تتصدّر أعماله قائمة الروايات الأكثر مبيعاً في العالم موراكامي... يكتب بغزارة من يخشى الموت غداً
خلال فترة قصيرة ترجم «المركز الثقافي العربي» في بيروت ثلاث روايات للياباني هاروكي موراكامي هي «جنوب الحدود، غرب الشمس»، «الغابة الزوجية»، «سبوتنيك الحبيبة». تستحق هذه الترجمات الاحتفاء، خاصة ان موراكامي من اشهر الروائيين اليابانيين المعاصرين وتتصدر رواياته قائمة الروايات الأكثر مبيعاً، ليس في اليابان فحسب بل في كثير من دول العالم وتترجمها كبريات دور النشر العالمية.
في روايته «سبوتنيك الحبيبة» الصادرة قبل أيام، وكما في معظم أعماله، يدخل موراكامي عالم العلاقات الحميمة في الحياة المعاصرة. بجاذبية طريقته في القص يجعلنا نعيش وقائع الرواية كما لو ان شخوصها موجودة بيننا. كانت سوماير بطلة الرواية، التي تعني «بنفسج» باليابانية، تكافح كي تصبح كاتبة، ومهما قدمت اليها الحياة من خيارات كانت تريد أن تصبح كاتبة فحسب. قرار ثابت كصخرة جبل طارق، لا يمكن شيئاً أن يحول بينها وإيمانها بالأدب. بعد تخرجها من مدرسة ثانوية حكومية في مقاطعة كاناغاوا، التحقت بالقسم الأدبي في كلية خاصة صغيرة في طوكيو. وجدت الكلية مكاناً عديم الصلة بالحياة تعوزه الحماسة ويفتقر الى الروح. نفرت منها ورأت أن زملاءها الطلاب مملّون ومن الدرجة الثانية. لذا لم يكن غريباً أن تحزم أمرها بكل بساطة وتغادر في سنتها الأولى. توصلت الى قناعة أن بقاءها هناك إضاعة للوقت. اما الروائي فيقول على لسان بطل القصة» الرواية ليست شيئا من هذا العالم. تتطلب الرواية نوعا من التعميد السحري لربط هذا العالم بالعالم الآخر». هكذا تربط روايته هذا العالم بعالم سحري يفتح أمام القارئ أبواباً للخيال والسحر.جنوب الحدودالشروع في قراءة رواية موراكامي يشبه الانتقال إلى الجانب الآخر من المرآة بصحبة الروائيّ نفسه. لنقل انه يكتب في «سبوتنيك الحبيبة» عن حب لا يجد الأجوبة عن اسئلته. اما في روايته «جنوب الحدود، غرب الشمس» فتفوح رائحة الحنين إلى الحب الماضي البريء الذي يقابله الراهن الاستهلاكي الفجّ، اذ يلتقي رجل حبيبة طفولته ويجازف ويخاطر بزواجه عندما يقيم علاقة معها، لكنه لا يوضح هل حدث ذلك حقاً او انحصر في خيال الرجل. يظل الشبق في بداية الرواية أحد المفاتيح الحاسمة فهو يعتبر، إلى الأحلام، عاملا أساسيا للإيغال في عالم الذات. وفي روايته «الغابة النروجية» يروي قصة شاب جامعي يموت صديقه فيعيش الموت مفصلاً من مفاصل الحياة وتتحول حياته إلى أخيلة غرامية ويكتشف أن الحدود بين الأشياء تتداعى ويختلط فيها الواقع بالخيال والموت بالحياة والعقل بالجنون.حين يكتب واتانابي، بطل الرواية، غابة أخيلته، بعد عشرين سنة من حدوثها، يجد أن ما يكتبه هو ما يتذكره وأن ما يتذكره هو ما يتمناه. السرد هو الحياة والحياة هي السرد. لكن النتيجة التي تعصف بوجوده فعلاً هي في هذا التداخل. في انكفائه في هذه المصادفة الذاتية أضاع «الحدود» بين العوالم. لم يعد يدري أين هو، إصطدم بهشاشة الواقع الفعلي وصدمنا نحن القراء معه بتداخل الحدود بين السرد والواقع والوعي واللاوعي.يقع البطل في حب صديقة صديقه ناوكو بعد انتحاره ويرتبطان بعلاقة غريبة وقاسية. تعاني ناوكو أمراضاً نفسية وتقرر ترك طوكيو والعيش في مكان ريفي معزول أقرب إلى المصح. يستمر واتانابي في مراسلتها دائماً وزيارتها على نحو متقطع. لكنه ينصرف في جانب آخر إلى الحب بكثرة بعد وصوله إلى الجامعة ولا سيما برفقة صديقه ناغاساوا. يقيم علاقة غير واضحة مع فتاة تدعى ميدوري. نكتشف شيئاً فشيئاً أن شبح الانتحار يخيم على ابطال الرواية. شخصية الروائي الرواية تشبه النمط الذي عودنا عليه موراكامي، اذ يدرج لحظات حميمة تتيح للقراء فتح الأبواب المغلقة. يختلس النظر الى الركن المنطمس من ذواتهم ليضعه في وضح النهار. اسلوب الروائي السردي يدلّ على اتخاذ الروائي مسافة (او قطيعة) حيال الأدب الياباني التقليدي الذي يجسده كل من ميشيما وكاواباتا ووتانيزاكي. يكتب بلغة بسيطة حديثة ويقدم رواية تدخل مسام القارئ كالسم البطيء، اذ تبدو عادية للوهلة الأولى ثم سرعان ما تصبح علاقة القارئ بالرواية قوية فلا يستطيع تركها، على عكس الرواية اليابانية التقليدية التي ينام المرء وهو يقرأ صفحة منها. غير ان الأدب الكلاسيكي، خاصة اعمال دويستويفسكي وتولستوي وبلزاك التي كانت تشكل العناصر الأساسية لثقافة موراكامي والمادة الضرورية التي ينهل منها في بناء اعماله الروائية، لا يستطيع الاستغناء عن استخدام الثقافة الشعبية وأدب الخيال العلمي، لذا تراه يمزج هذه العناصر الأدبية ويصهرها كي تثمر أعمالاً روائية متميزة. الى ذلك يشعر القارىء لدى قراءته صفحات كاملة في روايات موراكامي كأنه يقرأ قائمة طعام في مطعم أو كتاباً عن الطبخ. يعلل موراكامي اهتمامه الشديد بالطعام: «أريد فحسب وصف أشياء مألوفة جداً لدى كل انسان، فأحياناً أحب أن أصف الطعام وأحياناً أصف الموسيقى أو الملابس». في بعض الأحيان نجد ابطال رواياته غارقين حتى الأذنين في دوامة العصر الحديث. يقول موراكامي في إحدى مقابلاته «ان العنف والجنس اللذين لم اتمكن من التعبير عنهما بالكتابة الا في الأربعين يخضعانني لعلاج صدامي ويفتحان آفاقاً أخرى في ذهني. واتمنى ان يكون الأمر كذلك بالنسبة الى القارئ. انا الذي لم اتعرض لأي عنف واحب القطط، قادر على تخيل مجزرة لرفيقات طفولتي هذه، بغية معرفة ما سأشعر به فحسب».يتكلم موراكامي عمّا نحسه، عن انفعالنا بتلاشي هذه الأحاسيس، خاصة عندما تكون هذه الذات متلهفة إلى الحب. تفرض قصص موراكامي على المرء ألا يستغرق في تحليلها كثيراً، فجمالها يكمن في خواصها الغرائبية وفي قدرة مؤلفها على أن يستمد إلهامه من اللاوعي الجماعي. إلى ذلك ثمة جانب من عبقرية المؤلف يتمثل في استخدامه الصور والانتقال بينها من صورة إلى أخرى فتترك مجالاً للتخيل في حين تمضي الحوادث على النحو الذي نشاهده في الحياة المليئة بالأشخاص الذين يجيئون ويذهبون طوال الوقت فيما تظل ذاكرتهم متقدة وقابلة للتفجر في اي وقت. موراكامي مولع بالركض وبدأ في مزاولته مطلع الثمانينات. شارك في عشرين ماراتوناً وقرر ان يكون كاتباً وهو يشاهد مباراة بيسبول. في بداياته كان يدرس السينما ليصبح مخرجا، لكنه اكتشف سريعا أن ليس لديه ما يفعله في هذا المجال. بدأ الكتابة في نهاية السبعينات من القرن الفائت بغزارة من يخشى ان يموت غداً. كتب عشرين رواية ومجموعة قصصية ومقالات عن الجاز والسفر والألعاب الأولمبية وترجم الى اليابانية خمسة وعشرين كتاباً لمؤلفين اميركيين. يقول عن ادبه «سهل القراءة، صعب الفهم» بطله هامشي وحيد، يضجر من العمل، لديه قطة وزوجة او صديقة، يجمع الواقع والوهم والحقيقة والمجاز حتى يصعب الفصل بينهما. حياتهولد موراكامي عام 1949 في منطقة كيوتو اليابانية، إلا انه أمضى طفولته في مدينة كوبية حيث المرفأ البحري الكوسموليتيّ الذي يضم جنسيات مختلفة. درس المسرح الإغريقي في جامعة وازادا قبل أن يتكفل بإدارة ملهى ليلي يرتاده زبائن يستمتعون فيه بمقطوعات من موسيقى الجاز . خلال إقامته في طوكيو بين عامي 1974 و1981، ومع انه الولد الوحيد لأبوين استاذين لمادة الادب الياباني، الا ان الادب الاميركي جذبه الى عالم الرواية، خاصة اعمال فيتزجيرالد وشاندلر. كان الأدب الغربي وسيلة للهرب من بيئته التي لم يحبها. بدأ بالأدب الأوروبي ثم أغرم بالأميركي. اصدر موراكامي روايته الأولى «اسمع غناء الريح» وإثر حصوله على جائزة غونزو أتبع روايته الباكرة بمجموعة «ثلاثية الجرذ»، صدر جزؤها الثالث «سباق الخروف البرّي» في فرنسا عام 1990. بيد أن نجاح موراكامي المدوي في اليابان سيرتبط برواية «ارقص، ارقص» وهي تتمة لـ «سباق الخروف البرّي». علاوة على ذلك أصدر عام 1998 مجموعة قصصية عنوانها «الفيل قيد التبخّر»، ثم «حوليات الطائر ذي النابض» (2001). غادر موراكامي وزوجته اليابان ليستقرا في الولايات المتحدة بين عامي 1986 و1995 ريثما يعود ثانية إلى بلده الأصلي فيصدر المجموعة القصصية «بعد الزلزال» ومجموعة من الشهادات حول ضحايا الهجوم بغاز الأعصاب الذي اقترفته طائفة «أوم «. غير ان موراكامي الذي وجد نفسه بشكل مفاجئ أحد اشهر كتّاب الرواية في اليابان. أزعجته تلك الشهرة وقرر السفر الى اميركا، لكن بعدما اصبح استاذا للادب الياباني في جامعة برنستون أيقن أنه كان كاتبا يابانيا بالنسبة الى الجميع. يقول: «حينئذ فحسب عرفت ان هويتي جزء لا يتجزأ مني وأني لا أستطيع التخلي عن كوني يابانيا».تذوّقكانت سوماير رومانسية ميؤوساً منها، متمسكة بأنماط معيشتها – بريئة في طرق حياتها، إذا أردنا وصفها بشكل لطيف. حين تشرع في الحديث لا تتوقف، لكن إذا كانت مع شخص لا تنسجم معه – أي بعبارة أخرى، معظم سكان الأرض – لا تفتح فمها إلا في ما ندر. تدخن كثيراً ويمكن أن تراهن أنها تضيّع بطاقتها كلما ركبت في القطار. تستغرق في أفكارها أحياناً فتنسى تناول الطعام. كانت نحيلة مثل أحد أيتام الحرب في الأفلام الإيطالية – كعصا بعينين. أود أن أريكم صورة لها غير أنني لا أملك واحدة. كانت تكره أن تلتقط صوراً لها، ولا ترغب في ترك «صورة الفنان في شبابها» للأجيال المقبلة. إذا توافرت صورة لسوماير آنذاك، أعلم أنها ستكون سجلاً قيِّماً حول كيف لبعض الناس أن يكونوا متفردين. أخلط ترتيب الأحداث. المرأة التي أحبتها سوماير كان اسمها ميو. على الأقل هكذا كانت تسمى من قبل الجميع، ولا أعرف اسمها الحقيقي، ما أدى الى حدوث مشاكل في أوقات لاحقة، لكننني استبق الأحداث مرة أخرى. كانت ميو كورية الجنسية، وإن لم تكن تعرف كلمة من اللغة الكورية حتى قررت دراستها عندما كانت في منتصف العشرينات. ولدت ونشأت في اليابان ودرست في أكاديمية موسيقية في فرنسا، لذا علاوة على اليابانية، كانت تتحدث الفرنسية والانكليزية بطلاقة. كانت حسنة الهندام أنيقة دوماً وزينتها باهظة الثمن ومتواضعة وتقود عربة جاكوار زرقاء نيلية بـ12 أسطوانة.تحدثت ثوماير في أول لقاء لها مع ميو عن روايات جاك كيرواك. كانت سوماير مغرمة بكيرواك الى حد الهوس. وكل شهر يكون لديها معبود أدبي، حدث أن كان في ذلك الشهر كيرواك الذي لم يعد شائعاً كموضة. كانت تحمل نسخة بالية من رواية «على الطريق» أو»الرحالة الوحيد» في جيب معطفها وتتصفح الكتاب كلما سنحت لها الفرصة، وتضع، كلما صادفت بعض السطور التي تعجبها، خطاً بقلم رصاص تحتها لحفظها كما لو كانت من كتاب مقدس. كانت أسطرها المفضلة من أحد فصول «الرحالة الوحيد». حيث يصف كيرواك كيف قضى ثلاثة شهور وحيداً في كوخ على قمة جبل شاهق كمراقب للحرائق. أحبت سوماير هذه الأسطر بشكل خاص: «لا ينبغي للمرء أن يعيش من دون أن يمر بالتجربة الصحية للعيش في البراري حتى لو في وحدة مملة، حيث يجد نفسه معتمداً على نفسه فقط، وبذلك يتعرف على قوته الخفية والحقيقية» .قالت: «ألا تحب ذلك؟ أن تقف كل يوم على قمة جبل وتدور 360 درجة لترى إن كانت هناك حرائق؟ وهكذا ينتهي عملك في ذلك النهار. في ما تبقى من اليوم يمكنك أن تقرأ وتكتب وتفعل كل ما تريد. في الليل تحوم الدببة الضخمة حول كوخك. هذه هي الحياة! مقارنة ذلك بدراسة الأدب في الكلية يشبه قضم الطرف المر من خيارة».