قوس قزح لزوهراب... سلام بين الأرض والسماء
اختار الفنان التشكيلي زوهراب «قوس قزح» عنواناً لمعرضه الجديد في صالة جامعة هايكازيان في بيروت. يتجلى عنوان المعرض بوضوح عندما تصل الى الصالة لتبدو لك الألوان القزحية وكأنها تتحارب لإثبات الوجود. كل لون يريدك أن تنظر إليه. يلقي التحية عليك ويتلمس منك رداً سريعاً. فلا تلبث أن ترحب بلون حتى تدرك أنك ربما أهملت لوناً آخر. ليس بالضرورة الذي تحويه اللوحة أمامك بل ربما التي يتلقفها من إلى جانبك متأملاً رسائل الحب فيها.
سعادة أخرى تتجدد في «قوس قزح»، لحظة تشترك فيها العين والروح في الرؤية. لحظة الغبطة الكاملة والاندهاش تتحدّى حاضر لبنان فيتكثّف الشعور وتتسابق الوجوه بأجمل الابتسامات لزمن قادم. وجوه مشرقة بالأمل وقلوب نابضة بالفرح تعانق وطناً لم تطأه الحرب يوماً. فيه ترتقي إلى «بيروت الأحلام» حيث تَشكّلَ السلام ووُلدت المحبة.في «قوس قزح» تصبح اللوحة مشروعاً وأداة حضارية لتجدد الفرح. يبتكر فيها زوهراب صيغة معادلة للضوء. فتجتمع حشود من شخوص تتضلّع في سكون مهيب. تضع قدماً في الأرض وقدماً في عالم آخر مقدّس. هذا ما أكدّه زوهراب عندما بيّن لنا سبب تسمية المعرض: «يشكل قوس القزح خط المحبة الفاصل بين الأرض والسماء وفيه يلقي الإنسان السلام على الله ويركع شاكرا له»، موضحاً أنه لا بد للوحة من ترجمة شعور الرسام: «أنا محب للسلام ولوحاتي تعكس نفسيتي».يكفي... والحال أنه، وإن عكست لوحات زوهراب شعوره، فإنها بالطبع لا تعكس واقع لبنان. فكيف بفنان على مرأى من التمزق الذي يحاصر مجتمعه من كل جانب أن يبدع هكذا مشاهد تجمع كل معاني المحبة والتآلف والوحدة والفرح؟ عن هذا التسآؤل يجيب الرسام مع ابتسامة:» لكل من له ضلع في هذه الأحداث أقول: يكفي، يكفي، يكفي». «هكذا يولد السلم» قالها زوهراب وهو يشير إلى لوحة اجتمع فيها أطفال لبنان حاملين جميعهم العلم اللبناني وحمامة بيضاء رافعين برؤوسهم نحو السماء. وهو لم يتوخّ التحدي الواضح في لوحاته بل قصد تبيان جذور الأشياء وبداياتها الجميلة. تلك البداية التي يحاول جاهداً غرسها بريشته من جديد في عين كل منّا. فلا شخوص مطموسة مجرّدة من الملامح والعيون أو نابضة بالأسى بل شخوص تتخذ مجلسها في الذاكرة الجمالية بوقار. كائنات تعيش بهدف الذهاب إلى الأقصى وراء فكرتها الجمالية. فيها نتأمل لحظات الحب بين العشاق، والفتاة الحالمة وسط الوان الطبيعة. في فستانها كبرياء اللون الأزرق وإغواء الأحمر وتجدد الأخضر. العائلة لدى زوهراب أهم شيء وهذا يتجلى بوضوح في لوحاته التي حوت أفراد العائلة كافة بالإضافة إلى الحيوان من الماعز والحصان الذي بدا وكأنه يعيش مع العائلة بل يعانق أفرادها. يقول الفنان ان هذه المواضيع تشكل طفولته، وإنه ينطلق من واقع ما ليبلغ أحلامه التي لا تدركها متطلبات الحياة المادية. فتتحول لوحاته الى روضة يشع منها لهيب الغابة وألوانها.عالم زوهراب الفني نوراني تفاؤلي تتغلغل فيه معادلة الانكسار الضوئية. فيه ينحني الضوء ويتوالد فتظهر أجمل الألوان بخيوطها اللمّاعة الرقيقة لتبعث البهجة والراحة في النفوس. يظهر التداخل واضحاً بين الطبيعة والإنسان، بين الحب والحياة. الشخصيات حافية، محاطة بالنبات والورود والأشجار تتكلم من خلال الألوان لا الأفكار. والواضح أن زوهراب لم يرسم ما يراه بل ما يعيشه ويتخيّله ويشعر به. في إحدى لوحاته نستشعر انبعاث النور من وجه امرأة. نور ليس دلالة الحب فحسب بل نور الحياة في قلوب الآخرين. نقرأ في كل لوحة معاني الحب المختلفة وألوان الحياة المتنوعة التي هي الوان الطبيعة قبل كل شيء. فتارة تظهر الأمومة، وطوراً العائلة، وأحياناً قبلة شفافة لعاشقين تحتضنهما الطبيعة بألوانها الزاهية. يبدو زوهراب في «قوس قزح» مؤلفاً يعرض ألواناً آتيةً من أزمان غابرة تشبه الهمسات تماماً. زوهراب باختصار فنان من دون أي زخارف:فنان لبناني أرمني الاصل. تابع دراساته في كلية الفنون الجميلة في جامعة «الروح القدس» وفي «محترف جوليانو الإيطالي» في لبنان. وهو منذ 1956 ينتقل بخفةٍ من لبنان الى روما الى فيينا والبندقية وحلب وقبرص وكاليفورنيا والكويت حاملاً معه فنّه. شارك في معارض مختلفة توّجت تاريخه الحافل. أدرك موهبته منذ سنيه الأولى فبدأ يخط رسومه وهو في الخامسة من العمر. لم يعتمد تقنية واحدة في الرسم فنوّع بين الزيت والباستيل والغواش بالإضافة إلى اللوحات المائية. وإلى جانب الألوان الزهرية والباردة التي تميّز لوحاته، حضور دائم للشمس بأشعتها الساطعة ما يضفي دفئا وحرارة يتلاءمان وحنان الأم وعاطفتها.• يحتوي المعرض على 59 لوحة من الزيتيات والمائيات والأقلام الملونة ويستمر حتى الثاني عشر من الشهر الجاري.