اللوحات العالمية... قُبلة اللصوص المحترفين
سرقة اللوحات الفنية العالمية قضية كبرى تشغل المعنيين، خصوصاً خبراء المتاحف العالميين الذين يحاولون ابتكار وسائل تكنولوجية لرصد اللصوص.
وعادت هذه الظاهرة إلى الواجهة مع إعلان شرطة مدينة زوريخ السويسرية سرقة لوحات أربع للرسامين كلود مونيه وديغا وفان غوغ وسيزان من متحف سويسري وتفوق قيمة المسروقات 180 مليون فرنك سويسري (112 مليون يورو).إنها اكبر عملية سرقة ارتكبت حتى الان في سويسرا وبالتأكيد في اوروبا. أما اللوحات المسروقة فهي: «شقائق النعمان الحمراء قرب فيتوي» لكلود مونيه (1879) و«الكونت لوبيك وبناته» لادغار ديغا (1871) و«غصن شجرة كستناء مزهر» لفنسنت فان غوغ (1890) و«الفتى ذو السترة الحمراء» لبول سيزان (1888). يشير هذا الخبر الى حقيقة مهمة تتعلق بسوق اللوحات المسروقة،تدور روايات مختلفة عن السرقات منها مثلا، السرقة بالطرق البدائية كما حدث بالنسبة الى لوحة الموناليزا التي سرقت في العام 1911 حين استطاع شاب فرنسي يدعى بيروجي، كان يرمم بعض اطارات الصور في متحف اللوفر في فرنسا، أن يسرقها ويخفيها فشكل هذا الأمر حدثاً هزّ العالم. في العام 1913 باع اللوحة إلى فنان إيطالي هو الفريدو جيري الذي ما إن رآها وتأكد أنها موناليزا دافنشي الأصلية حتى أبلغ السلطات الايطالية فقبضت على اللص وأودعت اللوحة في متحف بوفير غاليري. على الرغم من الفرح الذي عمّ الإيطاليين، الا أن الحكومة الفرنسية بدأت مفاوضات دبلوماسية شاقة معهم، كادت تتسبب بقطع العلاقات بين البلدين إلى أن اتُفق على اعادة اللوحة واللص معا. برّر اللص السرقة بأنه عثر في الموناليزا على فتاته التي كان شغوفا بها وماتت بعد فترة قصيرة من علاقته معها. تعتبر الموناليزا، أشهر لوحة واصبحت الرمز «الكيتشي» بالنسبة إلى الفنانين العالميين او هواة «البوب ارت». ما فتئت الأيام تبوح لنا بمزيد من الأسرار حول هذه اللوحة العجيبة. لعل دان براون في روايته «شيفرة دافنشي» يزودنا بوميض من هذا التأثير. لوحة «الموناليزا»، المسماة «الجوكوندا»، هي صورة لامرأة تدعى ليزا ديل جوكوندا. في عام 1500 طلب صديق ليوناردو، التاجر الإيطالي فرانشيسكو جوكوندا، منه ان يرسم لوحة لزوجته ليزا التي تزوجها بعد أن سبق وتزوج مرتين ولم تكن تحبه إنما تزوجته بعد وفاة حبيبها. رسم ليوناردو اللوحة على مدى سنوات حتى فرغ منها عام 1503 وكان يُجلس ليزا امامه على الكرسي مستعينا ببعض المهرجين لمساعدتها على المحافظة على تلك الابتسامة طيلة فترة الرسم. إلا أنه سرعان ما خاب أمله لأن فرانشيسكو الزوج لم يقبل اللوحة ولم تحز على اعجابه وأبى أن يستلمها.ثمة طرق كثيرة لسرقة اللوحات لا تخلو من روح المغامرة فقد حدثت سرقة فنية كبرى في السويد عام 2000 اذ تمكن ثلاثة لصوص من الاستيلاء بقوة السلاح على لوحة نادرة للفنان الهولندي رمبرانت ولوحتين ثمينتين لفنانين آخرين، كذلك سرقت خمس لوحات من دار روسبورو، كاونتي ويكلو، وهي دار فخمة يملكها المليونير الجنوب - أفريقي ألفرد بيت الذي يعمل في تجارة الألماس من بينها «حقل الذرة» لجاكوب فان رويسدائل و«صورة راهب دومينيكاني» للفنان روبنز (سرقتا في وقت سابق في عام 1986 وأعيدتا بعد سبع سنوات). اللوحات الثلاث الأخرى المسروقة هي «الزهرة تتضرع للمشتري» لروبنز، «البحر الهادئ» لفيل فان درفلده و «تقديس الراعي» لأدريان فان اوستاده.بيكاسوتعتبر أعمال بيكاسو الاغلى ثمناً والاكثر عرضة للسرقة. ولوحظ حدوث عمليات سرقة بناء على طلب الزبائن. ففي 26/01/2008 اعترف أحد المشتبهين بسرقته لوحة لبيكاسو تقدر قيمتها بنحو 50 مليون دولار، من أحد متاحف ساوباولو، بأنه سرق اللوحة بغرض تسليمها إلى مواطن سعودي مهتم باقتناء الأعمال الفنية الثمينة. غير أن شرطة ساوباولو رفضت تسمية المواطن السعودي، مؤكدة أقوال المشتبه به موسيز مانويل دي ليما سوبرينو، وهو مقدم برنامج للطهي في احدى القنوات البرازيلية. في 28 ابريل 2003 سرقت لوحات لفان غوغ وبيكاسو وغوغان تقدر قيمتها بمليون جنيه استرليني من قاعة للفنون في مانشستر جنوب غرب انكلترا. في 3 مارس 2007 أعلنت الشرطة الفرنسية عن سرقة لوحتين من أعمال بيكاسو، الاولى «مايا والدمية» والثانية لزوجته الثانية جاكلين روج وأوضحت انها لم تعثر على ما يدل على دخول اللصوص إلى منزل حفيدة بيكاسو «ديانا ويدمير» عن طريق الكسر او الخلع. يقع المنزل الذي سُرقت منه اللوحتان في الدائرة السابعة الراقية من باريس. كانت مايا (والدة ديانا ويدمير) الابنة الثانية لبيكاسو.ولدت عام 1935 من زوجته ماري تيريز والتر وكان انتهى من رسم «مايا والدمية» عام 1938. في عام 1989 سرق اللصوص اكثر من 12 لوحة من منزل حفيدة بيكاسو الاخرى مارينا وقد استعيدت جميعها لاحقا. إلا أن اكبر عملية سرقة تعرضت لها أعمال بيكاسو كانت في عام 1976 إذ تمت سرقة 118 عملا من متحف مدينة افينون الفرنسية. في 12 فبراير 2008 أقدم اللصوص على سرقة لوحتين لبيكاسو من معرض سويسري. وقعت السرقة بعد إغلاق المعرض في مدينة صغيرة في افنفيكون بالقرب من زوريخ. اللوحتان الزيتيتان هما «رأس الحصان» و«كأس وأبريق» استعارهما المعرض من متحف سبرنغل في ألمانيا، ذكرت الشرطة أن اللصوص كمنوا في المعرض بعد إغلاقه. وتقدر قيمة لوحة «رأس الحصان» بـ 5،4 ملايين فرنك سويسري، في حين تقدر قيمة لوحة «الكأس والابريق» بـ3،2 مليون فرنك سويسري. «صرخة» مونخفي أغسطس 2004 سرق لصوص مسلحون ملثمون «الصرخة» لإدوارد مونخ من متحف مونخ في النرويج وذلك بنزعها عن الحائط مع لوحة أخرى تدعى «العذراء»، على مرأى من زوار المعرض المذهولين. هدّد أحد اللصوص موظفي المتحف بسلاح ناري وتمكن رفاقه من الفرار باللوحتين اللتين لم تكونا مؤمنتين ضد السرقة إنما ضد الحريق والاضرار الناتجة عن المياه فحسب. وسرعان ما تمكنت الشرطة النرويجية من استعادتهما.رسم مونخ (1863-1944) «الصرخة» في 1893 وتعتبر هذه اللوحة التعبيرية تجسيدا حديثا للقلق، تصل قيمتها بحسب وسائل الاعلام النرويجية الى ثمانين مليون دولار وتمثل رجلا يعكس وجهه مشاعر الرعب يقف على جسر وهو يمسك رأسه بيديه ويطلق صرخة، على خلفية من الاشكال المتماوجة وتدرجات اللون الاحمر الصارخة تعبّر عن قلق الفنان الذي يطارده هاجس الموت بعدما فقد والدته وشقيقته الكبرى في سن مبكرة. رسم الفنان اربع نسخ من لوحته الزيتية التي يبلغ طولها 91 سنتم وعرضها 73 سنتم. يملك متحف مونخ نسختين منها، واحدة معروضة (التي سرقت) واخرى اقل اتقانا مودعة في المتحف الخاص به، كذلك يملك احد جامعي الاعمال الفنية نسخة ثالثة. اما النسخة الرابعة وهي الاشهر، فهي معروضة في متحف اوسلو الوطني وسرقت بدورها في 12 فبراير 1994 في خضم حفل افتتاح دورة الالعاب الاولمبية الشتائية في ليليهامر جنوب شرق النرويج وعثر عليها بعد ثلاثة اشهر. في اغسطس 1997، حكم على لاعب كرة القدم النرويجي السابق بال انغر بالسجن ست سنوات بتهمة ارتكاب السرقة. اما لوحة «عذراء» (90 سنتم بـ5،68 سنتم) رسمها العام 1894 وتظهر فيها امرأة شاحبة وعارية بشعرها الاصهب، تجسد الحب والدم وانجزت بأربع نسخ أيضاً.غوياعام 2006 اعلن متحف غوغنهايم ان لوحة للرسام الاسباني فرانشيسكو غويا سرقت في الولايات المتحدة في أثناء نقلها من مدينة توليد في ولاية اوهايو. كان يفترض أن تعرض اللوحة التي رسمت في العام 1778 مع 140 عملا لاهم الرسامين الاسبان في معرض «الرسم الاسباني من غريكو الى بيكاسو». تمثل اللوحة طفلا يلعب تحت شجرة وتعود الى المجموعة التي يملكها متحف توليدو. أعلن متحفا غوغنهايم وتوليدو في بيان مشترك عن مكافأة قيمتها 50 الف دولار أميركي لمن يعثر على اللوحة التي سرقت في منطقة سكرانتون في بنسلفانيا وكانت بحوزة أحد المتخصصين بنقل القطع الفنية. كذلك أوضح المتحفان أن «اللوحة التي تبلغ قيمة التأمين عليها مليون دولار لا يمكن أن تباع ولا قيمة لها بالتالي في السوق». ويلاحظ في السرقات كلها أن الثمن هو الدافع الأساسي وراء السرقة. فحين سرقت احدى لوحات الرسام الفرنسي بول سيزان من متحف آشمولين التابع إلى جامعة اوكسفورد قالت الشرطة البريطانية إن السرقة خطط لها بدقة وعناية، وإن اللوحة المسروقة هي الوحيدة بحوزة المتحف للرسام سيزان وهي مهمة لأنها تمثل الأعمال الفنية في القرن التاسع عشر. تصور هذه اللوحة، التي اشتراها متحف آشمولين عام1980، مجموعة من البيوت الصغيرة البيضاء في واد مليء بالأشجار. سيكولوجية اللصوصلا يمكن تقديم كل أنواع السرقات العالمية في مقالة قصيرة لأنها كثيرة وتعتمد في غالبيتها على نوع من الدراية بأهمية اللوحة التي يراد سرقتها وبتقدير ثمنها وبالسوق السوداء التي يمكن بيعها فيها. حديثا، أصدر الناقد الفني في صحيفة «بوسطن كلوب» كتاباً يكشف عن الجانب المعقد والسيكولوجي للصوص اللوحات الفنية الثمينة ويذكّر الناقد ادوارد دونلينك القارئ في كتابه «إنقاذ الفنان:القصة الحقيقية للصوص الفن» بحادثة سرقة لوحة «الصرخة» من غاليري أوسلو الوطني عام 1994 . تبين أن سارق لوحة ادوارد مونخ، لم يكن من الوسطاء في تجارة الفن، بل هو لاعب كرة قدم سابق وعضو في عصابة لسرقة الأشياء الثمينة من بينها لوحات الفنانين الكبار حيث كان يأمل في أن يجد من يشتري اللوحة ليحقق أكبر قدر من الأرباح. يدرك لصوص اللوحات جيدا أنهم لا يستطيعون بيعها في أسواق الفن. يبدو أن الدافع لدى بعضهم هو فني محض ينطلق من معرفة وذائقة فنية متميزة، في حين يعمل البعض الآخر لحساب جامع لوحات يكون مجهول الهوية.