افتتن بها كتاب الغرب والشرق مدينةً ثقافية صارخة طنجة ذات البحرين أسطورية ملهمة حالمة
لا يتوقف كتاب عرب وعالميون عن الافتتان بمدينة طنجة، الى حد ان كتابتهم باتت تشجع المرء على زيارة هذه المدينة ومعرفة مكنونها وسرها العميق و «حلمها».فقد أصدر الروائي الفرنسي المغربي الطاهر بن جلون حديثاً رواية «أن ترحل» التي ترجمها الى العربية الشاعر بسام حجّار. يكتب بن جلون هذه الرواية منطلقاً من طنجة. يرصد تمزّق المغاربة بين حبّهم للمغرب ورغبتهم في مغادرته. فالشباب المغاربة، كما الأفارقة الذين يأتون الى طنجة، وبسبب إصرارهم المتهور على الوصول الى الضفة الأخرى(اسبانيا) يقعون فريسة المهرّبين والغرق في البحر، او يضطرون إلى فعل ما فعله عازل الذي أصبح خليل ميكال مكرها، وما فعلته كنزة التي تزوجت ميكال في سبيل حلم الحصول على جواز سفر أو حتى فيزا.
بين طنجة وأسبانيا يصف بن جلّون كم أن حلم” أن ترحل” بأي وسيلة هو حلم بائس.حلم الرحيل عبر طنجة إلى اوروبا يقابله حلم الأدباء والكتاب والشعراء والرسامين لزيارة «المدينة الحلم» كما وصفها الكاتب الاميركي بول بولز. الأرجح ان الحماسة لهذه المدينة بكوسموبوليتيتها وتناقضاتها ومناخها وموقعها الاستراتيجي، أي كونها أقرب نقطة في أفريقيا من أوروبا اذ تنعت بـ «المدينة ذات البحرين» التي تكاد لا تغيب الشمس عنها صيفا. كما كانت الكاتبة الأميركية غيرترود شتاين تغري الكاتب الأميركي بول بولز بذلك لحضّه على زيارة طنجة، وهو الإغراء الذي سرعان ما استمال بولز وقد «أصبح الوصي الأكبر على من يفد على طنجة من الأميركيين وأحيانا على آخرين فهو شجع الكتاب والمشاهير على زيارتها والإقامة فيها. شاي في صحراءأيضاً الكاتب الأميركي براين غيسن الذي وإن غادر طنجة مكرها بسبب مرضه المزمن، فإن أخته الروحية آن كومين فيليستي حملت معها رماده في قارورات صغيرة ونثرته بين صخور «مغارات هرقل» في طنجة وساحة «جامع الفنا» في مراكش، وكتب شكري عن ذلك أيضاً. في حين أن والتر هاريز، مراسل جريدة «التايمز» اللندنية، الذي توفي في مالطا أوصى بأن يدفن في طنجة، كذلك الكاتب الفرنسي جان جينيه الذي ارتبط اسمه بالمدينة فأوصى بأن يدفن في العرائش المغربية غير البعيدة كثيرا عن طنجة. ومن الكتاب والفنانين الكبار الذين زاروا طنجة أو أقاموا فيها نذكر غيرترود شتاين والكاتب الأميركي تينسي وليامز والمخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي الذي صور في طنجة بعض حوادث فيلم «شاي في الصحراء» والكاتب الأميركي جون ستينهام والكاتب الغواتيمالي رودريغو راي روسا والروائية الفرنسية فيليسي ديبوا صاحبة كتاب «تينيسي وليامز: طائر بلا قوادم» والكاتب المسرحي صموئيل بيكيت ودولاكروا ومارك توين وترومان كابوت وجاك كرواك وألن غينسبرغ وألفريد تشستر وروبين داريو وبلاسكو إيبانيت وبيوباروخا ووليام بوروز والرسام التشيلياني كلوديو برافو، كما زارتها فرق موسيقية عالمية كفرقة رولينغ ستونز. سيكون على محمد شكري أن يروي علاقته معهم وهي مثيرة بالطبع. لا شك في أن الحكايات والكتابات عن طنجة كثيرة وتحتاج الى كتب كثيرة. من حكاية تينيسي وليامز، الهارب من ماضيه، الى سرد خوان غويتسيللو الى رولان بارت الذي سمّى طنجة «المدينة الهيبية» وقبلهم جميعا كان على الرسام الفرنسي ماتيس أن يسافر على متن باخرة الى هذه المدينة التي أضحت أحد مصادر الوحي والإلهام لديه لسنوات كثيرة. حملت المحظيات اللواتي رسمهن مسحات مغربية قليلاً وأمضى جزءاً من حياته يرسم نساء بلده، مواطنات ينتمين الى الجمهورية الفرنسية ويُعرفن بلولو ولوريت وانطوانيت وهنرييت، متنكرات بزي زهرة، الفتاة الطنجوية الوحيدة التي تسنى لماتيس أن يعرفها في لقاء خاص وفي ظروف استثنائية ومعقدة. وفي مرور سنوات ظلت ذكرى الفتاة ماثلة في الرسم الباريسي للفنان ما يساهم في إشاعة «خرافة» أن كل فتيات طنجة يشبهن فتاة ماتيس. اقنعة الكتابةأما بالنسبة إلى كتاب العرب فإن لائحة زوّار طنجة منهم طويلة ومليئة، أبرزهم المغربي محمد شكري الذي أضفى على هذه المدينة نكهة خاصة اذ هام بها فأعطته الشهرة العالمية وكان يفضل أن ينعت بـ «الكاتب الطنجوي» فأصبح بذلك واحدا من أبناء طنجة. إلى جانب شكري قام كتاب وباحثون مغاربة آخرون ببلورة جوانب من التاريخ الثقافي والاجتماعي والأسطوري والرمزي لهذه المدينة عبر بعض رموزها الأساسية، فكتب الناقد والمترجم المغربي إبراهيم الخطيب عن بول بولز في كتابين: «بول بولز في المغرب: أقنعة الكتابة» و «بول بولز: التخييل والمثاقفة». فيهما يرد الخطيب بعض الاعتبار لشخصية بولز وإبداعه وهو الذي ترجم له مجموعة قصصية إلى العربية عنوان «البستان»، ويدحض في الكتابين مواقف بعض المثقفين المغاربة السلبية من إبداعات بولز. وأصدر الباحث المغربي حسن بحراوي كتابا أساسيا عن «حلقة رواة طنجة». ثمة أيضاً كتابان عن بولز من تأليف الكاتب عبد العزيز جدير: «بول بولز ورواة طنجة» و «بول بولز ومحمد شكري ــ الحوار الأخير»، عدا كتاب «حوارات أميركية في طنجة» ومادته الرئيسية مجموعة حوارات مطولة أجراها المؤلف مع عدد من كتاب الولايات المتحدة. تسعى تلك الحوارات الى الربط بين ابداعات هؤلاء الكتاب ومسار حياتهم وفهم أعمال المستجوبين رغبة في التنقيب عن معالم رؤيتهم للعالم وللآخرين.هضبة الشرفطنجة في علاقة المثقفين بها تشبه مدناً عالمية كبرى مثل نيويورك وباريس والقاهرة، لكن ميزتها الثقافية صارخة. فهذه المدينة أعيت المؤرخين والباحثين عبثاً حول اصل من بناها، وهي بحسب الأسطورة الطنجوية وليدة الطوفان فقد عادت الحمامة وصاح نوح «طين جا» فإذا فلكه ترسو قرب «هضبة الشرف». هكذا تختلط في المدينة أسطورة الثقافة «الملعونة» بالأسطورة التوراتية. حين زارها مارك توين آتياً من أسبانيا عام 1867 لم يمكث فيها أكثر من 36 ساعة وقال عنها في كتابه «الغريب البريء»: «طنجة هي المكان الذي كنا نرغب فيه منذ القدم... كنا نريد شيئاً كاملاً ومختلفاً تماماً» واعتبرها الثانية بين أقدم مدن العالم. يسطع نجم المدن ويخفت، لكنها اذ تدخل دائرة «الأسطورة» فإنها تقلق المرء وتجعله متحمساً لزيارتها حتى وإن أفل نجمها.