الشاعر المصري فاروق شوشة: الشعر الجيّد لا يدخل ثلاجة الزمن!
دعا الشاعر فاروق شوشة في حوار مع «الجريدة» القوى والمنظمات والمؤسسات الثقافية والإعلامية لاعتبار العام الحالي 2008 عام تفعيل قرارات مجمع اللغة العربية وإعطائها قوة إلزامية في ما يتعلق باللغة العربية الفصحى والعمل بها في جميع مجالات حياتنا العملية والتربوية. كذلك دعا شوشة الى مواجهة ما أسماه بـ «عكارة» الحياة الشعرية وفوضى المصطلحات واستنهاض قوى الشعراء للحفاظ على هويتنا الشعرية وهوية لغتنا الجميلة.
ما مدى الخطر المُحدِق باللغة والشعر في عالمنا العربي؟تتعرّض اللغة العربية لمخاطر تهدّد وجود الإنسان العربي والمصير العربي، بسبب إهمالها وغزو اللغات الأجنبية لها، ولا بد من وضع مؤسسات المجتمع المدني الدفاع عنها في أعلى سلّم أولوياتها. كذلك أكرر دعوتي إلى ما أسميه بالمراجعة والنقد الذاتي والوقفة الصادقة كي يكون للمثقفين العرب حضور في خريطة هذا العصر. من النهوض ومواجهة هذا الواقع المتردي. فالفوضى القائمة في الحياة الأدبية تهدّد حياة الشعر مثلاً، وما يعزينا هو تأكّدنا أنّ الشعر يحمل صيرورته بداخله لأنّ الزمن الشعري يمتدّ إلى ما لا نهاية. هل تعتبر أنّ الشعر تجمّد ولم يتجاوز كتابات جيلكم؟الشعر الجيد هو الذي يبقى ويتخطى الحدود. لا بد هنا من التأكيد على أنّ حركة التجديد الشعري هي نفسها حركة الحياة، والحياة لا تتوقف، ولكن لكلّ عصر مميزاته وكتاباته الرائدة التي تطمح إلى حضور أكثر استشرافاً للمستقبل، كما انّ في كلّ عصر شعري أصوات تنزع إلى التمرد. ولكن أين يصب هذا التمرد؟ فثمة الآن كثرة عددية متمرّدة من دون أن تحقّق طفرة في الحالة الشعرية عموماً. ومن يقدّم اجتهادات نظرية تفصل بينه وبين التطبيق مسافات كبيرة. أدونيس مثلاً هو حقيقة شعرية كبرى في عصرنا، ويعتبر إضافةً إلى ديوان الشعر العربي، فكراً وابداعاً لكنّ مساحة الأرض الشعرية التي حقّقها تظل مقتصرة عليه وحده، ولا يليق لأحد أن ينتسب إليها، وأنا أرفض من ينسب نفسه إلى أدونيس لأنه يكرّر الصيغة الأدونيسية ويصبح في النهاية مجرّد صدىً وتقليداً باهتاً وصورةًً مهزوزة. أما من أمرٍ خارج الصيغة الأدونيسية؟ يوجد الكثير من الكتابات الشعرية خارج السياق الأدونيسي طبعاً، لكن القليل منها يعتبر بمثابة ومضات شعرية فهي تخطف الانتباه لبعض الوقت، وسرعان ما تتحوّل الى شهب خامدة. هل ما زلت تتعامل مع الحداثة بحذرٍ؟ لا أظنّ أنّ الحداثة كمصطلح قدّمت إضافة حقيقية أو حتى تجاوزت الأفكار الأساسية في فهم الإبداع وتقديمه على أساس القدرة على اختراق الأزمنة والعصور ومخاطبة الوجدان. كذلك فقدت التجربة الشعرية العربية الكثير من وهجها وحرارتها أمام مغامرات الحداثة الفلسفية، وفي ظلّ مشكلة تحديث المجتمع العربي، فالأصواتُ الصادرة عنه تعزف نشازاً وتتقلّص وتنكمش، ولا بدّ من الارتباط بقضايا الواقع وعدم الترفّع عنها حتى تضمن الكتابة استمراريتها وبقاءها. وكيف اكتشفتَ حبّك للعربية الفصحى؟ ولدت في قرية تدعى الشعراء وفي كتاب القرية تعرّفت على اللغة وجمالها. وكان الكتاب هو أكاديميتي الأولى التي تعملت فيها. وفي تلك الفترة، أي في عام 1947، اجتاحت الكوليرا مصر، فأصابت الكثيرين ومن بينهم جدي لأمي. استفدت من بقائي في البيت طوال هذه الفترة، خوفاً من عدوى المرض فقرأت كلّ ما في مكتبة أبي، وبالذات مجلة «الرواية» التي كانت توأما لرسالة الزيات، وإن لم تنل نصيبها من الشهرة، قرأت فيها كثيراً من الإبداعات للشعراء محمود طه، إبراهيم ناجي وعلي الجارم ومحمود حسن إسماعيل. وقرأت في مكتبة البلدية في دمياط سيرة عنترة بن شداد، كما كتبها الأصمعي في عشرة أجزاء. ولم يكن الكتاب بالنسبة اليّ مجرّد حفظ للقرآن بقدر ما شكّل خبرة لغوية تأسيسية. ثم اكتشفت الشعر بعد الكتاب بسنواتٍ طويلة، وأتيح لي من خلال اللغة القرآنية واللغة الشعرية ما أحلّق به وأتعامل به من اللغة بحيث شعرت أنّها باتت جزءاً من نسيج حياتي، تحدّد مساري في رحلة الحياة العلمية والإبداعية، من خلال هذا الوعاء الذي غصت فيه أكثر فاكتشفت جمالياته. وعندما بدأت أكتب الشعر كنت أحاول الافادة من خبرتي بهذه الجماليات ومن قدرتي على التشكيل باللغة، وقد حاولت عبر مراحل حياتي كلّها، سواء أثناء عملي الإعلامي والإذاعي، أو في برامجي التلفزيونية، وحتى أيامنا هذه أن أقرّب هذه اللغة إلى القارئ وأبعد عن أذهان الناس فكرة أنّها لغة صعبة. وقد لا يعرف كثيرون أنّ محاولاتي الإبداعية الأولى كانت نصاً مسرحياً بعنوان «هكذا مرة واحدة» وكنت آنذاك طالباً في المدرسة، وكلّف عرضها المدرسة 17 جنيهاً، وكان مبلغاً عالياً في تلك الفترة، وكنت أوّل من يجسّد الامام علي بن أبي طالب والخليفة عثمان على خشبة مسرح. وكانت قصائد الغزل الخطوة التالية التي كان الفضل فيها لفتاة القرية التي أشعلت فيّ أولى شرارات الحبّ. وحتى الآن اعتبر أنّ شاعراً بلا عاطفة وبلا امرأة انّما يعيش خارج رحم الكون. فالمرأة هي الزوجة والأم والبنت والحفيدة، هي التي تكمل الدائرة وتنعش الذاكرة. ثم ولجت الحقبة التالية من حياتي أي مرحلة الجامعة التي اتجهت خلالها إلى القصائد الوطنية والاجتماعية. بعد ذلك كانت لي محاولات لتعميق ما اكتب ولكي تكون لي قصيدتي وبصمتي الخاصة. كيف تقرأ أزمة النقد الأدبي راهناًً؟لا أعتقد أن أزمة النقد الحالية يعود سببها الى وجود الكرة في ملعب الكتاب والنقاد لأنّهما فريق واحد لا يتجزأ، وإن اختلفت المواقع. وأعظم ما كان في حياتنا الشعرية والإبداعية أنّها كانت تشكّل تياراتٍ متكاملة ومتألّقة، وفي رأيي إنّ الانعكاسات التي طاولت الطرفين معاً، أي المبدع والناقد، تعود لأزمة مجتمعية. على أنّ السياسة تركت ظلالها عليهما فأصابتهما بحالةٍ من الاحباط واليأس. ولا يمكن للنتاج الفردي أن يشقّ طريقه وحده، في ذلك تكريس للفردية في العمل الثقافي والإبداعي، وإلا كيف تنمو التيارات والاتجاهات والمدارس الفنية المتباينة أليست هي نتاج فهم ووعي وممارسة جماعية وإن تمخضت في النهاية عن قيمة فنية واحدة. نعاني من أزمة شمولية في مجتمع فقد تفاعله الصادق والإيجابي مع قضاياه العامة، ويجب أن تعود العلاقة بين الناقد والمبدع إلى التفاعل والتعاون المشترك لتحقيق هدف واحد وهو إثراء حياتنا الثقافية والفكرية. ما مدى الخوف من العامية على العربية ؟ لا يوجد خوف فشعر العامية هو الوجه الآخر من وجهي العملة الشعرية العربية. ولا يمكن التنكر لشعر العامية ولا يجوز اعتباره في صراعٍ أو تضادٍّ مع الفصحى وأعتقد أنهما يتحاوران ويغذي كلّ منهما الآخر، ويستلهم كلّ منهما من صور الآخر. سيرةولد فاروق شوشة في قرية الشعراء بمحافظة دمياط عام 1936، وعمل في الإذاعة المصرية مقدمًا للبرامج. تقلّب في المناصب الإذاعية حتى أصبح رئيسًا للإذاعة المصرية عام 1994، وقد شغل هذا المنصب حتى عام 1997 بعد بلوغه سن المعاش بعام. من أشهر أعماله الإذاعية والتلفزيونية كتابته وتقديمه للبرنامج الإذاعي اليومي «لغتنا الجميلة»، وبرنامج الأمسية الثقافية. يشغل حالياً منصب الأمين العام لمجمع اللغة العربية . له أكثر من خمسة عشر ديوانًا شعريًّا منها: إلى مسافرة، العيون المحترقة، لؤلؤة في القلب، في انتظار مالا يجيء، الدائرة المحكمة، لغة من دم العاشقين، يقول الدم العربي، عشرون قصيدة حب، هئت لكِ، سيدة الماء، وقت لاقتناص الوقت وجه أبنوسي، الجميلة تنزل إلى النهر، مختارات شعرية، وأحبك حتى البكاء.له أربع مجموعات شعرية للأطفال هي: حبيبة والقمر، مَلَك تبدأ خطوتها، الطائر الصغير، الأمير الباسم.