الأبنودي يتذكّر ويروي حكايات البدايات 14: يصيح كابتن فريق الكرة يالا يا وِلد فتفقد الأشجار فروعها أصدقاء الطفولة في حياة شاعر الناس
هذه الحلقات ليست ثمرة حوار ممتد عبر عدة جلسات مع صديقي الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، بل ثمرة حوارات طويلة، معظمها عفوي، كان خلالها «يبوح» وكنت «أحفظ». حوارات عفوية تطرق فيها إلى تفاصيل كثيرة ورسم معظم الملامح الأساسية في لوحة حياته فلما جاء وقت الحوارات المقصودة لم يكن علينا أن نبدأ البناء من أوله بل أن نستكمل بعض التفاصيل أو نضع لمسة هنا ولمسة هناك. ولا تحسبوها مهمة سهلة، إذ استدعى الأمر جلسات عديدة وساعات طويلة اقتنصتها من جدول الأبنودي المزدحم بين سفر وسفر، من شاطئ الخليج العربي إلى تونس ومن احتفالية فنية في قرطاج إلى مولد «سيدي عبد الرحيم» الشعبي في قنا، حتى أمكن في النهاية أن أجمع هذه الباقة من «حكايات البدايات» الأبنودية.
في البداية لم يبد الأبنودي متحمساً لموضوع الحوارات. قال: لم لا نحدد موضوعا أهم من «البدايات» للحوار حوله؟ قلت: وهل هناك أهم من البدايات؟ إن حياتك عبارة عن سلسلة متواصلة من البدايات، كأنك تولد كل يوم مرة أخرى، أول يوم في الحياة، أول يوم علم، أول يوم عمل، أول حب، أول وظيفة، أول قصيدة، أول أغنية، أول نجاح، أول إخفاق، أول ديوان، أول جائزة، أول سفر، أول لقاء مع عبد الحليم حافظ وغيره من «مجرة» النجوم التي عشت واحدا منها.وافق الأبنودي على إجراء حوارات «استكمال أجزاء الصورة». وافق ربما لأننا صديقان، وربما من باب أن «الحياة تجارب»، أو لأي سبب آخر. المهم أنه وافق، مع احتفاظه بموقفه غير المتحمس. لكن «الحماسة» لم تتأخر كثيرا فمع أول سؤال وأول إجابة كان يتدفق كالشلال، كالنيل الذي كان يفيض هناك في أبنود قبل أن يكون هناك سد عالٍ. وليس عجيبا أن الأبنودي يذكر أيام الفيضان هذه بكل الود ويضعها في الموضع الذي يليق بها من تاريخ مصر. وفي الوقت نفسه يعتبر السد العالي «مشروعه» الذي يفاخر به فهو القارئ لتاريخ مصر ـ المكتوب وغير المكتوب ـ بعين محبة وقلب رؤوم والقادر على اكتشاف ما كان في كل حقبة من «فضيلة».مع السؤال الأول والإجابة الأولى كان الأبنودي يتدفق حماسة واكتشف واكتشفت معه كم كانت مبهجة تلك البدايات التي راح يقص حكاياتها. حين وضعت كتابا عن الأبنودي اخترت أن يكون عنوانه: «شاعر الناس»، وقلت إنه «شاعر مسكون بالناس. كأنه ممثل يختزن داخله ألوف الوجوه وكأن الشعر هو المسرح الذي يخرج إليه ليشخصها». بديهي أن تمثل الصداقة قيمة كبرى في حياة الأبنودي الشاعر والإنسان الذي عرضت لما حكاه بأدق التفاصيل عن ذكريات لعب الطفولة الأولى وبدايات رحلة العمل ورحلة التعليم، مؤجلاً ما يتعلق من هذا كله بالأصدقاء فالصداقة في حياته تستحق أن نفرد لها حديثاً مستقلاً.يقول الأبنودي: «الصداقة هي زادي الذي يبقيني على قيد الحياة ويدفع بي إلى الأمام. أول صديق عرفته ما زال صديقا لي حتى الآن. صحيح أنه يعيش في صعيد مصر ولا أراه إلا حين أذهب إلى أبنود، لكننا ما زلنا نتواصل عبر الهاتف وما زالت الصداقة بيننا على حالها». ويتذكر: «هذا الصديق هو جمال نصاري، التقيته للمرة الأولى في أولى سنوات الدراسة في مدرسة سيدي عبد الرحيم الابتدائية التي ذهبت إليها بعد مدرسة المحطة مباشرة وكان التحق بالمدرسة قبلي بعام واحد، لكنه رسب فبقي في الصف الأول. منذ لقائنا الأول ربطتنا صداقة لم تغيرها الأيام، صداقة نشأت رغم تعارض انتمائنا القبلي وساعدتنا على اقتحام الحياة بجسارة ضد معتقدات أهالينا. وفي 1954 عندما باغت السيل مدينة قنا هدم بيت عائلة جمال نصاري مع ما هدم من بيوت. هدم ذلك البيت الجميل الذي كنت أذهب إليه وأحبه». يتذكر الأبنودي أيضاً أن جمال نصاري كان برفقته عندما التقى الزعيم جمال عبد الناصر وأنه مَنْ نبهه إلى وجوده فوق السيارة العسكرية الغارقة في مياه السيول. يقول إن نصاري فنان عشق الرسم وعمل مدرساً له في معهد قنا الديني!مباراة تاريخيةومن الأصدقاء في تلك المرحلة (مرحلة الدراسة الابتدائية ثم الثانوية) يتذكر الأبنودي عبد الرحيم صالح زميله في مدرسة سيدي عبد الرحيم الابتدائية الذي يصفه بأنه كان طفلا في منتهى التهذيب، جميل الصورة، ابن ناس إلى حد مبالغ فيه، مجدّ لا يعرف إلا المذاكرة وطبيعي أن وصلت به تلك الصفات إلى أن يصبح نائب رئيس محكمة النقض ومدير نيابة النقض.وعن أصدقائه الذين عرفهم في مدرسة قنا الثانوية يقول الأبنودي: «كان فصلا يضم عدداً من الموهوبين الذين جاؤوا من مدارس متفرقة، كأنه جمعية للأدباء. من مدرسة سيدي عمر جاء الشاعر أمل دنقل، ومن الأقصر جاء الكاتب محمد صفاء عامر، ومن المدرسة الإنجيلية -التي كان أبي الشيخ الأبنودي يعمل مدرسا للغة العربية فيها - جاء مصطفى الضمراني، وجاء المخرج أبو الوفا القاضي من فرشوط، ومحمد سلامة آدم من نجع البارود».ويمضي يقول الأبنودي في سرد ذكرياته: «مع هؤلاء «الضامرين»، كان هناك أصدقاء يتميزون بضخامة البنية، منهم: جورج، صافي، عبد الرحيم وشاحي، بدوي عبد السميع. ومن هؤلاء الداهية جمال حلوي وحمام متولي سعيد، فضلاً عن جمال نصاري، تكونت «عصابتنا» في مدرسة قنا الثانوية. أقيمت مباراة كرة قدم تاريخية بين مدرستهم والمعهد الديني في قنا وهي تاريخية لا لسبب إلا لكثرة الضحايا من الجرحى والمصابين الذين سقطوا يومذاك. هذه المباراة لا تنساها قنا حتى الآن. يومذاك استعانت العصابة - عصابتنا - بطبلة ورقّ واحتلت ركنا من أركان الملعب. وما إن بدأ اللعب حتى بدأنا ترداد الهتافات التي كانت سببا في «المذبحة» بعد ذلك! كان المسؤولون عن «ضبط الإيقاع» جمال نصاري وجمال حلوي وحمام متولي سعيد، أما إطلاق الهتافات فكانت مسؤوليتي - بالطبع - وأخذت أصيح وراحوا يردون: شد العمة شد... تحت العمة قرد. أو: «شيل العمة يا أستاذ... تحت العمة صفيحة جاز». وغيرها من هتافات كانت من الأقوال السائرة وكنت أحفظها من باب الاهتمام الباكر بجمع التراث الشعبي منذ الصغر. هكذا قدت الحملة ضد إخواننا في المعهد الديني، رغم وجود اثنين في بيتنا ممن مروا في هذا المعهد، هما أبي وأخي الأكبر الشيخ جلال الذي واصل دراسته حتى تخرج من كلية للغة العربية في الأزهر».يضيف الأبنودي: كان فريق المعهد الديني يلعب بطريقة غاية في السوء ومثيرة للضحك. لم يكن لاعبوه يلبسون «الشورت» بل سراويل طويلة بـ«تكة» أكثر طولاً كانوا يربطونها فتنفك بسبب الجري أثناء اللعب فيقفون لربطها، وهكذا! وبعد «دستة» الأهداف السهلة التي أصابت مرماهم أدركوا أن لا فائدة من الاستمرار في اللعب. عرفوا أن المقاومة في الملعب غير مجدية وقرروا تأديب مدرستنا كلها خاصة فرقة التشجيع الغنائية، وقد كان.يصف الأبنودي ما حدث: «وقف «كابتن» فريق المعهد الديني وسط الملعب صائحا «يالا يا وِلد» وفي دقائق لم يعد هناك فرع في الأشجار العريقة التي كانت تميز فناء مدرستنا إذ قطع طلبة المعهد الديني هذه الفروع ليضربونا بها، كما قاموا بتفكيك «الدكك» (المقاعد) الأثرية لتصبح أخشابها هراوات وانهالوا بما تسلحوا به يضربون الجميع بلا تمييز شرقاً وغرباً، في نوبة انتقام لا حدود لها. وأظنهم كانوا ينتقمون من نظام التعليم الذي لم يسمح لهم بأن يتعلموا كرة القدم على طريقتنا. احتاج عدد المصابين (7 من مدرستنا)، وخطورة الإصابات إلى أكثر من سيارة إسعاف لنقلهم إلى المستشفيات وكان مسؤولو الإيقاع (جمال نصاري وجمال حلوي وحمام متولي سعيد) بين الضحايا، أما أنا استخدمت مهارتي في اجتياز سور مدرستنا العالي واختفيت. وفي صباح اليوم التالي وجدت تلك اللافتة اللعينة التي تعلن منعي من الدخول إلا مع ولي أمري، لافتة تكررت حتى مللتها وحفظها الطلاب. ولك أن تتخيل كيف كان لي أن أصارح الشيخ الأبنودي بما فعلته وأطلب إليه أن يذهب معي إلى المدرسة!».أمل دنقل ممثلاً!ومن أصدقاء الصبا يتذكر الأبنودي أيضا: محمد حسن أو «سكر» الاسم الذي اشتهر به ذاك الفتى الأسمر بين زملائه. يقول عنه إنه كان رساماً موهوباً: «طلبت منه أن يرسم لي صورة لعبد الحليم حافظ يكتب تحتها مطلع الأغنية التي لحنها كمال الطويل «كفايه نورك عليَّ» فأهدانيها وعلقتها في بيتنا ناسيا أن أبي هو الشيخ الأبنودي، وكانت النتيجة أن مثلت الصورة سبباً إضافياً يؤكد له أن حالي لن تصطلح!». يروي الأبنودي: «كان «سكر» يميل إلى رسم البورتريه، يرسم محمد علي باشا أو المملوك الشارد وكان عازفا مجيدا على آلة الفلوت. في ما بعد التحق «سكر» بكلية الفنون الجميلة ليدرس في قسم العمارة وتخرج ليعينوه في مصنع الحديد والصلب فيعجز عن التكيف مع حياته وينتهي به الأمر في مصحة للأمراض النفسية والعصبية كان يخرج منها ليمضي شهورا في المصنع ثم يعود إليها، حتى أخرجه المصنع إلى المعاش المبكر قبل أن يموت وحيداً مهملاً في شقة في إحدى المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة».ويتذكر الأبنودي أداء أمل دنقل في مسرحية «أوديب ملكا» في الحفل السنوي للمدرسة: «في ذلك اليوم أديت مع صديقي جمال نصاري مشهداً من المسرحية الكوميدية «30 يوم في السجن» وضحك المشاهدون وأنا أخرج على النص، ويقف نصاري حائراً لا يدري ماذا يفعل ولا كيف يرد على الكلام الذي أقوله ولم يسمعه من قبل. ضحك المشاهدون ولم أضحك وانتهى دور الكوميديا ليبدأ دور التراجيديا مع عرض «أوديب ملكاً» من إخراج صديقي الراحل أبو الوفا القاضي الذي راح يؤدي بصوته المجلجل: «يا أوديب، شعبك يتساقط من حولك كما تتساقط أوراق الشجرة». ومع دخول أمل دنقل المسرح بدأ الضحك الحقيقي بالنسبة إليّ. كان نحيلا يعتمر «طاسة» تغرق وجهه ويرتدي ملابس عجيبة وراح يكلّم «أوديب» فارداً أصابعه الطويلة صوب وجهه كأنه سيفقأ عينيه مرة أخرى!وكان طبيعيا أن أستلقي على ظهري ضحكاً!». صديق بالمراسلةوعن أول أصدقائه خارج قنا يقول الأبنودي: «كان أول أصدقائي من خارج قنا صديقاً إسكندرياً. قرأت في إحدى المطبوعات كلمات له مذيلة باسمه وعنوانه. أعجبتني كلماته فكتبت له ورد برسائل متلاحقة كانت تصل أحيانا إلى كشكول كامل وكان يبعث رسائله على عنوان عم «رفاعي عمر» تاجر الفاكهة بالجملة في شارع الصهريج في قنا الذي كانت «دكته» الخشبية منتدى ضمنياً مع من كان يجلس عليها للاستماع إلى الراديو الذي اشتراه عم رفاعي، بينما أبى الشيخ الأبنودي أن يدخل بيتنا حتى لا يلهينا!».يتابع الأبنودي ذكرياته: «كان صديق المراسلة شابا من «كرموز» اسمه مصطفى شحاتة مصطفى، حدثني في رسائله عن زجالي الإسكندرية وكثيراً ما أورد قصائد كاملة لهم وأحياناً كان ينسخ دواوينهم، منها دواوين كنت أقرأ قصائدها متفرقة في مجلة «البعكوكة» الفكاهية المشهورة، وأخرى كنت أتعرف إلى شعرائها للمرة الأولى عبر رسائله. كان عاشقا للإسكندرية يحدثني باستفاضة عن تفاصيل مجتمعها وتاريخها وجغرافيتها ويحكي لي عن شقيقه التوأم الذي يشبهه إلى حد كان يورطهما في مواقف مثلما كانا يستغلانه للإفلات من مآزق. وبفضل مصطفى شحاتة تعرفت أكثر إلى صلاح جاهين، إذ استمعت في الراديو إلى الصورة الغنائية «السوق» من تأليف جاهين وكتبت إلى مصطفى مبديا إعجابي بالصورة وكاتبها وفوجئت به يرد عليَّ برسالة تتضمن عددا من مقطوعات جاهين ويحدثني عنه بحب ويقول لي إنه يكتب ويرسم في مجلة «صباح الخير» - صدرت في 1956 - وبأن عليَّ أن أتابعه على صفحاتها أسبوعياً. وذاك ما فعلته».يحيى الطاهرأما أبرز الأصدقاء الذين دخلوا حياة الأبنودي بعد إتمام دراسته الثانوية ودخوله مرحلة الوظيفة وقبل أن يغادر قنا ليستقر في القاهرة فهو القاص الراحل، يحيى الطاهر عبد الله ويقول عنه الأبنودي: «كنت أعقد مع أمل دنقل وعدد من الشعراء ندوة شعرية في «الجامعة الشعبية» في قنا، بدأناها بعد انفصال دولة الوحدة بين مصر وسوريا. في تلك الأيام جاء إلى ندوتنا شاب نحيل أحمر العينين كان متحمساً جداً للأستاذ عباس محمود العقاد متأثراً بخاله الذي كان من الحزب العقادي. ذات يوم طرق أحدهم باب بيتنا فسألت أمي: من؟ فقال: عبد الرحمن موجود؟ قالت: نقول له مين؟ فقال: يحيى الطاهر عبد الله. وفتحت أمي الباب ليدخل لا إلى بيتي بل إلى حياتي كلها».يقول الأبنودي: «حرص يحيى على حضور أمسياتنا وندواتنا الشعرية. كان ذا ذائقة مرهفة، قادرة على استكشاف مناطق الجمال في النص الأدبي والانتباه إلى مآزقه ومشكلاته. كان يملك صفاء الطفولة وعبث الشياطين. ولأنه لم يكن أبدع نصاً واحداً بعد، توقعنا أن يصبح ناقدا أدبياً رفيع المقام».يضيف: «كان يحيى يعمل في وزارة الزراعة في الأقصر وحين طلب نقله إلى قنا بادروا إلى تلبية طلبه. قال إنه سمع بي أنا وأمل يوم كان في الأقصر فقرر أن ينتقل ليكون معنا، أو بالأحرى معي، إذ أقام في بيتنا، بيت الشيخ الأبنودي، أما عمله فلم يذهب إليه إلا أياما قليلة انقطع بعدها. وفي بيتنا تصرف كواحد من أهل الدار، مانحاً نفسه حقوقي كلها ومصرحا بأنه ليس لأحد من أهل البيت أن يعترض ما دام يتصرف في حدود هذه الحقوق. سأله أبي فعرف أنه ابن الشيخ كامل أو الطاهر كما تقول الأوراق الرسمية، وأنه من الأقصر، أما أمي فتعاملت معه كواحد من أبنائها. كان يسهر طول الليل ليدخن ويقرأ ويصحو بعد الظهر وأنا عائد من العمل في «محكمة قنا» ليتغدى معي وأحيانا يصحو قبل موعد رجوعي ويتغدى قبل أن أصل للبيت. كان يكفي أن يقول لأمي فاطمة قنديل إنه جائع حتى تحضر له الطعام فورا. كان يناديها بأمه وكانت أمه فعلا خاصة أنها عرفت أنه يتيم الأب والأم».يكشف الأبنودي: «كان يحيى مزيجاً عجيباً يصر على أن يتعامل مع الحياة كما يراها بعينيه هو، كما يتصورها لا كما هي في الواقع. كان مزيجا فريداً من الرقة والعنف، موهوبا إلى أقصى حد في اكتساب مودة الناس وصداقتهم، رغم سلوكه الغريب ولغته التي كانت واحدة لا تتغير. وكان العوام ينظرون إليه في دهشة، ثم بعد قليل أجده يتعامل معهم كأنهم أصدقاؤه مذ ولد، أو أسرته التي لم يفارقها. كان بعض الباعة وأصحاب الأكشاك من جيراننا في الحي يسألني عنه في نبرة لا تخلو من سخرية واستنكار وبعد يومين أجدهم يعاملونه كصديق حميم وأشعر كأنني أنا الغريب بينهم!».ومن الأصدقاء الذين تعرف بهم في تلك المرحلة يتذكر الأبنودي إثنين راحلين: الشاعر عبد الرحيم منصور والشاعر حجاج الباي: «كان «حجاج» شاعرا يكتب قصيدة الفصحى على أوزان الخليل بن أحمد حتى أفسدته ليتحول إلى شاعر عامية». كما يتذكر شاباً يدعى محمد عبد النبي لحق به وبأمل دنقل حين ذهبا إلى القاهرة، لكنه مات مريضا بالسرطان وتوسط صديقهم «منير عامر» - الكاتب الصحافي الكبير - عند الأستاذ يوسف السباعي ليسهل سفر جثمانه من القاهرة إلى قنا. ويبقى من أصدقاء تلك المرحلة أمل دنقل، أكثرهم أهمية بحكم الأحداث والتاريخ المشترك وبحكم ارتباط بداية - بل بدايات-الأبنودي الشعرية به، وهي حكاية أخرى من «حكايات البدايات»، فإلى الحلقة المقبلة.كان لي أخرفقا في السرا وفي الضراوفي الثورهوفي الحلوه وفى المرهسنين وسنيننقول وما نبطلش جخكان لي أخنتحبس.. ما نقولش آهننضرب.. ما نقولش أخأحلى لحظات التعاسهعلمتنا الزنازينواحنا جاهلين في السياسهبس لينا في الحنينلأمل يكشف ظلومة المظلومينتقدروا تسمونا عشاق للمبادئكان لي أخكنت انا مؤمن بصدقهوهو مؤمن إني صادق المشاغبه.. والمراقبهوالقوايم السودا.. والمنع السياسيإتفاق ع الثانوي.. وعلى اساسيوحدت بيننا رطوبة الزنازينواهلنا الفقرا اللي منهم مبعوتينوالإساءه للأسامي والسلوكإحاطتنا بالشكوكوالزمن ابن اللئيمهداخما عكرش تياب بحر المودات القديمهكل ما الأحوال عصرتنا بقوهكل ما زادت أخوتنا أخوهالقمر لما بييجى الليلهل بيفضل هوَّ هوَّ؟عشنا شُرَفَانسعى وسط العتمهعلى نور الغاياتلما يتقبنا الزمن نصبح ناياتنفخروا بروحنا ونعتز بأصالة جيلناجيل الستيناتالأبنودي ـ الاستعمار العربيلمسة صوتك ياصاحبيدفء.. ورفق.. ووديعهتدي للدنيا زهوهوتحسس بالطبيعهشلال حنان بيدفقفي لحظتنا الوسيعهانظر.. أسخف ما فيناله إشراقات بديعهجوه قلوبنا الكسيحهتحت صدورنا المنيعهوالضحكه ـ لما نضحك ـبتجينا ع الوجيعهفين السؤال وإحنارِسينا ع الإجابهمن غير ما اسأل سؤاليلا قول.. ولا كتابه؟الأبنودي ـ الكتابة ـ الأحزان العاديةمين اللي باقي؟كان حبيبنا واللهوجلابيتنا وواجهة بيتنافي صدر مين بعدكيابو الكلمه اللي عرفتنا؟في صدر مين الليل يبيتنا؟مش كنت ويا إيدينا ع الدنيانحرتها يوم.. ويومين تحرتنا؟الدنيا أهه جبناها وجابتنالحد باب الفجر.. وسابتناالأبنودي ـ ناظم حكمت ـ الأرض والعيال