بين التزوير وحرية التعبير

نشر في 17-01-2025
آخر تحديث 16-01-2025 | 20:24
 حبيب السنافي

امتاز المجتمع الكويتي عن بقية شعوب المنطقة بعفويته في التعبير عن أفكاره وآرائه مع ميله للتغيير والتطوير والأخذ بأسباب التقدم نحو المدنية، كما تحلى بنبذ العنف وانعدام الصراعات الأهلية، فمنذ البدايات الأولى لنشوء الدولة التزم أفراده بتطبيق مبدأ الشورى في الحكم، ثم تحوّل بعد الاستقلال لديموقراطية شعبية يصونها دستور وبرلمان منتخب.

الصخب الإعلامي والشعبي حول مصطلح «الهوية الوطنية» يختلف استيعاب مضامينه وغاية أهدافه من فرد لآخر اتساعاً أو ضيقاً حسب الثقافة والمعرفة، وهي تكتسب معانيها بمشاعر المحبة وأحاسيس الولاء للأرض والمجتمع، ومن يفتقدها إنما هو مواطن بالاسم لا المضمون الحقيقي لها.

الهوية الوطنية الكويتية لا تعني تقاليد وعادات ولهجة وهيئة وأزياء شخصية متماثلة، بل تعني تقديم المصلحة الوطنية العامة على اعتبارات المصالح الشخصية الخاصة، وإبداء مشاعر الولاء بالانتماء للأمة، مع المشاركة المجتمعية بالقيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية كأساس للتضامن الاجتماعي وكقاسم مشترك لمكونات المجتمع المتنوعة.

إحدى فرص التغيير والتطوير السياسي والاجتماعي تكمن في ثنايا الأزمات، والأزمة المستجدة الراهنة لا سابقة لها، حينما أتخم ملف الجنسية الكويتية بعشرات الألوف من العبث في ملفات الجنسية المزورة ممن ادعى أصحابها انتماءهم الوطني، متسببين بأزمة سياسية واجتماعية واقتصادية تفاقمت بارتداد تداعياتها إلى أزمة الحريات الشخصية بحق إبداء الرأي والتعبير بكل الوسائل، والمكفولة بالمادة 36 من الدستور الذي توافقت وتعاهدت على مواده السلطة والشعب.

حرية الرأي والتعبير ليست حصرا بمخاطبة السطات العامة بل تمتد أهمية دورها واتساع نطاقها ليشمل المناقشات والحوارات بين أطياف المجتمع أو هيئاته المدنية.

حرية الرأي والتعبير لا تعني بتاتا المس «بالذات الأميرية»، والمراسيم الأميرية الأخيرة المتعلقة بملف الجنسية الكويتية وتنقية هويتنا الوطنية لها اعتباراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، نُجِلَها ونقدرها، فمصلحة الوطن وأمنه فوق كل اعتبار، كما أن المحكمة الدستورية في جلسة 27 إبريل 1999م قررت «حق أعمال السيادة» للدولة، ومنها التفرد بمسؤولية ملف الجنسية الكويتية واختصاصها بها بناءً على أحقيتها في تقدير المصالح العامة.

إعادة الاعتبار للهوية الوطنية لا ترتبط بمسائل الجنسية الكويتية تحديداً، هي برنامج متكامل تقره السلطة وتطبقه نصاً وروحاً، من دعائمه ضرورة الإنصات لكل الآراء المخالفة برحابة صدر وسعة بال وثقة متبادلة لا تتجاوز مراتب التخوين وتوجيه التهم بكل الأحوال، فالموالاة والمعارضة تُعتمدان بحسب المواقف والأحداث المتغيرة والمتعددة على الدوام، منفصلةً عن الانتماءات السياسية والاجتماعية، لتحاشي كل ما يثير البلبلة والتشرذم المجتمعي المدمر.

back to top