو أطول انقلاب في تاريخ لبنان. ينظر الكاتب إلى المرحلة الثانية من الحرب بما هي مسار هذا الانقلاب في إطار عملية السلام العربي-الإسرائيلي وتفكك الحلف الثلاثي بين الحكم السوري والرئيس سركيس وحزب الكتائب، وصولاً إلى صعود بشير الجميل إلى الرئاسة الأولى محمولاً على دعم الولايات المتحدة وعلى الدبابات الإسرائيلية التي تحتل لبنان وسقوطه قبل أيام من بدء ولايته.الطائفيصل طرابلسي إلى مرحلة اتفاق الطائف الذي وقع عليه البرلمانيون اللبنانيون في 22 تشرين الأول (نوفمبر)1989 في المملكة العربية السعودية كمسار لإنهاء الحرب الأهلية ووضع البلد على طريق السلم وإعادة الإعمار، وبعد ذلك حصل تفاهم أميركي- سوري تحضيراً لمفاوضات السلام في الشرق الأوسط، عززته مشاركة قوات سورية في عملية «درع الصحراء» فسُمح لدمشق بأن تشن هجوما نهائيا لاقتلاع الجنرال عون من القصر الجمهوري في بعبدا ووضع حد لسنتين من التمرد وازدواج الشرعية، فلجأ عون إلى السفارة الفرنسية وبعد مداولات طويلة بين الحكومتين الفرنسية واللبنانية، سمح له بمغادرة البلاد إلى المنفى في فرنسا في آب (اغسطس)1991.