أن تعيش الأبيض والأسود *

نشر في 21-11-2022
آخر تحديث 20-11-2022 | 19:09
 خولة مطر سؤال اعتاده بعضنا رغم أنه ليس بالبريء، بل فيه مزيج من السخرية المبطنة والاستغراب وبعض التعالي، وربما أيضا التشفي، يسقط بين جملتين أو فقرتين أو حادثتين أو حتى دون أي مقدمات منك أو من المجتمعين حول مائدة لشراب أو طعام، ما بين بين يقفز سؤالهم غير البريء «ياه هو أنت لسه عايش في الأبيض والأسود؟» تتوقف لحظة قبل الإجابة، وأحيانا تتلعثم وكأنك وضعت في موقف المتلبس بالجرم حتى تثبت براءته!! بعد بعض التفكير تقر وتعترف بأنك مغرم بأفلام الأبيض والأسود، وأنت تدرك أن سؤالهم أعمق من مجرد التعلق بأفلام الزمن الجميل حسب مفهومك ورأيك أنت وبعض الآخرين الحالمين مثلك.

تقوم بذلك محاولا أن تنهي الحوار الذي اعتدته وبعض الآخرين ممن يشبهونك وهم ليسوا كثراً أبداً أبداً، لكنهم لن يكتفوا بهذا القدر من الإجابة، بل هي فرصة يتربصون بها دوما لأسباب عدة، ربما أهمها أن يعيدوا الثقة إلى أنفسهم أنهم هم «الخط» الأصح في الحياة، وأنك ومن يشبهك لستم حالمين فقط، بل إنكم مسؤولون عن إغراق «الأمة» وربما البشرية في جهالة سنين من النوم في العسل كما يسمونه!

الأبيض والأسود عندهم ليسا فقط السينما التي يتعطشون هم قبل غيرهم لتلقي دعوة لحضور مهرجاناتها والالتقاء بالنخبة واصطياد صورة هنا أو هناك، ومشهد يصبح ربما «ترند»، في حين يكرم القائمون على هذه المهرجانات كثيرين ممن هم جزء من تلك المرحلة، أي مرحلة الأبيض والأسود. نعم هم أصبحوا مادة للمهرجانات فقط كما الدراسات والبحوث وقول الحق كلها تبقى جزءا من احتفالية مرحلية، وبين جدران ثم ما تلبث أن تختفي كالسراب أو قوس قزح في يوم ماطر.



الأبيض والأسود ليسا لونين، ولا وصفا لأفلام السينما الأولى قبل أن تدخل تقنية الألوان، وقبل أن يعاد تلوين الأبيض والأسود ويسمى ترميما أحيانا! أو بحجة المحافظة عليه، فالأبيض والأسود وصف لحالة أو هي مرحلة يفضل الكثيرون رميها بكل موبقات الدنيا، بل يريدونها السبب لما حصل ويحصل لهم شخصيا وعائليا ومجتمعيا، بل على صعيد المنطقة ككل حتى أصبح الأمر يشبه التهمة أو «العاهة» التي يحملها بعضنا كما حمل سيدنا المسيح صليبه.

الأبيض والأسود عندهم هو عكس التطوروالتقدم واللاحداثي، بل هو شكل من أشكال الجمود ووضع الرأس في الرمل كالنعامة أو هو شيء من الحجج والمبررات الواهية التي تريد للمجتمع والبشر في منطقتنا «المنتجة» أن تبقى حبيسة الماضي المعزول أو هكذا يرددون ويروجون!

كثيرون منا سقطوا في ذاك الخوف من تلك التهمة أو هكذا اعتبروها، ولذلك فهم يحاولون دوما إبعاد هذه التهمة عنهم أحيانا بالموافقة على ما يطرح ويقال، وكثيرا بالصمت وهو أقوى سلاح في وجههم جميعا، فرغم أن كثيرين من «عشاق» الأبيض والأسود قادرون على وضع الحجج ورصها في وجوههم، فإنهم ربما لمعرفتهم بأن من يحملهم هذه التهم يحمل أسبابا خاصة جدا لذلك، أو باختصار وببساطة شديدة، هو أو هي يرددون ما يسمعون، والرواية السائدة هي العداء لك ذاك الذي كان رغم أن محبي الأبيض والأسود ليسوا جميعا جهلة أو متعصبين حتى لا يعرفوا أن المراحل السابقة كغيرها فيها كثير من الأخطاء وبعض التعصب والفساد أيضا، ولكن كل ذلك لا ينفي أنه يوما ما سيكون الحاضر «الملون جدا» في رأيهم، هو أبيض وأسود الأجيال التي ستأتي بعدهم، وستنغمس أكثر في الماضي وكأنه هو سبب كل الفساد والجهل والتعصب وهيمنة الرأي الواحد بل كثرة الظلم وانعدام العدالة الذي يعيشون.

ربما قراءة أخرى للأبيض والأسود كما يقول ذاك الباحث المتعمق الذي يضحك بسخرية من مسألة وصمه بأنه من بقايا الأبيض والأسود، ويردد لا يخجلني الماضي بما كان وما فعل، بل يؤلمني الحاضر الذي يتصور أنه يقوم بالبناء في حين هو متخصص في الهدم، ورغم أن بعض الساخرين يتصورون أنهم هم من «دهنوا» ولونوا الهواء والماء والسماء وما بينها، فإنهم هم من يكرسون اللون الواحد وهم الأكثر قدرة على البناء في زمن يعتبر فيه البعض أن الإنجاز الحقيقي والإضافة للبشرية لا المنطقة فقط هو بناء أعلى برج وأكبر مركز تجاري ونقل المطاعم بنجومها المتعددة إلى عواصمنا العريقة، وتكريس مزيد من الاستهلاك، في حين يرحل مخترعونا وعلماؤنا ربما طلباً للجوء في بلدان ما زالت ترى أن الإنجاز الحقيقي هو ما قاله جبران قبل عشرات السنين: «أن تلبس ما تصنع وتأكل ما تزرع و... و...».

* ينشر بالتزامن مع«الشروق» المصرية.

back to top