تجدّد الصراع العربي - الإسرائيلي بقيادة سعودية - مصرية و الحلم العربي أصبح وردياً أكثر

نشر في 08-04-2008 | 00:00
آخر تحديث 08-04-2008 | 00:00

بعد سنوات من بدء الحملة الأميركية على العراق، يبدو المشهد السياسي في المنطقة مختلفاً عما كان لحظة اندلاع الحرب في عام 2003، فاليوم ثمة هجوم إيراني يتخذ مواقع له في الداخل العربي، ومن جهة ثانية، هناك إسرائيل التي تستعد لتوسيع خريطة نفوذها في المنطقة نحو سورية ولبنان.

يوم قررت الولايات المتحدة الاميركية تجريد حملتها على منطقة الشرق الأوسط، ابتهج الملالي في ايران، ذلك ان المستهدف بهذه الحملة ضمناً كان الخصم التاريخي للدولة الإيرانية المتمثل بدولة العراق، التي كان يقودها صدام حسين. لم يكن نظام صدام حسين نظاماً محبوباً لدى شعبه وجيرانه، وكان إلى ذلك يرفع شعارات لا تتفق مع سلوكه السياسي العام، وباسم التطلع الوحدوي هاجم الكويت واحتل اراضيها، وتلك على الارجح كانت آخر مغامراته السياسية، إذ بعد هذه المغامرة تغيرت خريطة المنطقة جوهرياً، وما زالت تخضع لجراحات عديدة، اول ضحاياها كان العراق نفسه.

الحملة الاميركية الاولى في منطقة الخليج العربي حررت الكويت من احتلال فاجر، لكنها اسست من جانب آخر لحملة اخرى اكثر اتساعاً واشد تعقيداً لجهة الاستهدافات، فعام 2003 لم يكن صدام حسين ونظامه يشكلان تهديداً فعلياً للولايات المتحدة الاميركية ولا لجيرانه الأقربين والابعدين. لكن الإدارة الاميركية الجمهورية التي خلفت ادارة بيل كلينتون، كانت تملك مشاريع طموحة في المنطقة، ووجدت نفسها بسبب هذه الطموحات تدخل في مغامرات عسكرية وسياسية واقتصادية، ادت في ما ادت إليه اليوم، إلى هذا الضرب من التشابك السياسي والعسكري وتوليد شبكات مصالح معقدة، لم تكن واردة في الحسبان قبل الهجوم الأخير على صدام حسين.

استهداف ثلاثي

ترافقت الحملة العسكرية الاميركية على نظام صدام حسين، وفي إثر الهجوم الإرهابي الذي نفذه تنظيم القاعدة، وطاول الأراضي الاميركية موقعا اكثر من ثلاثة آلاف قتيل بين الاميركيين، مع حملة اعلامية وسياسية وامنية على ثلاثة خطوط اساسية، فكثرت في تلك الأثناء الهجومات الإعلامية على المملكة العربية السعودية بوصفها الرحم المولد لإرهاب «القاعدة» وما يتفرع عنه، وبوصفها الدولة الاكثر صرامة في تطبيق الشرائع الإسلامية،والتي بحسب تلك الحملة، تتنافى جملة وتفصيلاً مع تعايش الحضارات الذي كان قائماً قياماً هشاً، ودائماً بحسب كتّاب الحملة الاميركية ومفوهيها.

وشنت الإدارات الأميركية السياسية والإعلامية حملة مماثلة على النظام المصري، بوصفه ناقص ديموقراطية، في وقت يبدو ان المجتمع المدني فيه انشط من ان يحبسه قمقم النظام شبه المخابراتي المصري، واخيراً استهدفت الحملة الاميركية خطاً ثالثاً تمثل في منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات، بدعوى انه لا يريد اقامة سلام مع اسرائيل، وبدعوى ان شعبه غير مؤهل لنظام حكم ديموقراطي، فبات التشكيك بشرعية انتخابه رئيساً لا يستند إلى نزاهة الانتخابات التي اشرف عليها فريق دولي، كان على رأسه رئيس اميركي سابق هو جيمي كارتر، بل في اعتبار الفلسطينيين شعب لما يستحق الديموقراطية بعد.

اما المعايير التي حكمت هؤلاء في اطلاق احكامهم الحاسمة هذه، فما زالت غير مفهومة إذا ما شئنا تتبع المنطق العاري. لكن الوقائع التالية للحملة دلت من قريب او بعيد على المعنى العميق الذي جعل الاستهدافات الاميركية في تلك اللحظة السياسية من تاريخ الامبراطورية الاميركية تنحو هذا المنحى.

في خطاب افتتاح الحرب الأميركية على العراق، حدد الرئيس جورج بوش ثلاث دول تنتمي إلى محور الشر: ايران، سورية وكوريا الشمالية، لكن الهجوم تركز خارج هذه الدول، واحياناً على خصومها المباشرين او غير المباشرين.

هوجم العراق وانفرط نظامه الهش اصلاً، وتعرضت المملكة العربية السعودية لحملات نقد قاسية، ولوحق النظام المصري على كل شاردة وواردة، ورفض الأميركيون اي علاقة من اي نوع مع ياسر عرفات، الذي احتجزته اسرائيل في سجن المقاطعة، إلى ان قضى نحبه مسجوناً ومعزولاً.

ولو ان المسألة تتعلق بنضج الديموقراطية، لكان اجدى ان يسأل الاميركيون السؤال نفسه في مصر والعراق: إذ كيف يكون المجتمع العراقي او المصري ناضجاً لتقبل الديموقراطية التي لا يقف بينه وبينها حائل غير عسف صدام حسين، او بيروقراطية حسني مبارك، في حين ان ديموقراطية الفلسطينيين تحتاج إلى اثبات؟

وكيف يكون النظام في المملكة العربية السعودية منجباً للإرهاب ورحماً لكل انواع التطرف، إذا كان السلاح الذي يتبختر بحمله اسامة بن لادن وايمن الظواهري باكستاني المصدر، واميركي الرعاية؟

خلاصة القول: ان الحجج التي اقامها المحافظون الجدد لتبرير حملتهم لم تكن هي بيت القصيد، والأرجح ان القصيد نفسه كان ينشد في مكان آخر، ويعود تاريخ نظمه إلى زمن آخر، زمن هو بالضبط زمن عاصفة الصحراء وما تلاها من حوادث جسام.

مكافأة العرب

حرر الاميركيون الكويت من براثن نظام صدام بدعم عربي واضح، فلم يلبث الرئيس جورج بوش الأب ان قرر مكافأة العرب عموماً على هذا الدعم وانضباطهم تحت العباءة الاميركية، بالدعوة إلى مؤتمر مدريد، يومذاك كان المعترض الوحيد على مؤتمر مدريد هو اسرائيل نفسها، والحق ان اسحق شامير ذهب إلى مدريد على غير رغبة منه، وانعكس ذلك على خطابه الافتتاحي، وهذا ما بات معروفاً للقاصي والداني، لكن الولايات المتحدة اجبرت اسرائيل وحكومة شامير قبل ذلك على ما لم تكن ترضى به من قبل في خضم حرب عاصفة الصحراء، حيث الزمت الإدارة الاميركية اسرائيل بضبط النفس والامتناع عن الرد على صواريخ صدام حسين، فبدلاً من ان تجهز الحكومة الإسرائيلية طائراتها على ما درجت في مناسبات مماثلة، وزعت اقنعة الغاز على مواطنيها ودلتهم على اسرع الطرق للوصول إلى الملاجئ.

كان هذا الحدث ايذاناً قاطعاً واشارة لا تدحض على تبدل الاوضاع في المنطقة تبدلاً جذرياً: لقد بات الوجود الأميركي في المنطقة معلناً وكثيفاً، ولم يعد ثمة ادوار صغيرة يمكن لأي دولة ان تلعبها من دون موافقة اميركا، ولنا اليوم ان نتساءل عن عمق الإجازة الاميركية للدور الإيراني في العراق وحدودها.

المشروع العربي لم يُهزم

مؤتمر مدريد من ناحية ثانية، اي من جهة العرب، كان يعني اميركياً، ان العرب سيأتون إلى هذا المؤتمر وخلفهم هزائمهم. وان ليس ثمة ثقل عربي في موازين القوى، يجعل اسرائيل تتنازل عن مصالحها الحيوية من اجل اقامة سلام دائم. وتضافرت هذه الرؤية، التي حكمت على الفلسطينيين في مدريد بالحضور في عداد الوفد الاردني، مع ضغط اميركي شديد على الدول العربية المحورية من مصر إلى المملكة العربية السعودية، وصولاًَ إلى المغرب العربي.

كان لسان حال الإدارة الاميركية يقول ان الأمة العربية انهزمت في معركتها الأساسية، وان المطلوب اليوم هو العمل بمقتضى هذه النتيجة الفادحة، والفراغ الذي يتركه النفوذ العربي اينما وجد، قد تملؤه ايران او تركيا او اسرائيل بحسب التطورات المقبلة، لكن ما لم تحسب الإدارة الاميركية حسابه في تلك اللحظة، وبدا واضحاً وجلياً بعد الهجوم الثاني على نظام صدام حسين، هو الموارد التي تملكها المملكةالعربية السعودية ومصر، وقدرة كل دولة من الدولتين على فرض مصالحها على العالم اجمع.

لم يكن المشروع العربي ما هزم في الحروب، بل نسخة من نسخه، فيما النسخة الأخرى كانت قيد العمل والتداول، وقيد المواجهة الحاسمة.

وجوه النصر الإسرائيلي

لجلاء هذه النقطة ينبغي علينا ربما ان نعيد تحديد وجوه النصر الإسرائيلي على الامة العربية.

انتصرت اسرائيل عسكرياً، واثبتت بما لا يقبل الشك انها قادرة على هزيمة اكثر من جيش في كل مرة هزيمة قاطعة، اكثر من ذلك، كانت اسرائيل على الدوام تستطيع ان تحارب اعداءها من دون ان تقيم وزناً لتكلفة الحرب المادية، فإسرائيل هي البلد الوحيد في العالم الذي يخوض حروباً ممولة حتى آخر طلقة رصاص، فيما ان هذه الحروب نفسها اثقلت كواهل الدول العربية وجعلت دولة غنية بالموارد مثل العراق ترزح تحت وطأة ديون هائلة، وتعاني اقتصاداً مشلولاً من جراء حربها مع ايران. والحال ليس معيار النصر عسكرياً بحتاً، بمعنى ان نحسب الخسائر البشرية لدى كل طرف ونقرر الرابح من الخاسر بناء على حجم الخسائر. وهذا ما تعلمته ايران جيداً في صراعها مع اسرائيل، فلجأت إلى تمويل حروب صغيرة ضد اسرائيل بالكامل، واليوم كلنا نعرف ان مصدر قوة حزب الله الأساسية او احد مصادر قوته الفعلية، يكمن بالضبط في انه لا يقلق للتسليح والتذخير وتمويل الحركة اللوجستية، بل ان حزب الله جعل من الحرب والاستعداد لها مصدراً للاسترزاق لدى فئة كبيرة من اللبنانيين، لكن الوجه الآخر للنصر الإسرائيلي تمثل في نقطة اخرى بالغة الأهمية وهي التالية: لقد تأسست دولة اسرائيل في عام 1948، بقيادة عصبات وشذاذ آفاق، لكنها بعد خمسين عاماً من الصراع اصبحت دولة لها وزنها في العالم اجمع، اقتصادياً وثقافياً وعسكرياً على حد سواء.

اما في الضفة المقابلة من ضفاف هذه الحرب، فكانت سورية والعراق ومصر ولبنان دولاً راسخة ومزدهرة عند تأسيس دولة اسرائيل، لكننا اليوم نفتش على دولة العراق ولا نجدها، وسورية تعيش منذ عقود اربعة في حال طوارئ تكاد تفرغ البلد من اجتماعه، ولبنان يعيش حرباً اهلية منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً، وحدها مصر بين هذه الدول استطاعت ان تثبت قدميها على سكة الاستقرار وان تبدأ انطلاقتها بحذر. الخلاصة، بدأ الصراع العربي - الإسرائيلي بين دول عربية راسخة ومستقرة ودولة اسرائيلية مهزوزة وغير مستقرة، واختتم اولى جولاته الكبرى على دول عربية منهوبة ومنهوكة القوى ودولة اسرائيلية راسخة.

على هذا بدا الصراع العربي - الإسرائيلي منذ مدريد محكوماً بالرؤية السعودية لهذا الصراع، التي انضمت إليها مصر بعد تجربة مريرة في الحروب العارية، كانت السياسة السعودية تقضي، منذ الملك فيصل بن عبد العزيز على اقل تقدير، بالعمل الحثيث على استقرار الدول العربية وازدهارها، ففي مثل هذا الاستقرار ما يصون مصالح الدول العربية ويمنع الاعتداء عليها، وهذا ما دأبت دول الخليج عموماً على اتباعه. فلم تكتف ِتلك الدول بالثروة الخام المتمثلة بالنفط، بل سعت إلى صناعة مكان مشرق لها تحت شمس هذا العالم. وهذا امر يمتد من الكويت إلى الإمارات العربية المتحدة مروراً بالإمارات والممالك الصغيرة على بحر الخليج، والحال ليس نفط الكويت هو ما دفع جورج بوش الاب إلى الدفاع عنها، بل الكويت الحاضرة والمدينة والتقدم الاجتماعي هو ما جعل الكويت منظورة في هذا العالم ويمكن الدفاع عنها، وهو ما لم يتحصل لصدام حسين الذي كان يقود دولة اغنى موارد واوسع مساحة واوفر نفطاً وثروات من الكويت نفسها.

بعد سنوات على الحملة الاميركية على العراق، يبدو المشهد السياسي في المنطقة مختلفاً عما كانه لحظة اندلاع الحرب في عام 2003. اليوم ثمة هجوم ايراني يتخذ مواقع له في الداخل العربي، وهو ما ادى إلى بعض التحول في السياسة الاميركية حيال العرب عموماً، ومن جهة ثانية هناك اسرائيل التي تستعد لتوسيع خريطة نفوذها في المنطقة نحو سورية ولبنان، وثمة استعصاء عربي يتمثل في سياسة سعودية تعلن مضمراتها للمرة الأولى في تاريخ المملكة، واستعداد مصري للخروج من قمقم العزلة الذي فرضته مصر على نفسها وفرض عليها منذ كامب ديفيد، اما الحديث عن معسكرين عربيين تمظهرا بعد قمة دمشق فلا يجد مستنداً إلا في افواه بعض الديماغوجيين.

back to top