الجزيرة... نسخة 2007 من اللص والكلاب
يعدّ فيلم «الجزيرة» أحد أهم أفلام سينما 2007 فى مصر، وأحد أفضل أفلام مخرجه شريف عرفة، كما أن الفيلم شهادة ميلاد حقيقية لكاتب سيناريو متمكّن هو محمد دياب، وقد أكّد به مقدرته بعد فيلم «أحلام حقيقية» الذي عرض في العام نفسه.يعرض الفيلم قصة (أو فكرة) لشريف عرفة، استوحاها من واقعة حقيقية، صاغها بحرفية ناضجة كاتب السيناريو فى بناء درامي متماسك واقعي، حافل بالنماذج البشرية، أولها وأهمها منصور حفني بطل الفيلم الذي أدى دوره بثقة واقتدار أحمد السقا، وهو شاب تسلّم مملكة المخدرات والسلاح من والده (محمود ياسين)، ليصبح أميرها ورجلها القوي أو (الكبير) كما يناديه أتباعه وأهله في الفيلم، وهي قصة مستلهمة من شخص حقيقي يدعى (عزت حنفي)، في الواقعة التى عاشها صعيد مصر!
سار سيناريو «الجزيرة» على خطين رئيسين، توازيًا وتقاطعًا على مدار الفيلم من خلال الصراع بين عائلة منصور حفني وعائلة النجايحة، وصراع آخر بين منصور ورجاله من ناحية والحكومة ممثّلة في رجال جهاز الشرطة على تعاقبهم، في مقدمتهم الضابط الكبير الذي جسده عبد الرحمن أبو زهرة وقد ترك المهنة، لكنه لم يترك الانشغال الدائم بها، وهو والد الضابط الجديد الذي تم نقله إلى المكان (محمد عبد المغني)، المرتبط أيضاً بقرابة نسب مع الضابط الآخر القديم في المكان (خالد الصاوى)! وأخيراً الضابط الكبير (عزت أبو عوف) الذي استدعى لإدارة العملية الأخيرة المطلوب فيها تصفية منصور وجماعته تماماً.وخلال تلقي العزاء عن وفاة والد منصور و»الأب الروحي» يهجم أفراد عائلة النجايحة المناوئة منذ البداية، ويقومون بمجزرة كاملة بهدف التخلص من أكبر عدد ممكن من رجال منصور وعائلته، لتكون لهم الزعامة التى يحلمون بها من وقت مبكر ويحقدون بسببها على منصور ووالده، لكنهما ينجيان من المجزرة بأعجوبة منصور وطفله الوليد وعمه حسن (باسم سمرة) وقليلون، ما يدفع سيد العائلة،أو الكبير، منصور لأن يلجأ إلى المطاريد المنبوذين فى الجبل ويتفق معهم على عودتهم إلى الجزيرة وديارها فى مقابل أن يعينوه على الانتقام، وأن يكونوا جنده وعزوته.والمفارقة أن كريمة (هند صبري) حبيبة منصور من العائلة التي ناصبته العداء وذبحت أهله، ورغم حبه لها إلا ان والده أصرّ على تزويجه من فتاة أخرى من أسرته (زينة) وهو أنجب منها الطفل علي، لكن زوجته قتلت في المذبحة ولولا حبيبته كريمة لما بقي الطفل على قيد الحياة. أمّا الخط الآخر فهي العلاقة الشائكة بين هذا البطل ورجال الشرطة، الذين تراوحت العلاقة معهم بين التناقض والتعاون، يعينهم منصور ضد عناصر من يطلق عليهم «الإرهابيون» فى مقابل غض الطرف عنه أو معاونته فى أمر المخدرات، التى يقيمون دولتهم على أساسها.لذلك كان يهتف: «أنا الحكومة»! وفى كل مرة يردد فيها تلك العبارة لا يكف الجمهور عن التصفيق، كأن الامر أقرب الى للاستفتاء ضد كل من يراهم حكامًا ظالمين، بصرف النظر عن أي شئ آخر.في الفيلم بدا أننا أمام حالة أو تنويعة أخرى من «اللص والكلاب» رائعة نجيب محفوظ، لكننا في العام 2007. وظل الجمهور يعطف على اللص ويلعن الكلاب!لقد أتقن شريف عرفة تنفيذ معاركه، وإخراج مشاهد الصراع المزدوج المتداخل، بين العائلتين، أو بين منصور ورجاله والشرطة وضباطها! بما فيها المعركة الأخيرة الكبيرة حيث كان الصراع مسلحًا ضاريًا إلى حد بدا معه كمعركة حربية استخدم فيها حتى الطيران، لكن منصور ألقى فيها بسلاحه بسبب حبيبته كريمة، نقطة ضعفه، التى وضعت مسدسًا فى عنقها هدّدت بإفراغ رصاصاته إذا لم يسلّم نفسه، وهي تتصوّر أنّها بذلك تنجي حبيبها، وقد هرب بالفعل مرة أخرى في آخر مشهد من الفيلم أمام المحكمة (دار القضاء العالي) فى ظلّ معركة مفاجئة واعتداء جديد عليه من خصوم العائلة المناوئة القدامى!فيلم «الجزيرة» نجح بفضل مهارة صانعيه الذين أدارهم المخرج القدير شريف عرفة، وفي مقدمهم عناصر تصوير أيمن أبو المكارم، ومونتاج داليا الناصر، وديكور فوزي العوامري، وموسيقى عمر خيرت، وتصميم الملابس لناهد نصر الله، ومجمل فريق الممثلين، خصوصًا محمود ياسين (فى دور يعكس خبرته الكبيرة)، وخالد الصاوي (فى دور يعكس تقدّمه المميز)، وباسم سمرة في أحسن أدواره، والوجه الجديد الواعد آسر ياسين، أمّا هند صبري فبدت كأنها «روح» العمل، وهي روح ظلّت حاضرةً رقيقة وآسرة طوال الفيلم. ويرى البعض أن الفيلم قد يفتح مجالاً بذلك لجزءٍ ثان يستثمر الضجة المصاحبة للفيلم أو النجاح الذي يلقاه!