تجربتي في «مايو كلينك»... حيث يلتقي البحث العلمي بالرعاية الطبية
خلال فترة عملي في «مايو كلينك» كعالم زائر، كنت أدرك أنني في واحدة من أرقى المؤسسات الطبية في العالم، لكن ما لم أكن أتوقعه، هو مدى التداخل العميق بين البحث العلمي والممارسة السريرية، وكيف يمكن لمستشفى أن يكون مختبراً حياً يدمج المعرفة الطبية بالتطبيق العملي بشكل فريد.
أسست «مايو كلينك» عام 1864 في روتشستر، مينيسوتا، على يد الأخوين ويليام وتشارلز مايو، وسرعان ما تحوَّلت من عيادة جراحية صغيرة إلى مؤسسة طبية عالمية تُصنف باستمرار ضمن الأفضل عالمياً.
ما يميز «مايو كلينك» ليس فقط مستواها الطبي المتقدم، بل الفلسفة التي تقوم عليها، حيث لا يُنظر إلى الطب على أنه مجرَّد مهنة، بل هو علم متطور قائم على البحث المستمر والتعاون بين مختلف التخصصات.
لفت انتباهي أن العلاقة بين الأطباء والعلماء والمرضى تتجاوز العلاقة التقليدية بين مقدمي الرعاية والمراجعين. هنا المرضى ليسوا مجرَّد متلقين للعلاج، بل هم جزء من عملية البحث العلمي، ويتم تشجيعهم على المشاركة في الدراسات السريرية، والمساهمة في فهم الأمراض وعلاجها.
الأبحاث الطبية ليست مجرَّد جهود فردية، بل هي منظومة تعاونية متكاملة.
ما لفت انتباهي هو الاجتماعات الدورية بين الأطباء والباحثين، حيث تتم مناقشة الحالات الطبية، ليس فقط من زاوية العلاج، بل من منظور البحث والاكتشاف. في كل مرة كُنا نناقش فيها مريضاً، كان هناك تفكير يتجاوز العلاج التقليدي إلى استكشاف الآليات المرضية العميقة، وإمكانية تطوير استراتيجيات علاجية جديدة. هذه الروح التعاونية تعزز الابتكار، وتسرع من تطبيق النتائج البحثية في العيادات.
البنية التحتية للبحث في «مايو كلينك» مميزة جداً، حيث تتوافر بنوك حيوية ضخمة، وقواعد بيانات سريرية غنية، مما يسمح بجمع وتحليل كميات هائلة من المعلومات الطبية بشكل منهجي. كما أن الأطباء أنفسهم يتم تشجيعهم على أن يكونوا باحثين، حيث يوفر لهم المستشفى دعماً كبيراً لمتابعة الأبحاث العلمية، جنباً إلى جنب مع الممارسة السريرية. في عام 2023، تم إنفاق أكثر من مليار دولار على البحث العلمي، من خلال أكثر من 9000 مشروع بحثي نشط.
التجربة هنا جعلتني أدرك أن أفضل المستشفيات ليست فقط تلك التي تمتلك أحدث التقنيات، بل تلك التي تضع البحث العلمي في صلب ممارساتها اليومية.
الطب الحديث لا يمكن أن يتطور دون البحث، والطبيب الحقيقي ليس فقط مَنْ يُعالج، بل مَنْ يسأل، ويبحث، ويبتكر حلولاً جديدة.
هنا وجدت هذا النموذج متحققاً بكل تفاصيله، حيث الطب والبحث والعلم والإنسانية تندمج في منظومة واحدة تهدف إلى تحسين الحياة بكل الطرق الممكنة.