البيانات الجينية أصول وطنية استراتيجية

نشر في 07-04-2025
آخر تحديث 06-04-2025 | 17:51
 د. حمد محمد علي ياسين

قبل عامين، بدافع الفضول، قام أحد الأصدقاء بعمل الاختبار الجيني الذي توفره شركة 23 and me، الشركة الأكبر في تحليل الحمض النووي تجارياً. لم يكن الأمر بالنسبة له أكثر من تجربة ترفيهية، حيث حصل على تقارير عن الأصول العرقية والسمات الجينية والسلوكية وقابلية الإصابة ببعض الأمراض. ولكن خلال الفترة السابقة انتشرت أخبار إقدام الشركة على إعلان إفلاسها بسبب المصاعب المادية، وعليه تناولت الأوساط العلمية والقانونية مصير البيانات الجينية التي جمعتها الشركة من أكثر من 15 مليون شخص، والتي تشكل أغلى أصول الشركة القابلة للبيع. نحن هنا لا نتحدث عن مخزون بضائع أو أجهزة، بل عن شيء يفوق ذلك قيمة: معلومات حمض نووي فريدة وخاصة بملايين الأشخاص. تخيّل الشركات الدوائية تتهافت لشراء هذه القواعد البيانية لتغذي أبحاثها، أو شركات تسويق صحي تدفع الغالي والنفيس للوصول إلى أدق تفاصيل عملائها المحتملين. الأسوأ أن أصحاب البيانات الأصليين لا صوت لهم في هذه العملية. فمعظمهم عندما وافق على مشاركة بياناته مع الشركة لم يخطر بباله أن تنتهي هذه المعلومات يوماً في يد طرف ثالث غريب.

مع انتشار خدمات تحليل الحمض النووي التجارية، ربما نسينا وسط الإثارة حقيقة أساسية وهي أن البيانات الجينية هي من أكثر أنواع البيانات الشخصية حساسية. إنها الشيفرة الفريدة التي تحمل بصمتنا الوراثية؛ معلومات لا تتغير طوال حياتنا ويمكن أن تكشف الكثير عنا مثل قابليتنا الوراثية للإصابة بالأمراض، بل وحتى ملامح شخصيتنا وصفاتنا. هذه ليست مجرد أرقام أو حروف عابرة – إنها الخريطة البيولوجية لإنسانٍ بكل خصوصياته. على عكس رقم بطاقة ائتمان أو كلمة مرور يمكن تغييرها عند الاختراق، لا يمكننا تغيير حمضنا النووي أو استبداله إذا ما تم تسريبه. والأسوأ أن تلك المعلومات ليست لنا وحدنا؛ فهي تتقاطع مع خصوصية أفراد عائلتنا أيضاً، لأننا نتشارك معهم بأجزاء كبيرة من المادة الوراثية.

سياسات الخصوصية المعلنة من قبل 23 and me قد توحي بالطمأنينة لكنها تحمل في طياتها ثغرات كثيرة. فالشركة تؤكد أنها لن تشارك معلوماتك الجينية الفردية مع شركات التأمين أو أصحاب العمل دون أمر قضائي. لكنها في المقابل تحتفظ بحق مشاركة بياناتك مع مزودي خدمات متعاونين معها في مجالات التحليل المخبري والتسويق وتحليل البيانات. أي أن هنالك بالفعل أطرافاً ثالثة تطّلع بشكل مشروع على معلوماتك. كما أنه عندما تقدم عيّنتك للشركة فأنت تُعامَل قانونياً كـ»مستهلك» وليس «مريضاً»، وبالتالي لا تتمتع بحماية السجلات الطبية السرية. بل تعتمد حمايتك فقط على بنود اتفاقية الاستخدام التي توافق عليها عند التسجيل وهي بنود قابلة للتغيير والتأويل في أي وقت. والأسوأ من ذلك، أن نص سياسة الخصوصية نفسه يُقر بأن الشركة تحتفظ بالحق في نقل بيانات العملاء كأصل من أصولها في حال بيع الشركة أو إفلاسها، ولا يملك العملاء أي وسيلة لمنع ذلك. هذا البند تحديداً بدا لي عادياً عندما اشتركتُ في الخدمة لأول مرة؛ فمن منّا يتوقع أن الشركة التي يثق بها قد تنهار يومًا؟ لكن اتضح الآن أن هذا السيناريو وارد جدًا، وأن تلك العبارة القانونية الصغيرة تعني الكثير: تعني أن بيانات الشخص يمكن أن تنتقل إلى المالك الجديد دون موافقة مسبقة.

لقد أكد خبراء القانون التقني أن الوضع الحالي يُبرز حاجة ماسّة لإعادة النظر في تشريعات حماية البيانات الشخصية والجينية. فالقوانين الفدرالية الأميركية مثلاً غير مهيأة تماماً لهذا الواقع. صحيح أن إجراءات الإفلاس تخضع لإشراف محكمة فدرالية ويمكن للجهات التنظيمية التدخل لمنع أسوأ الانتهاكات، لكنها ليست ضمانة كافية. شهدنا في حالات سابقة بيع بيانات عملاء عند إفلاس شركات كانت تتعهد في سياساتها بعدم مشاركتها. المشكلة أن تلك التعهدات تسقط عندما تُعرض أصول الشركة للبيع، ما لم تكن هناك قوانين خاصة تمنع ذلك. بعض الولايات الأميركية سنت قوانين جينية تعطي المستهلك حق طلب حذف بياناته وتفرض على الشرطة الحصول على أمر قضائي قبل الوصول إليها، ولكن هذه حلول جزئية. دون إطار قانوني صارم وشامل، ستبقى الجينات البشرية مُجرّد بضاعة محتملة في السوق.

البيانات الجينية لمواطني أي دولة ليست مجرد معلومات شخصية فحسب، بل هي جزءٌ من أمنها الوطني. إن السماح للشركات والأطراف الخارجية بالحصول على هذه المعلومات الحساسة أو التصرف بها دون ضوابط قانونية صارمة، قد يُعرّض خصوصية الأفراد وأمن المجتمع للمخاطر. من هنا، ينبغي التعامل مع البيانات الجينية كأصولٍ وطنية استراتيجية، وتفعيل تشريعات حازمة حماية لها.

*أستاذ علوم طب الجينوم

back to top