طوفان النموذج المادي
لقد تاهت الحضارات بأسرها، الشرقية منها والغربية، في متاهة من النماذج المادية، يدفعها جوع لا يشبع، ويسيِّرها طمع لا ينفد، فهي تسير بخُطى حثيثة إلى حيث تتقطع أمراس الفضائل، وتمتلئ كؤوس الرذائل.
الأجسام الفتية - ما كانت تختبئ في ربوع الطمأنينة والطبيعة - انبثقت آلات لا يقر لها قرار، تسوقها الإنتاجية والحركية إلى حيث أصبحت عبيدها. وقد استعاضت الحياة الإنسانية عن سكينتها بضوضائها، تجاهلاً لمغزاها من وراء الوجود، وسعياً لغاية لا طائل من ورائها، ولا معنى يُعقل في ظاهرها.
يهيم الإنسان على وجهه في عالم أصبحت الغايات الإلهية مهجورة في زاوية الإهمال والإنكار، مدفوعين بالأنانية التي حلَّت محل المبادئ الدينية وما يجود في حياتهم بمعنى أكثر استقامة من الخواطر الروحية، من حيث اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ثمة ميزان تُقاس به المحاسن والمعايب، ومعيار يُحذى حذوه.
ما كادت الرؤى الدهرية تستحوذ على ألباب الحضارة، حتى أخذت النزعة الروحانية تتهاوى عناصرها، وهي التي لطالما استظل بها الإنسان كي تستنير عقول العصر، وتخلد للراحة أرواح الدهر، غير أنها صارت في عصرنا هذا ضرباً من أساطير الأولين. فبات الناس يتخبَّطون في ورطة من العدم، ما لم يتخذوا من صمم خرائط الكون في خدر الزمن، بديع السماوات والأرض، غاية مطلقة من وراء وجودهم.
بدأ الناس يرون السعادة مجسَّدة في تشييد الصروح، وتكاثر الأملاك، وتوفير الخدم والحشم، واقتناء النفائس من المآكل والمشارب. وبقالب آخر يرونها رهينة الألقاب والرتب والوظائف والأوسمة، وما يتعلَّق بغيرها من المادة وبهرج الحياة، حتى نلفيهم يتدافعون لهاثَى لتحصيلها، يقطعون الطرق، فيحل السلب والنهب، وبذلك تغيبت القيم الأخلاقية والروحية، وضربت خيام الأزمة الوجودية على رؤوسهم، وتغلغلت في نفوسهم، فلا يغنيهم السعي وراء المكاسب المادية عن السعادة الروحية، فبدت الحياة وكأنها حلقة لا مغزى من ورائها، ودورة لا معنى في طيّها.
وفيما يمعن أرباب المادية أبصارهم في دفاتر الآجال، بلوغاً إلى معنى يكمن بوجودهم وفنائهم تنقلب خاسئة أبصارهم، خاوية أفكارهم، متلاشية أمانيهم. فهم ليس عندهم ما يبرر غايتهم ويعلل غرضهم، إذ انطمسوا في لجج المادة، وخالوها تلبي نداء الوجود، وتجاهلوا ما تنادي به الروحانية، ومن ثم انمحت جواهر الوجود، وعاد الكون مجرَّد حادثة عارضة لا ينسجه نظام، ولا يدبره قانون، فما العالم بعقيدتهم غير مصادفة، والإنسان إلا عبث.
والإنسان من هذه النقطة المادية تدرع بالضعف بعد القوة، وتحصَّن بالهرم بعد الفتوة، وتسرَّب إليه الخمول بعد النباهة، فساء مآله، وآب طيشاً رزانته، وآل خسفاً وجاهته. فما أجدر الإنسان أن يستمد قوة من أقواته الروحية، بحيث يتجدَّد بها شباب روحه، وتفيض الصلة مع الله نبعاً عليه، فيغسله من أدران المادة، ويسقيه من جام الراحة، ويزكيه بنسيم الطاعة، فيرشده إلى دروب السعادة.
* طالب السنة الأولى بالماجستير
قسم اللغة العربية وآدابها
الجامعة العالية - كولكتا - الهند