لنحتجّ جميعاً في مطار هيثرو
يشكل النقل الجوي نحو 20% من تأثير بريطانيا على الاحتباس الحراري، الذي يتعاظم بسرعة خلافاً للعوامل الأخرى. وسيرفع النقل الجوي وحده نسبة الغازات الدفيئة بنسبة 134% بحلول عام 2050. وهذا يعني أننا حتى لو أوقفنا السيارات والمصانع كلها، سيضمن النقل الجوي وحده فشلنا.
سيحتشد هذا الأسبوع ألفا شخص في مطار هيثرو في لندن مزودين بخيم وأكياس للنوم، وهدفهم ليس الاستمتاع بوقتهم، بل تحذير أبناء بلدهم من مناخ التدمير الشامل الذي نطلق له العنان.إن أردتم أن تعرفوا لمَ هذا الأمر ضروري، ألقوا نظرة على العالم الذي يرفض العديد من الناس رؤيته على حقيقته. فالبلدان المهددان بخطر الغرق بفعل الاحتباس الحراري حالياً بدآ يختفيان تحت الامواج. لقد غرقت نصف بنغلادش تقريباً تحت المياه نتيجة هبوب رياح موسمية أقوى بأربعة أضعاف من قوتها الطبيعية. وتشرد عشرة ملايين شخص في المنطقة. أما في جزر المالديف، فأغرقت سلسلة أمواج عاتية يصل ارتفاعها إلى 4.5 أمتار 68 جزيرة هذا الربيع. ويدرك السكان أن الأمواج تزداد ارتفاعاً كل سنة وسرعان ما ستبتلع منازلهم إلى الأبد. إننا نعيش في زمن أصبحت فيه النشرة الجوية الجزء الأهم في أي نشرة إخبارية. كنت أخيراً عند حدود دارفور حيث التقيت ببعض الناجين من الإبادة الجماعية الاولى التي سبّبها الاحتباس الحراري. طيلة عقود، اتفق البدو العرب والمزارعون الافريقيون في المنطقة بموجب إجراءات مدروسة على تقاسم المياه الإقليمية. ولكن كما قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أخيراً، «منذ عقدين، بدأت تشح الأمطار في جنوب السودان. ووفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، انخفض منسوب الأمطار بنسبة 40% منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين». وعلى حدّ قوله، كان ذلك من دون شك نتيجة الاحتباس الحراري. ومع اختفاء الموارد المائية، انقطعت العلاقات العربية-الافريقية الهشة في دارفور وقرر أحد الفريقين أن الطريق الوحيد للنجاة هو طرد خصومه العطاشى من المنطقة أو إبادتهم.لا يعاني العالم الفقير وحده عدم استقرار مناخ الكرة الأرضية. فقد ضربت بريطانيا فيضانات من المفترض أن تحصل كل 200 سنة، إلا أنها وقعت مرتين خلال ست سنوات. يحاول المحتجون في هيثرو إيقاظنا لئلا نغرق أكثر فأكثر في هذه المشكلة. خلال الأسبوع المقبل، ستُطلق عليهم عبارات مثل «المخربين» و«إرهابيي البيئة». وقد شجعت الحكومة بشكل مخز الشرطة على ان تستخدم ضدهم القوة التي تلجأ إليها في التعامل مع المجاهدين.ولكن بعيداً من أي نشاط «عنيف»، يحاول هؤلاء وضع حد لعنف الاحتباس الحراري المتزايد والواسع النطاق من دون إلحاق الأذى بأي إنسان.في السنة الماضية، تظاهر المحتجون أمام محطة «دراكس» للطاقة التي تعمل على الفحم الحجري في يوركشير. أما هذه السنة فقد دفعهم سبب بسيط إلى اختيار مطار هيثرو الذي سيفتتح محطة خامسة في مارس. وقد قدم هذا المطار أيضاً طلباً بإنشاء محطة سادسة. يعتبر المحتجون أن التوسع الحالي في النقل الجوي يضمن في حد ذاته فشل بريطانيا في بلوغ أبسط أهدافها البيئية. ألقوا نظرة على الأرقام. حالياً، يشكل النقل الجوي نحو 20% من تأثير بريطانيا على الاحتباس الحراري، الذي يتعاظم بسرعة خلافاً للعوامل الأخرى. ويقدّر مركز «تندال» للاحتباس الحراري، أحد أهم المراكز العلمية في العالم، أن النقل الجوي وحده سيرفع نسبة الغازات الدفيئة بنسبة 134% بحلول عام 2050. وهذا يعني أننا حتى لو أوقفنا السيارات والمصانع كلها، سيضمن النقل الجوي وحده فشلنا. وإن عجزت بريطانيا، إحدى أغنى دول العالم عن القيام بذلك، فلن نستطيع الضغط على أي دولة اخرى. عوضاً عن أخذ هذه الحجة المقنعة والحقيقية بعين الاعتبار، ابتكر اليمينيون حججاً وهمية لمهاجمة المحتجين. فاتهموهم بأنهم يريدون إبقاء العالم الفقير فقيراً. ولكن لا، إن الاحتباس الحراري سيبقي الناس فقراء. وشعب دارفور خير دليل على ذلك.واتهموهم أيضاً بأنهم متكبرون ويسخرون من طبقة العاملين الذين يسافرون بالطائرة إلى إيبيزا. ولكن لا، لا نمانع أن يأخذ الناس إجازات أقل كلفة، لو أنها لا تساهم في كارثة شاملة. وقالوا إنهم يسخرون من العلوم ويعارضونها. ولكن لا، إننا نعمل وفق ما أجمع عليه العلماء.وفي النهاية، يقولون إنهم غير عمليين. وفي الواقع، إن مجموعة «Plane Stupid»، التي مُنع منظموها من التخييم، تملك جدول أعمال عملياً جداً للتخفيف من حدة هذه الانبعاثات الجوية. المطلب الأول سهل جداً وهو منع الحكومة من منح صناعة الخطوط الجوية مبالغ كبيرة من أموال الشعب. فهم لا يدفعون ضريبة على القيمة المضافة أو الضريبة على الوقود لكي تعمد الحكومة إلى صرف هذه الأموال على أعمال البناء والصيانة في المطارات. فقد قدّر براندن سيويل، وهو عالم اقتصاد عمل سابقاً في وزارة المالية، أن هذه الأعمال تكلّف نحو عشرة مليارات جنيه استرليني سنوياً. فلمَ لا يستخدمون هذه الأموال في وسائل نقل أقل تلوثاً؟ لكنّ غوردن براون يفعل العكس. فقد عين في الحكومة أخيراً ديغبي جونز، المتحدث باسم الصناعة الكبرى التي تشمل الخطوط الجوية. وعندما كان وزير المالية، دافع براون عن عملية التوسع في هيثرو. فوحده الضغط السياسي الكبير، الذي يُظهر أن خطط التوسع ستثير السخط العام، يمكن أن يغير مسيرته.كما ويضم جدول أعمال «Plane Stupid» مطلبين آخرين، هما وقف أي توسع في المطارات ومنع الرحلات القصيرة. ومن المدهش معرفة أن أكثر مكانين مقصودين من مطار هيثرو هما مانشستر وباريس، اللذان يمكن بلوغهما على متن القطار بالسرعة نفسها وبنسبة تلوث أقل بعشرة أضعاف. حالياً، تقطع نصف الرحلات داخل أوروبا أقل من 500 كيلومتر، وهي تساوي المسافة بين لندن واسكتلندا. لذلك يجب أن يصبح النقل الجوي الخيار الأخير بعد استنفاد السبل البديلة الأخرى كلها.بما أن تقارير اليمينيين حول البيئة تحولت إلى لعبة القط والفأر ضد المحافظين على البيئة مثل آل غور، لا بد من تبرير موقفي حيال انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لا أقود ولا أستقل الطائرة رحلات قصيرة. أسافر فقط في رحلات طويلة يفرضها عليّ عملي، وأمازح نفسي بالقول إن الإبلاغ عن الإساءة إلى حقوق الإنسان يجعل الأمر يستحق عناء هدر بعض الكربون. وأعرف أن الغلاف الجوي وضحايا الاحتباس الحراري لا يسمعون أعذاري. ولكن لا يكفي أن يحاول البعض طوعاً حماية البيئة، فيما يتابع الباقون حياتهم وكأن شيئاً لم يكن. يجب أن نمتنع جميعاً بموجب القانون وإلا سنواجه فوضى مناخية عارمة. لهذا السبب، إن الانضمام إلى مخيم المحافظة على المناخ أهم بكثير من تغيير مصباح أو إعادة تدوير أو استخدام سيارة هجينة. ما يحتاج العالم إليه حالياً هو الضغط الجماعي على الحكومة وليس خيارات المستهلكين البسيطة والمتفرقة.في نهاية هذا الأسبوع، قالت ليلى، وهي مساعدة إدارية في لندن تساهم في الإعداد للمخيم، «أدركت أنني إن لم أتخذ خطوة عملية، فسأمضي ما تبقى من حياتي في مشاهدة المزيد من الفيضانات وحالات الجفاف والموت وأنا أعرف أنني كنت أستطيع تغيير هذا الوضع». لمزيد من المعلومات من أجل الانضمام إليها، تحققوا من الموقع الإلكتروني التالي:www.climatecamp.org.uk. فكيف ستشرح الأمر لضحايا بنغلادش وشمال إنكلترا إن لم تنضم إليها؟