النفيسي والبراك... ابنا الكويت المخلصان
قبل خمسين عاماً، شاءت الظروف أن تجمعني مع طارق محمد البراك بمجلس إدارة الشركة الكويتية المتحدة للدواجن التي قامت بتأسيسها وزارة التجارة، حيث تم تعييننا عضوين بالشركة ممثلين عن شركة التموين، وقد جاء ترشيحنا من وزير التجارة والصناعة عبدالوهاب يوسف النفيسي آنذاك، وطيلة فترة السبعينيات التي عملت فيها مع طارق البراك وعبدالوهاب النفيسي لم أشاهد منهما غير الإخلاص في العمل، والأمانة في التعامل، ونظافة اليد، والتضحية من أجل خدمة الكويت.
ومن الحوادث التي ما زلت أذكرها وراسخة في الأذهان، في عام 1975م، وهي السنة الأولى من عمر الشركة المتحدة للدواجن حدثت بوادر نقص في السوق للسلع الغذائية، البيض والرز، وبناء على ذلك طلب وزير التجارة مقابلتنا، طارق البراك بصفته مدير شركة التموين وأنا بصفتي العضو المنتدب لشركة الدواجن من أجل إيجاد الحلول لاستدراك النقص الغذائي قبل أن يتطور إلى أزمة.
وخلال اللقاء طرح وزير التجارة فكرة شراء البيض من الخارج مع نقله جوا بواسطة الطائرات أو عن طريق البر، فأخبرت الوزير بأنه نظرا للشح العالمي في مصادر البيض فإن لاستيراد البيض تكلفة عالية الثمن، وبما أن الشركة الكويتية المتحدة للدواجن تقوم حالياً بإنشاء مشروع متكامل لإنتاج البيض ولحم الدواجن، أقترح أن نُوليِ أهمية قصوى لإنتاج البيض في أسرع وقت ممكن لاستباق النقص.
وبعد اللقاء مباشرة قامت شركة الدواجن بتنفيذ أول 4 بيوت لإنتاج البيض مع شراء دجاج بياض مربى في دولة أوروبية ليكون جاهزاً للشحن بعد الانتهاء من تجهيز البيوت، وفعلا بعد أربعة أشهر تقريبا تم شحن الدجاج بالطائرات، حيث وصل في الساعات الأخيرة من تجهيز الأقفاص، وأيضا الانتهاء من مصنع العلف، وتم بحمد الله البدء بإنتاج البيض في فترة قياسية استطعنا سد العجز الغذائي في الكويت قبل أن تتفاقم الأزمة، وذلك بفضل الثقة العالية التي منحها لنا وزير التجارة عبدالوهاب النفيسي، وكذلك الدور الذي أسهم به معي طارق البراك في مجلس الإدارة بالدفع لإنجاح المشروع والوصول إلى نتيجته المرجوة.
وأما النقص في مخزون الرز، فكنت شاهداً على الدور الذي أداه طارق البراك المدير العام لشركة التموين في الحصول على أفضل جودة وأحسن سعر من باكستان، وكان يتفاوض مع شركة الملاحة الكويتية لتوصيل شحنة الرز في أسرع وقت ممكن، ويسافر في الشهر الواحد عدة رحلات الى باكستان ليتفقد مراكز تعبئة شحنات الرز، ليتأكد بنفسه من الجودة والوزن قبل إرسالها الى الكويت.
وغني عن الذكر الدور الذي قام به طارق البراك خلال فتره الاحتلال في حماية مخازن شركة التموين الكويتية من نظام صدام في الاستيلاء عليه، وتضحيته بحياته من أجل هذا الواجب الوطني المقدس، وأذكر قبل عامين أقامت المبادرة المدنية «تُرى» في ظل غياب وزارة التجارة عن تقدير رجالاتها، لحفل تكريم طارق محمد البراك بنادي كاظمة، وهو من المؤسسين الأوائل لهذا الصرح الرياضي، وخلال اللقاء تقدم اثنان من الشباب يشيدان بطارق البراك الذي بذل مجهوداً غير طبيعي في إنقاذ حياتهما من الإعدام المحقق بسبب ادعاء كاذب من أجهزة المخابرات، حيث قام البراك بمقابلة المسؤولين العراقيين وقدم نفسه بأنه هو من طلب منهما ومن يتحمل المسؤولية، ومن ثم أطلق سراحهما قبل ترحيلهما الى العراق.
رحم الله عبدالوهاب النفيسي وطارق البراك اللذين عملا بلا ضجيج وصخب، ورحلا معاً عن دنيانا منتصف هذا الشهر بثوب أبيض لم تلوثه مغريات الدنيا، فتركا لنا نموذجاً لسيرة نقية تتعلم منها الأجيال.