السر يكمن في «كيف»؟

نشر في 02-08-2023
آخر تحديث 01-08-2023 | 18:21
الحل السحري لمشاكلنا الخاصة والعامة يكمن في قدرتنا على التحول من مجرد التوصيف إلى العمل بالكيفية المناسبة، وخلاصة خلطة «الكيف» تكمن في اتباع مسار قد يكون صعباً ومعقداً وطويلاً بقدر ما يمكن أن يكون بسيطاً وسهلاً، يبدأ بإرادة التغلب على التحديات التي تواجهنا.
 د. بلال عقل الصنديد

نتعرض في حياتنا اليومية لكثير من المشاكل والتحديات التي قد تؤثر سلباً في جوانب عديدة من سلامتنا الفكرية والنفسية والجسدية طبعاً، فقد نقع في فخ الصعوبات المادية، أو في دوامة الأزمات النفسية، وقد نعاني من مشكلة التردد في اتخاذ القرار أو يتلبسنا الإحباط من بعض العلاقات الاجتماعية، وكما هو الواقع بالنسبة إلى الحالات الفردية، ينطبق الأمر على المشاكل التي تعانيها الدول والمجتمعات على المستويات كافة.

نلجأ إلى المتخصصين، فنجد الكثير منهم بارعاً في التوصيف، لكنه فاشل في إعطائنا الوصفة السحرية التي تعيننا على التصدي لمشكلتنا التي تسيطر على وجداننا، وتتحكم في كثير من تصرفاتنا ومقارباتنا لأمورنا اليومية.

نشكو، فرادى وجماعات، فينبري أهل الفكر والرأي، ويتصدى المستشارون- أشخاصاً ومؤسسات- للكتابة والتنظير في الموضوع، وتنتهي معظم النتائج الى تعريف العلة- بشكل دقيق أو سطحي، لا مشكل- دون النجاح في الوصول الى الحل الناجع، ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً: كيف نستطيع أن نعالج مكامن الخلل والشفاء من عوارضها في العمل؟

في كثير من الأحيان نجد أنفسنا متذمرين بلا إرادة «متحلطمين» بلا قصد، ونبرر ذلك لأنفسنا وللآخرين بما قد يسمى «فشّة الخلق»، ومع ذلك، كلنا ندرك أن التركيز على المشكلة سيزيد من حجمها فقط، وسيؤدي الى استنزاف طاقتنا العقلية والنفسية ويكبّل دوافعنا للتقدم والاستمرار، فمن السهل والخطير أن ننجرف في دوامة المشاكل التي تعترضنا، ومن العجز والفشل أن نبقى في قعرها بلا أمل ولا عمل.

ينطلق الحل لمشاكلنا من كلمة «إرادة» التي تترجم بالنية الجدية على التقدم في مسار إيجابي نحو تغيير النظرة وتبديل التصرف وإعادة تصويب الاتجاه، ويتبع ذلك التركيز استنباط الحلول الممكنة- التي تختلف بحسب الظروف والأشخاص- واختيار الأنسب منها، ففي كثير من الأحيان قد يكون الحل واضحاً وسهلاً لكنه خاف علينا بسبب وجودنا في النقطة العمياء من دوامة المشاكل، وفي حال تم اكتشافه قد يصعب اختياره لانعدام الإرادة أو لضعف في بذل الجهد اللازم لذلك.

كي نواجه المشكلة، من المهم أن نتراجع خطوة الى الخلف، ونأخذ قسطاً من الراحة، ونقيم الوضع بشكل شامل وموضوعي، إذ نحاول تفكيك المشكلة إلى مسائل فرعية أكثر قابلية للإدارة والتحكم فيها من خلال اكتشاف الجوانب والعوامل المؤثرة فيها بشكل مباشر، ومن ثم التصدي لكل منها بحلول قابلة للتطبيق.

نهج آخر فعال للتصدي لمشاكلنا، يتمثل في اللجوء إلى المساعدة الخارجية، فلا تجوز الاستهانة أبداً بقوة المشاركة والتواصل، حيث إن تناول مشاكلنا مع الموثوق بهم من الأصدقاء والعائلة والمحترفين المؤهلين، يمكن أن يفتح أمامنا آفاقاً جديدة كانت خافية علينا رغم أنها تؤدي إلى حلول غير متوقعة.

لا شك أن اتخاذ القرار يمكن أن يقترن بالارتباك وعدم اليقين، فالمقولة العامية تؤكد أننا اذا أردنا أن «نحيّر» إنساناً يكفي أن «نخيره»، فعندما نواجه الخيارات الصعبة، من المهم أن نأخذ الوقت في التفكير وتحليل المزايا والعيوب لكل بديل من البدائل، ويساعد في ذلك استخدام أدوات وأساليب تقييمية كتحليل التكلفة والفائدة وإعداد مقارنة بين الجوانب الإيجابية والسلبية، كما يمكن طلب المشورة من الخبراء للحصول على نصائح مستنيرة، مع الاستذكار أن اتخاذ القرار المدروس- مهما كانت عواقبه- هو أفضل من البقاء في حالة تردد وتحمل عواقب الجمود عند نقطة الصفر والوقوف في دائرة اللا قرار.

من المهم في السياق، عدم نسيان الدروس التي تعطينا إياها التجارب والاختبارات القديمة التي مررنا بها في حالات مطابقة أو مماثلة، ففي بعض الأحيان، قد لا يكون الحل للمشكلة واضحاً من البداية، وقد يكون من الضروري اختبار نهج مختلف، واتخاذ مخاطر محسوبة، واستخلاص الدروس من أخطائنا، إن حل المشاكل عملية تكرارية، وغالبا ما يكون من الضروري ضبط استراتيجياتنا استناداً إلى النتائج التي نحققها.

الحل السحري لمشاكلنا الخاصة والعامة يكمن في قدرتنا على التحول من مجرد التوصيف إلى العمل بالكيفية المناسبة، وخلاصة خلطة «الكيف» تكمن في اتباع مسار قد يكون صعباً ومعقداً وطويلاً بقدر ما يمكن أن يكون بسيطاً وسهلاً، يبدأ بإرادة التغلب على التحديات التي تواجهنا، وتغيير النظرة الى الواقع والمأمول، ومن ثم تفكيك المشكلة، واللجوء للمساعدة الخارجية، وتجربة مختلف المناهج لاتخاذ قرارات مدروسة.

***

تجتاح عالمنا المعاصر موجة المؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي، وقد يأخذ الأمر في مجتمعاتنا الشرقية- الأكثر تأثراً من الناحية الوجدانية والعاطفية- أبعاداً مختلفة وخطيرة على التكوين الفكري والاستقرار النفسي للأجيال الصاعدة.

الفارق الملحوظ بين من يتناول المشاكل المرتبطة بنوعي التنمية المجتمعية والبشرية، وذلك الذي يتصدى للمشاكل الفردية كالطبيب النفسي، أن الأول يؤثر في مجتمع بأكمله والآخر- مهما كان تأثيره مضراً- تنحصر سلبيات أفعاله في شخص واحد وفي أسوأ الأحوال بمحيطه الضيق.

فكم حري بمن يدّعي المعرفة في الشؤون الفردية والمجتمعية، وبمن يسترزق من مهنة «اللايف كوتش» أن يركز في جهوده الآيلة للتطوير الشخصي، وتعزيز التحصيل العلمي والمهني، وتنمية العلاقات الشخصية، وإدارة الوقت، وتنمية الوعي الذاتي وتحسين الثقة بالنفس، وتطوير المهارات القيادية، وتحقيق التوازن الشخصي والمهني... وغيرها من العناوين والمستهدفات الجذابة، أن يركّز على الـ«كيف» العملية دون الاكتفاء بالـ«هذا» التنظيرية.

* كاتب ومستشار قانوني.

back to top