في ذكرى الرمز الوطني عبدالله النيباري
في الذكرى الثالثة لرحيل الرمز الوطني عبدالله النيباري، نتذكر - بكل فخر وإجلال - مسيرته الحافلة بالإنجازات والعطاء، لقد استهل النيباري رحلته المهنية في إدارة البحوث والرقابة في البنك المركزي الكويتي بين عامي 1964 - 1966م، ومنه انتقل إلى شركة البترول الوطنية، حيث تبوأ منصب مدير إدارة التخطيط والاستكشاف عام 1971م، لكن ما يميز الراحل حقاً هو مسيرته البرلمانية الممتدة لأكثر من 30 عاماً، حينها كان صوتاً للشعب ومصداقاً للحق.
لقد عُرِف النيباري بدماثة الخلق وسماحة اللقاء ورحابة الصدر أثناء الحوار والنقاش، وتقبّل الآراء مهما اختلف معها وحرصه على التواصل الاجتماعي مع شرائح المجتمع المتنوعة، كما تبدّت سجاياه الرفيعة بتنازله عن عقاب من أجرم بحقه - محاولة اغتياله عام 1997م - حيث عفا عن الجناة، رغم فداحة الحدث وشناعة الجريمة.
دعا النيباري إلى البدء في تثقيف المجتمع انطلاقا للتغيير الاجتماعي قبل التغيير السياسي، وبكونه الأمين العام للمنبر الديموقراطي انخرط بفاعلية في التجمعات الشبابية مشاركاً معهم بالنقاش الجاد آراءهم وتبنّي اقتراحاتهم مع بثّ المزيد من الجرعات الثقافية التنويرية في أذهان الشباب من الجنسين، مؤكداً أن الأحزاب السياسية والنقابات العمالية جزء رئيسي من المعالم الديموقراطية مع ملاحظة التباينات بين الحكم بأنواعه، سواء المدني أو الديني أو العسكري ومع التصدي للدكتاتوريات بكل أطيافها.
اعتبر النيباري محللاً اقتصادياً وخبيراً نفطياً بامتياز، مشاركاً حال وجوده في مجلس الأمة الكويتي بالتصدي لمؤامرات الشركات النفطية الأجنبية بالاستيلاء على ثروتنا النفطية، فتعاون مع زملائه النواب بمراجعة ملف «تنفيق العوائد» النفطية، مع إفشاله لاتفاقية المشاركة النفطية الجديدة - آنذاك - التي كانت تريدها تلك الشركات، لدرجة أن مجلة الإكونوميست البريطانية اعتبرته حدثا عالميا...، إضافة إلى مقابلته الحوارية الشهيرة في تلفزيون الكويت، وهو النائب الشاب الذي واجه بكل ثقة وجرأة مفنّداً حجج وزير النفط السعودي، عبدالله الطريقي، ومؤكداً أن الشعب هو الأحق والأجدر بملكية ثروته النفطية.
حرص الراحل النيباري - من خلال مداخلاته البرلمانية أو من خلال جريدة الطليعة في مقاله الأسبوعي - على تسليط الضوء على مكامن الفساد والعبث بالمال العام، فاضحاً من خلال استجواباته المستحقة قضايا فساد كبرى، مثل قضية «سرقة القرن»، كما أسماها،
وهي سرقة الناقلات الكويتية والاستثمارات بالخارج أثناء الغزو الغاشم، والتي استمرت التحقيقات فيها لسنوات طِوال، وخصصت لها - لأول مرة - محكمة باسم «محكمة الوزراء».
كما كشف اللثام عن قضية «لآلئ الخيران» وقضية «مشروع الوسيلة»، وغيرها من جرائم تمسّ المال العام والحريات.
لم يألُ النيباري جهداً في الدعوة إلى الوحدة الوطنية والتآلف الاجتماعي بما يعزز من تماسك الجبهة الداخلية كأساس راسخ للاستقرار والأمان المجتمعي، حاثّاً على أن تصبح الكويت دائرة انتخابية واحدة، مع إفساح المجال لقوى المجتمع بتكوين الأحزاب والنقابات وجمعيات النفع العام لضمان مشاركة شعبية أوسع في الحكم.
وفي ذات الوقت، كان النيباري متابعاً للتطورات السياسية وراصداً للحركات الشعبية المطالبة بحقها في المزيد من الحرية والعدالة والمساواة، فالقومية العربية بما تحمله من هموم وتطلعات كان لها وفر من فكر ومشاعر الراحل، وصلة تربطه بالسياسيين والمثقفين اليساريين العرب حيثما كانوا.
إن ذكرى الراحل الكبير عبدالله النيباري ستبقى حاضرة في قلوبنا، فهو الرمز المخلص بوطنيته وعروبته، عاشت الكويت وشعبها بقلبه وروحه، وتاركاً إرثاً وطنياً خالداً سنتذكره إلى الأبد.
* الأمين العام للمنبر الديموقراطي الكويتي