منصف المزغني رئيس بيت الشعر في تونس: الشعراء يكتبون كأنهم موظفون لدى التاريخ!

نشر في 11-06-2007 | 00:00
آخر تحديث 11-06-2007 | 00:00
شاعر من طراز خاص. القصيدة حلمه الذي لا يهدأ. بدأ في نشر أعماله بطريقة صوتية منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، إنه الشاعر التونسي المعروف منصف المزغني رئيس بيت الشعر في تونس الذي التقيناه أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة.

كيف ترى البعد الصوتي للقصيدة الشعرية، خاصة أنك ظللت معتمداً على نشر أعمالك صوتياً طوال عشر سنوات قبل أن تصدر ديوانك الأول عام 1981؟

كنت أتنقل بين الفضاءات الثقافية وأقرأ شعري، وكان البعض يسجله على أشرطة الكاسيت ليعبر الحدود التي أنا فيها. النص في رأيي هو الموجود على الورق، وهو كذلك المسموع. نكتب بواسطة الحروف ولو لوّنت هذه الحروف بنبرات صوتية خاصة فإنها توسع في المدى الذي يمكن أن يبلغه النص. ومن الأفضل أن يكون القصيد مقروءاً ومسموعاً ومرئياً، فالبعد الصوتي أو المرئي طالع من أرض النص، فلا يمكن أن نقرأ من دون العودة إلى القانون الدرامي الذي يمليه النص، ولأنني أكتب القصيدة عدة مرات، فإن ذلك يجعلني في حالة إنتاج دائم لهذا النص ولمعانيه التي أكتشفها أنا أيضاً عندما أقرأ قصيدتي على الملأ.

بعد انتشار ظاهرة الديوان الإلكتروني على أقراص ممغنطة، هل ترى أن بريق الديوان التقليدي المطبوع خفت؟

الواقع يقول إنه لا يمكن فنّاً أن يقضي على آخر، فتلك جميعها فنون متراكمة وكل منها يحتاج الى ما يريده، أما الشعر فلا يحتاج كله إلى كاسيت أو C.D وأعتقد أن تجربة الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي تحتاج إلى C.D لأنه صاحب حضور شعري داخل الحضور الصوتي بلهجة صعيدية ونبرة قريبة لا إلى أهل صعيد مصر فحسب بل إلى كل البلاد العربية الأخرى. نجح الأبنودي في أن يكون شاعراً شعبياً من الدرجة الأولى، وهو يقوم بعمل جدي عندما يصدر شعره على C.D.

هل ينطبق ذلك على أي شاعر؟

· بالطبع لا، حيث لا بد من أن يكون قرار إصدار الشعر في طريقة سمعية ومرئية مطلباً ملحاً من جمهور الشعر نفسه، كي لا نطرح قضية الشعر في كاسيت كأنها قضية راهنة تهم كل الشعر وكل الشعراء، فهناك شعراء يشكلون قصيدتهم بصرياً ويتحاورون في الأصل مع الورقة والكتاب فقط، كما أن ثمة شعراً لا يحتاج إلى غير الكتاب، لذا لا أرى أنه طريق ينبغي لكل الشعراء سلوكه. ينبغي ان يكون التسجيل على كاسيت أو C.D حاجة إضافية أو يغدو ترفاً لا داعي له ولا طائل منه.

ماذا قدم بيت الشعر في تونس منذ تأسيسه عام 1993 إلى المبدعين العرب؟

بيت الشعر مؤسسة ثقافية تتبع وزارة الثقافة التونسية. أعلن الرئيس زين العابدين تأسيسها عام 1992 وافتتحت عام 1993 وتوليت منذ ذلك الحين إدارتها وأصدرنا مجموعة من الندوات التي عقدت في بيت الشعر في كتب وأقمنا مئات الأمسيات الشعرية، لكل الشعراء على اختلاف اتجاهاتهم، كذلك نحن في بيت الشعر، لا نفوت فرصة مرور شاعر عربي يأتي إلى المهرجانات الثقافية التونسية التي يتجاوز عددها 300 مهرجان إلا ونسعى الى استضافته في بيت الشعر.

قلت مرة “ ليس علي أن أكتب إذا لم يكن لدي ما أكتبه”. هل هذا سر ابتعادك عن الالتزام بالكتابة الصحافية؟

القصيدة أحد العناوين التي نجد فيها الشعر ويمكن المرء أن يجرب أشكالاً أخرى غير القصيدة كالأغنية والمسرحية والمقال النثري الذي ينطوي على شحنات شعرية كثيرة، لا أكتب إلا إذا كان لدي ما أكتبه ومن هذا المنطلق أنجو من الالتزامات التي يعانيها إخواننا في الصحافة حيث هم مضطرون الى الكتابة من دون شهية أحياناً. وإذا كان لابد لقصيدة من أن تولد فهي تولد وتوظف شاعرها لكي يكتبها لأنها واجبة الوجود والشاعر في هذه الحالة يؤدي الواجب كأنه موظف لدى الطبيعة ليقول قصيدته هذه. الأساس في الكتابة أن تكتب شيئاً لم يكتبه سواك.

أنت تؤمن إذن بأن الشاعر قد تصنعه قصيدة واحدة؟

هذا صحيح، وأتصور أن الكثير من الشعراء أثبتوا وجودهم لا من خلال مئات القصائد والدواوين بل من خلال إنجازهم وإبداعهم لقصيدة جيدة واحدة، ولو توغلنا في التراث لوجدنا شعراء أثبتوا أنفسهم في سجل الشعراء بفضل قصيدة واحدة وبعضهم بفضل بيت شعري واحد، والبعض الآخر بفضل نصف بيت من الشعر.

هل هذا يحيلنا في شكل ما على قضية الفحولة الشعرية إذا جاز التعبير؟

الفحولة لا نتبينها من خلال إنجاب القصائد الشعرية، بل من خلال نجابة هذه القصائد، فالكاتب قد تكون له فكرة واحدة يقولها ويكرّرها وينوع عليها طويلاً حتى نتبينها في مجمل إنتاجه مثلما يمكن لنا أن نعرف طبيعة النهر من خلال تحليل قطرات قليلة منه فقط.

بهذا المعنى أنت مع «تحديد النسل» الشعري؟!

بلى أنا مع «تحديد النسل» الشعري، كذلك مع التخفيف من السرعة أثناء النشر.

أيهما يكتب الآخر في رأيك: الشاعر أم القصيدة؟

هما في الحقيقة «يتكاتبان». إذا أراد الشاعر أن يكتب القصيدة رغماً عنها فإنها تُكتب إنما لا تكتب لها الحياة لأنها وجدت قسراً ولم تولد يسراً!.

إلى أي حد خفّت لغة الخطاب الزاعقة في الشعر التونسي؟

ما زال كل شيء موجوداً في الخطاب الشعري وإن كانت اللغة المزمجرة الراعدة تراجعت وخفّت بعض الشيء. فنون كثيرة أخرى سحبت البساط من تحت أقدام الشعر فلم يعد الشاعر هو الذي يعود إليه الناس.

هل ترى بذلك أن فن الرواية هو صاحب السيادة على المشهد الأدبي الراهن؟

أتصور أن الرواية الجميلة هي التي يمكن أن تستقطب جمهوراً أكبر من جمهور الشعر، كما أن القصيدة المميزة يمكنها استقطاب جمهور أكبر من جمهور الرواية، فالمسألة لا تطرح بهذه الصورة القاصرة في الفهم. ليست القضية زمن الرواية أم زمن الشعر، فالرواية ليست عزرائيل الشعر بل هي اجتهاد آخر يضاف إلى الشعر وإلى باقي مجالات الحياة الأخرى.

إذن أنت ضد هيمنة فن أدبي على آخر؟

ثمة أشياء تهيمن لكن إلى حين. وثمة أشياء تولد لتهيمن بعد حين، فالأغنية تباع بمئات الألوف لكنها تحيا لشهرين أو ثلاثة ثم تموت الى الأبد، بينما تولد قصيدة مهمة وتظل تنمو في وعي الناس على مدى الأجيال والعصور والقرون، فالهيمنة ليست تلك الظرفية المصحوبة بالضجيج الذي يرافق الأغاني مثلاً.

مَنْ مِن المطربين غنّى من كلماتك

أمنية فاخر، صوفية صادق، عالية بالعيد، محمد الجبالي، وسبق أن فازت الأغنية التي غناها الجبالي بجائزة الميكروفون الذهبي عام 1999 في مهرجان الأغنية في بيروت.

يدفعني هذا الى التساؤل عن رصيدك من الشعر الغنائي؟

رصيدي قليل. هذه تجربة أخرى في كتابة القصيدة. قد تتدخل رقابة الجمهور أيضاً، مما يجعلها تستوجب نوعاً من التواطؤ بين الشعر من جهة وجمهوره من جهة أخرى، ومساحة الحرية في الأغنية قليلة لأن كل كلمة تضاء ويعاد تكرارها بكثرة، وبعض الشعراء يخشون تسلل الجمهور إلى كلماتهم وهم أحياء فيكتبون كأنهم موظفون لدى التاريخ ليصوّروا لحظة ما يمرون عليها في شكل خاطف. أما في الأغنية فالشاعر مضطر الى كتابة كلام واضح مفهوم يراقبه كل الجمهور الذي يريد أن تكون الأغنية على مقاس الجميع.

لم يصدر ديوانه الأول “عناقيد الفرح الخاوي” إلا عام 1981، تلته قصيدته الطويلة “عياش” التي أعيدت طباعتها في عمان. كما نشر “رؤية شعرية” وهي مزج بين الرؤية والرواية التي تحكي مسيرة الفنان الفلسطيني ناجي العلي وقصة عذابه مع الصحافة والرقابة تحت عنوان “حنظلة العلي” عام 1989. وله قصيدة طويلة عنوانها “قوس الرياح” ذات نفس روائي وموضوعها الرئيسي “الطاغية”، اشتغل عليها طوال 8 سنوات. وأصدر في بيروت مجموعة “حبات” عام 1992، وتعددت كتاباته لمسرح الطفل مثل “حصان الريح” و”الصرصور” و”النحلة والنملة”.

back to top