وجهة نظر: عندما نتفلسف في التأمينات
يؤكد وليام جيفارت (1917)، صاحب أول كتاب منهجي في مبادئ التأمين، أنه يجب ألا يستخدم التأمين لصناعة الثروة، فهو وسيلة لمعالجة الخسائر المتوقعة وليس أداة لتعظيم الثروات، لذلك يجب ألا تكون التعويضات التي يحصل عليها صاحب التأمين أكبر من الخسائر المتحققة، سواء في التأمينات التجارية أو الاجتماعية.
إذن ماذا يعني أن تتم زيادة المعاش التقاعدي لفئة من المتقاعدين وبدون أي مبرر اقتصادي مفهوم؟ هذه الزيادة تجعلنا في مفترق طرق بالنسبة للهدف الذي تم إنشاء مؤسسة التأمينات من أجله، يقال إنه عندما يواجه الإنسان أو المنشأة اختيارين هامين متناقضين، يجب عليه أن يختار أحدهما بمنهج عقلاني ثم يتحمل نتائج اختياره، هذا أفضل مئة مرة من أن يضيع وقته وجهده في التنظير، ولذلك شاعت مقولة الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بوريدان «تفلسف الحصان فمات جوعا».
إن الهدف الأساسي من التأمينات الاجتماعية هو دفع معاش تقاعدي له أو لأسرته لمن يخرج من سوق العمل، سواء بسبب الوفاة أو الوصول إلى سن يعجزه عن العمل، ومن الواضح في جميع الأحوال أنه يجب أن يكون المعاش التقاعدي أقل من الراتب الذي يحصل عليه المتقاعد/المتقاعدة قبل التقاعد أو الوفاة إلا في الكويت، انقلب مفهوم التأمين الاجتماعي إلى تأمين الرفاهية وتحت الطلب الفوري، وهذا يتأكد من الزيادة الأخيرة لفئة محددة من المتقاعدين، ودون أن تكون هناك مبررات مقنعة ومعتمدة على إحصائيات واضحة ودقيقة، الموضوع كله تنظير في تنظير.
لا يجوز في علم التأمينات أن تأخذ معاشا تقاعديا أكبر من الراتب/ الأجر الذي كنت تحصل عليه عند العمل، هذا يعكس عملية التأمينات بشكل يهدم الهدف الذي أسس من أجله وهو الضمان الاجتماعي وكما ورد في المادة 11 من الدستور الكويتي: «تكفل الدولة المعونة للمواطنين في حالة الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل، كما توفر لهم خدمات التأمين الاجتماعي والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية».
أما إذا أصبح التقاعد أمرا محببا ومرغوبا لجميع الموظفين فسترجع ظاهرة التقاعد المبكر (وبالفعل هذا التوجه بدأته الحكومة منذ فترة عندما بدأت تحيل للتقاعد كل من أمضى أكثر من 30 سنة في العمل الحكومي، ووصل إلى وظيفة قيادية أو إشرافية)، وخطورة هذا النهج على ملاءة مؤسسة التأمينات الاجتماعية واضحة في حالات العجز الاكتواري المتكررة منذ نشأة المؤسسة إلى وقتنا الحالي.
نحن أمام مفترق طرق، إما استدامة الفكر الكلاسيكي لنظام التأمينات الاجتماعية أو الاستمرار المؤقت في منهج تأمين الرفاهية، إذا كانت الزيادة الأخيرة لها مبرر اقتصادي معقول وخاص بفئة معينة من المتقاعدين، فلا بأس من دراسة حالاتها ومعالجتها بما يناسبها من الحلول، أما الزيادة العشوائية وبدون دراسة معتبرة فمن الممكن أن تذهب إلى غير محتاجيها مثال المرأة (المطلقة/الأرملة) والتي تعول ابنا أو أكثر.
نظام التأمينات الاجتماعية في الكويت لايزال نظاما سخيا وشاملا، ولكنه يفتقد ومازال العدالة والمساواة، والتي تم تقريرها في المادة 7 من الدستور: «العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين».
في علوم التأمين، لا بأس أن تكون هناك اختلافات في أسعار ومزايا التأمين بين المشتركين في التأمين، بشرط أن يكون هذا الاختلاف والتمايز مبررا من الناحية الاكتوارية، مثال أن يدفع المشترك في التأمين قسطا أقل من مشترك آخر بنفس العمر ولكن حالته الصحية أسوأ، أما في التأمينات الاجتماعية لدينا، لاستخدام الراتب كعنصر أساسي يحدد نسبة الاشتراك وقيمة المعاش التقاعدي، لذلك يكون هناك اختلاف كبير في المعاشات التقاعدية، صحيح أن نسبة المعاش التقاعدي تعتمد على مدة الخدمة في العمل، لكن يظل الراتب هو الأساس الذي يحسب المعاش التقاعدي على أساسه.
باختصار، من المقبول نوعا ما أن تختلف الرواتب بين الموظفين أثناء العمل، لكن ليس مفهوما أن تختلف المعاشات التقاعدية عند الخروج من سوق العمل، طبعا عدم المساواة أمر واضح عندما تساهم الحكومة في دفع الاشتراكات مع الموظفين والتي تكون محسوبة كنسبة من الراتب للموظفين، مثال تدفع الحكومة لموظف راتبه 1000 دينار ما يقارب 200 دينار كاشتراك في التأمينات، بينما تدفع 400 دينار لموظف راتبه 2000 دينار وكلاهما بنفس العمر والحالة الصحية، الأمر الذي يجعلنا نكرر أنه من الأفضل ان تتم مراجعة عدالة نظام التأمينات الاجتماعية من الزيادات العشوائية لمعاشات التقاعد.