البدون... رؤية إنسانية

نشر في 02-11-2007
آخر تحديث 02-11-2007 | 00:00
 د. محمد لطفـي

من زاوية إنسانية خالصة، ومن دون الدخول في كثير من التفصيلات التاريخية وبداية ظهور مشكلة البدون، وأسباب استمرارها، ما المانع أن يُمنَح الجميع الجنسية بدرجة (...) على أن يتم كل فترة، كما يتراءى للمشرع، رفعهم درجة من درجات الجنسية، إلى أن يتم في النهاية منحهم حق الانتخاب والترشيح، وهو أعلى مراتب الجنسية في كل دول العالم.

لم أكن يوماً من مواليد البادية ولا من سكانها، ولم أعش يوماً بلا جنسية، كما أنني أقيم في الكويت منذ 8 سنوات بصورة قانونية، أي أنني باختصار لا أنتمي إلى أي مسمّى من المسمّيات الكثيرة التي تطلق على %10 من سكان الكويت، وقد يكون هذا سبباً كافياً للهجوم عليّ من جانب البعض قائلين «ما لك أنت ومال البدون؟ لماذا تتحدث في شأنهم؟»، وسيرفع البعض لافتة «أهل مكة أدرى بشعابها» كالعادة ستاراً يقف وراءه متهرّباً من الحوار رافضاً النقاش، ورغم كل ذلك فإنني إنسان، ونحن –جميعاً- بشرٌ متساوون في الإنسانية.

إن ما دفعني إلى الكتابة هو التحقيق الذي نشرته «الجريدة» الأسبوع الماضي عن الموضوع نفسه، وكم من مرة أردت الكتابة وتراجعت... فكّرت في إبداء رأيي وتخاذلت إلى أن قرأت هذا التحقيق فكانت الاستثارة أقوى من السكوت، وإنسانية القضية أكبر من التخاذل، وأتمنى من «الجريدة» أن تجعل من هذه القضية قضيتها الأساسية وأوّل اهتماماتها، وأن تخصص لها صفحة يوميّة لمناقشة كل ما يتعلق بها ومتابعة تطوراتها، وتصبح أرشيفاً كاملاً لكل ما يتصل بهذه القضية، فما ينقص صحفنا العربية كلها هو الاهتمام الفعلي والحقيقي والعملي بمثل هذه القضايا الاجتماعية، لاسيما بعد أن فقد الخبر المقروء مكانته كمحور الاهتمام الأول للقارئ، نتيجة ثورة المعلومات والتكنولوجيا، وتعدد الفضائيات المرئية، ومتابعة الأحداث لحظة بلحظة، فأصبحت الأخبار المقروءة متأخرةً عن الزمن دائماً وفاقدة الاهتمام، وأصبح المقال والتحقيق هما الاهتمام الأول للصحيفة، لذلك أتمنى أن تولي «الجريدة» هذه القضية رعايتها الكاملة وتصبح المرجع الأول لها.

وكما ذكرت في العنوان ومن زاوية إنسانية خالصة، ومن دون الدخول في كثير من التفصيلات التاريخية وبداية ظهور المشكلة وأسباب استمرارها... إلخ، وبحثاً عن الحل وبالرغم من معرفتي - من خلال عملي اليومي في العيادة ومتابعتي لبعض المرضى- أن بعض أفراد هذه الفئة لا يعانون أي مشاكل ويمارسون حياتهم وعملهم بشكل طبيعي جداً ويسافرون أيضا وقتما يشاؤون (لا أدري كيف) إلا أن هناك عشرات الآلاف غيرهم يعانون وبقسوة، كما هو معروف، وإن سُمِح لي برأي فهو أن يُمنَح الجميع الجنسية بدرجة (...) على أن يتم كل فترة ولتكن 10 سنوات، وكما يتراءى للمشرع رفعهم درجة من درجات الجنسية، ويكون هذا الرفع مصاحباً لخدمة ما أو حقاً يقدم إليهم، وعلى سبيل المثال يمكن الآن منحهم جواز سفر وبطاقة مدنية تسمح لهم بالتنقلات الخارجية والداخلية، وبعد 10 سنوات يتم منحهم حق التعليم والعلاج، ومع الجيل الثاني يتم منحهم حقاً آخر، وليكن السكن الحكومي والتوظيف إلى أن يتم في النهاية منحهم حق الانتخاب والترشيح، وهو أعلى مراتب الجنسية في كل دول العالم، وبذلك نتجنب اعتراض الرافضين الذين يخشون من تكلفة مطالبة البدون بحقوقهم كلها فوراً على ميزانية الدولة، وفي الوقت نفسه نحترم آدميتهم وإنسانيتهم، ولاخوف بالطبع على النسيج الاجتماعي كما يدّعي البعض، إذ إن هناك عدداً كبيراً جدا من البدون متزوجون من كويتيات أو العكس، وبالفعل هم نسيج اجتماعي واحد.

نعم، هناك البعض منهم لا يعانون أي مشكلة (لا أدري كيف) ولكن الأغلبية العظمى تعاني وبشدة، وهذا ما يوجب على الجميع التفكير في حل هذه القضية من زاوية إنسانية خالصة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» صدقت يا سيدي يا رسول الله.

back to top