هيرش: كنت مقتنعاً بأن حرباً نووية ستندلع بين باكستان والهند «الأخيرة»

• على خلفية تجدد العداوة بين الدولتين عام 1990 بسبب كشمير

نشر في 06-04-2023
آخر تحديث 05-04-2023 | 16:30
يتناول الصحافي الدولي المخضرم سيمور م. هيرش في هذا الكتاب «مذكرات صحافي استقصائي»، ‏‏مواضيع دولية مهمة، أحداث 11 سبتمبر، وعلاقة رفيق الحريري مع نظام الأسد، وفضيحة ‏ووترغيت، وفضيحة إيران - كونترا عام 1987، ومذبحة ماي لاي، وفضح الدور السري ‏للمخابرات الأميركية في إسقاط النظام العنصري بجنوب إفريقيا، وحرب فيتنام، واغتيال ‏روبرت كينيدي، وحرب أميركا ضد الإرهاب، إلى جانب قضايا عديدة أخرى تهمّ المطلعين على ‏الأوضاع العربية والعالمية.‏ ويسرد الكتاب حياة المؤلف كصحافي ‏استقصائي كَشَفَ العديد من القضايا المحلية والعالمية هو الذي تنقّل في العمل من صحيفة محلية أسبوعية في مدينته إلى وكالة الأسوشيتدبرس، ثمّ إلى ‏»نيويورك تايمز»، وأخيراً إلى «نيويوركر». وكانت حصيلة هذه الخبرة عدداً من الكتب المهمة، التي ‏فضح فيها السياسات والأكاذيب التي اقترفتها الحكومات المتعاقبة، فبدأ من حرب فيتنام ‏ومذبحة ماي لاي وجرائم الإطاحة بالحكومات الشرعية في أميركا الوسطى ودور كيسنغر ‏فيها، وعرّج على فضيحة ووترغيت. وغطّى هيرش حرب أفغانستان إثر الهجمات الإرهابية ‏بتاريخ 11 سبتمبر، والدور المشين لحكومة بوش/ تشيني، وفضح القصص الواهية ‏والمبررات لغزو العراق واحتلاله، وفيما يلي الحلقة الأخيرة.

سررتُ حين اتصلت بي تينا براون، التي أصبحت رئيسة تحرير «نيويوركر» عام 1992، وشجلى استئناف الكتابة لمصلحة المجلة.

كانت الحياة في «نيويوركر» حيوية بامتياز وأقل تعقيداً بكثير مما كانت عليه في صحيفة تايمز. تعلّقت واحدة من أولى القصص التي طلبتها تينا بأزمة نووية كبرى عام 1990 بين عدوّتَين دائمتَين، الهند وباكستان. وأستطيع اليوم أن أكتب ما عجزتُ عنه في تلك الحقبة، فقد كانت وكالة الاستخبارات المركزية تملك معلومات دقيقة من داخل المؤسسة النووية الباكستانية، وهي عبارة عن محادثات حول المسائل النووية في الوقت الحقيقي.



أظن أن عدم اهتمامي بكشف عمل الوكالة المدهش كان عاملاً مؤثراً لإقناع مسؤولَين أميركيَين مرموقَين بالتكلم معي رسمياً: إنهما روبرت غيتس وديك كير، اللذان كان يراقبان الأزمة عن كثب. بدا غيتس محقاً في تجنّب الأضواء، إذا لطالما كان نائباً وفياً جداً لبيل كايسي خلال الثمانينيات، حين انكشفت فضيحة إيران كونترا وسحب ترشيحه لمنصب كايسي كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية، بعدما اتّضح أن مجلس الشيوخ لن يوافق على تعيينه. وأعاد الرئيس جورج بوش الأب، بعد وصوله إلى السلطة عام 1989، إحياء مسيرته المهنية، عبر تعيينه مساعدا لشؤون الأمن القومي. أما كير البعيد عن الأضواء أيضاً، فقد طوّر مسيرة مهنية جديرة بالثناء في وكالة الاستخبارات المركزية، وكان نائب مدير الوكالة عند نشوء الأزمة.

وكالة الاستخبارات المركزية كانت تملك معلومات دقيقة من داخل المؤسسة النووية الباكستانية عبارة عن محادثات حول المسائل النووية في الوقت الحقيقي

وقد تجددت العداوة المزمنة بين الهند وباكستان عام 1990 بسبب الأراضي المتنازع عليها في كشمير، وكانت باكستان تخشى أن تخطط الهند لعملية غزو ضدها. ونُشِرت تقارير عن تصاعد التوتر النووي في تلك الفترة بصحيفة صنداي تايمز في لندن ولوس أنجلس تايمز، لكن لم يشكك أحد بمواقف النفي الرسمية وغير الدقيقة التي أطلقتها إدارة بوش. كان المسؤولون داخل الإدارة يخشون حينها أن تقطع الهند الحدود بالقوة وتهاجم إقليم السند، فتكبح باكستان ذلك التقدم مسبقاً عبر استعمال سلاح نووي.

دوامة «النووي»

أخبرتُ غيتس بأنني أعرف إلى أي حد تخترق وكالة الاستخبارات المركزية باكستان. أنا واثق بأن صراحتي جعلت غيتس يقرر التكلم معي وجهاً لوجه، وسرعان ما حضر إلى مكتبي في وسط مدينة واشنطن، للرد على بعض الأسئلة. أخبرني غيتس: «تابعنا مقارنة الوضع بصيف عام 1914، حين اندلعت الحرب العالمية الأولى. بدت باكستان والهند عالقتَين في دوامة تعجزان عن الخروج منها. كنتُ مقتنعاً بأن أي حرب محتملة ستكون نووية في حال اندلاعها».

قام كرو بتنقيح المقالة، وأتمّ مدققو الحقائق عملهم، ونشرت تينا القصة بعنوان «على الحافة النووية» ضمن 17 صفحة في المجلة. كنت أتمنى أن تدفع مواقف غيتس وكير بزملائي إلى متابعة هذا الموضوع، لكن السنوات التي أمضيتها في «تايمز» علّمتني أن الصحافيين الذين يملكون المعلومات والمصادر اللازمة لكتابة تقارير عن مسائل الأمن القومي لا يهتمون بمتابعة قصص يكتبها آخرون. هم ينشغلون بالقصص التي يكتبونها بأنفسهم.

توقفتُ عن كتابة التقارير لمصلحة «نيويوركر»، رغم استمتاعي بهذه التجربة، في أواخر عام 1994، لأن جيمس سيلبرمان، المحرر الذي شجّعني على تحضير كتاب عن كيسنغر، بدأ يشجعني على تحضير كتاب عن جون ف. كينيدي.

حمل الكتاب عنوان The Dark Side of Camelot (الجانب المظلم من كاميلوت) وحصد، عند نشره عام 1997، أعلى المبيعات سريعاً. لم تُحدِث المواد الجديدة التي اكتشفتُها عن معرفة كينيدي المسبقة بغزو «خليج الخنازير» واستعماله السياسي لتلك المعلومة أي ضجة تُذكَر. بل ركّزت الأخبار الأولية على وثائق مزيفة غير واردة في الكتاب. وبعدما خَمَد غضبي، أجريتُ مقابلة مع مجلة ذا أتلانتيك، حيث وجدتُ أخيراً أمراً إيجابياً بشأن وثائق كينيدي المزيفة، فقلتُ: «أنا مسرور بحصول فضيحة الوثائق من ناحية معيّنة... نظراً إلى العدائية التي قوبل بها كتابي حول العالم، وسبق أن وجّه لي الآخرون جميع أنواع التُهَم، لكنها المرة الأولى التي أتعرّض فيها للنقد بسبب رأيي... أنا لم أنشر تلك الوثائق في نهاية المطاف، ولا أفهم السوء الذي أرتكبه حين ألاحق قصة معيّنة، وأكتشف أنها مزيفة وأعترف بذلك».

مونيكا لوينسكي

نُشِرت أول مقالة كبرى من إعدادي بعهد ريمنيك أواخر 1998، فتابعتُ أبحاثي من حيث توقفتُ سابقاً، وتحدّيتُ المنطق الشائع عن الهجوم الذي أطلقته إدارة كلينتون بصواريخ «توماهوك» في الشرق الأوسط. قيل إن البيت الأبيض أراد أن يستهدف حينها مصنع أدوية في ضواحي الخرطوم، عاصمة السودان، لأنه كان يستطيع، وفق مزاعم البيت الأبيض، تصنيع عناصر حربية كيماوية وأدوية جنسية غير مكلفة أصبح السكان المحليون في أمسّ الحاجة إليها. أعلن كلينتون قصف الموقع حين كان يمضي العطلة، في أغسطس 1998، في جزيرة مارثا فينيارد. وجاء قراره بعد 3 أيام على إنهاء شهادته أمام هيئة محلفين فدرالية كبرى بشأن تورّطه مع مونيكا لوينسكي. هو اعتبر المصنع المستهدف «تهديداً وشيكاً» على الأمن القومي الأميركي.

كما حصل في الهجوم على بغداد، عام 1993، تعددت الأسئلة حول إصرار الاستخبارات على ربط مصنع الأدوية، وهو واحد من مصانع قليلة في السودان، بإنتاج عناصر حربية كيماوية. وقد برزت أيضاً أسئلة جدّية أخرى حول استعداد البيت الأبيض في عهد كلينتون لتنفيذ هذه المهمة. الأهم من ذلك هو استبعاد 4 أعضاء من هيئة الأركان المشتركة من خطط الهجوم في اللحظة الأخيرة. تولى ساندي بيرغر، مستشار الأمن القومي في فريق كلينتون، إدارة تلك العملية، وكان يتعاون وراء الكواليس مع أميرال منخفض الرتبة عاد وحصد ترقية في نهاية عهد كلينتون، وتم تعيينه قائدا عاما في الخارج.

سرعان ما انكشفت هذه الألاعيب، وأدرك عدد من كبار الضباط والمسؤولين في الجيش والأوساط الاستخبارية أن بيرغر الطموح يقوم في الخرطوم بما يريده الرئيس منه. وأنهيتُ مقالتي باقتباس كلام مسؤول مرموق سابق في وزارة الخارجية الأميركية، حيث أوضح أن كلينتون كان منشغلاً حينها بمشاكله الشخصية والمهنية الناجمة عن علاقته الجنسية مع لوينسكي.

عدم اهتمامي بكشف عمل الوكالة المدهش كان عاملاً مؤثراً لإقناع مسؤولَين أميركيَين مرموقَين بالتكلم معي رسمياً: هما روبرت غيتس وديك كير اللذان كان يراقبان الأزمة عن كثب

الاستخبارات الأميركية

انتقلتُ لاحقاً من السودان إلى إسرائيل، وكتبتُ مقالة، بداية 1999، عن الآراء السلبية التي حملها مجتمع الاستخبارات الأميركي تجاه قرار كلينتون المحتمل بالخضوع لمطالب إسرائيل المرتبطة بالعفو عن جوناثان بولارد. كان بولارد مسؤولاً يهودياً في الاستخبارات البحرية، وتم القبض عليه وهو يتجسس لمصلحة إسرائيل عام 1985، ثم حُكِم عليه بالسجن المؤبد. دفع العفو الذي كان كلينتون ينوي إصداره بعدد من كبار المسؤولين في «البنتاغون» ووكالة الاستخبارات المركزية إلى التهديد بتقديم استقالاتهم.

تلقيتُ دعوة من مسؤول استخباري بارز للتكلم معه بمقر وكالة الاستخبارات المركزية. (كان جورج تينيت مدير الوكالة حينها، لكن لم تصدر الدعوة منه شخصياً). عند وصولي، اصطحبني مسؤول إلى غرفة مؤتمرات صغيرة في الطابق السابع، حيث يقع مكتب تينيت. سألوني كيف أحب قهوتي، وطلبوا منّي الجلوس. ثم عاد الشخص الذي استضافني وهو يحمل القهوة مع مجلّد، فقال لي «استمتع»، وخرج من الغرفة.

كان ذلك المجلّد يتضمن مواد حصل عليها القاضي الفدرالي خلال محاكمة بولارد. هو يلخّص عدداً كبيراً من الوثائق التي تلقاها بولارد بطريقة غير قانونية من مكتبات سرّية متنوعة في واشنطن، ويقال إنه سلّمها إلى رؤسائه الإسرائيليين. كانت تلك الوثائق صادمة بالنسبة إليّ، لأنها توضح أن معظم المواد التي سرقها بولارد كانت تتعلق بما فعلته الولايات المتحدة للتجسس على أكبر خصم لها: الاتحاد السوفياتي. وكشفت سلسلة من الوثائق التي حصل عليها بولارد كيف تعقبت وحدة ربط الإشارات السرية التابعة للبحرية الأميركية في الشرق الأوسط الغواصات النووية الروسية أثناء تحركها تحت الماء باتجاه البحر الأبيض المتوسط، مروراً بمضيق جبل طارق. عرضت وثيقة أخرى تفاصيل عن دليل أميركي يتألف من 10 مجلّدات بعنوان RASIN (تدوين إشارات الراديو)، وهو يُعدّد المعايير الفيزيائية لكل إشارة معروفة تصدر عن الأعداء والأصدقاء.

هدف أميركي معاكس

يروي هيرش: كنتُ أعرف الشخصيات التي يُفترض أن أقابلها للتحقق من المعلومات التي سُمِح لي برؤيتها، لكنني لم أكن واثقاً برغبتي في نقل تلك المعلومات إلى مجتمع الاستخبارات الأميركي. تمكنتُ من التحقق من تلك المعطيات، وحرصتُ على عدم الكشف عن كمية مبالغ فيها من المعلومات علناً. تسنّى لي أن أطّلع على وثائق فريدة من نوعها كان قد حصل عليها بولارد قبل أن يسلّمها في معظم الحالات إلى الإسرائيليين. كانت كل صفحة منها مليئة بإشارات تؤكد الطابع السرّي للملفات التي قرأتُها.

وذكر أن الملفات التي اطّلعتُ عليها، أيضاً، أوضحت أن الرجال والنساء المسؤولين عن إدارة الاستخبارات الأميركية ظنّوا أن الحكومة الإسرائيلية كانت تنقل معلومات بولارد إلى موسكو مقابل هجرة اليهود السوفيات الذين يتمتعون بمهارات وخبرات تحتاج إليها إسرائيل. لم تتأكد هذه المعلومة يوماً، لكنّها انتشرت في أهم التقييمات السرّية التي رأيتُها.

وأضاف: عدتُ إلى كتابة التقارير التي أفضّلها عن محاولات الولايات المتحدة الرامية إلى التدخّل في سلسلة عمليات استخبارية مثمرة جرت في أواخر التسعينيات على يد لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالعراق ومساعيها للسيطرة عليها. كانت مهمّة فريق الأمم المتحدة تقضي بالتأكد من بقاء أي أسلحة دمار شامل، النووية منها أو الكيماوية، في ترسانة صدام حسين.

وتابع: أما الهدف الأميركي المعاكس، فكان يتعلق بمشاركة الأمم المتحدة ظاهرياً اهتمامها بأي معلومات متعلقة بأسلحة صدام، تزامناً مع جمع بيانات قد تُسهّل اغتيال الزعيم العراقي. حملت هذه المقالة، التي وافق عليها ريمنيك، عنوان «أفضل صديق لصدام... كيف سهّلت وكالة الاستخبارات المركزية إعادة تسلّح الزعيم العراقي؟». شعرتُ بالسعادة لأنني تمكنتُ مجدداً من كتابة معلومات لم ترغب حكومة بلدي في نشرها. كان عملي الأفضل في العالم، فقد كنت أعمل في مجلة مدهشة، مع محررين مخضرمين وشجعان يلتزمون بأعلى معايير المهنة، وحصلتُ على كامل الحرية لإجراء تحقيقات عن جميع المواضيع المهمة، بدعمٍ من ريمنيك.

أعاد الرئيس جورج بوش الأب بعد وصوله إلى السلطة عام 1989 إحياء مسيرة كايسي المهنية عبر تعيينه مساعداً لشؤون الأمن القومي

باري ماكفري والتصرفات المشينة

يقول هيرش: كنتُ قد سمعتُ عن التصرفات المشينة التي يقوم بها باري ماكفري من أشخاصٍ عملوا معه. كان ماكفري جنرالاً عدائياً قاد وحدة الجيش خلال حرب الخليج، عام 1991، ثم تقاعد من الجيش عام 1996، بعدما عيّنه بيل كلينتون مديراً لمكتب السياسة الوطنية لمكافحة المخدرات في البيت الأبيض، مما يعني أنه أصبح «قيصر المخدرات». استمرت تصرفات ماكفري المتقلّبة بالبيت الأبيض. شربتُ القهوة في صباح أحد الأيام مع جنرال برتبة 4 نجوم، فتحدثنا عن سلوك ماكفري كمسؤول مدني. أخبرني صديقي، الذي كان قائد الوحدة العسكرية في حرب 1991، بأن المسألة الحقيقية تتعلق بقرار ماكفري إعطاء الإذن لتنفيذ هجوم قاتل ومفاجئ ضد كتيبة منسحبة من الدبابات العراقية بعد انتهاء الحرب، أي بعدما اطمأنّ العراقيون إلى وجود ممر آمن من الجبهة المجاورة للكويت، وصولاً إلى بغداد.

وأضاف: احتجتُ إلى أشهر طويلة ومئات المقابلات قبل تقديم قصة متماسكة وغير قابلة للشك. جمعتُ تعليقات قوية من 12 جنرالاً تحت قيادة ماكفري. كان ريمنيك مطّلعاً على تفاصيل التحقيق الذي امتد على 6 أشهر، وقد دعاني إلى جمع أكبر عدد ممكن من التصريحات الرسمية لمنتقدي ماكفري، مما يعكس براعته الفطرية في عالم التحرير. أمضيتُ أسابيع وأنا أتفاوض لنشر تصريحات مُخففة ورسمية من زملاء ماكفري ورؤسائه في الجيش، فجاءت انتقاداتهم، مهما كانت متحفظة، لِتُرسّخ صورة الجنرال الصارم والمُصمِّم على ترك بصمته في الصحراء، كما فعل الجنرال الألماني، إروين روميل، الذي يعتبره ماكفري أحد أبطاله، في شمال إفريقيا عام 1942.

وذكر أن المقالة المؤلفة من 24 ألف كلمة حملت عنوان «القوة الغامرة» وكانت في المرحلة الأخيرة من مراجعة الوقائع حين شنّ ماكفري هجوماً استباقياً، علماً بأنه كان يرفض مخاطبتي دوماً ويمنع جميع زملائه من التواصل معي. لكنّه أصدر هذه المرة بياناً، عن طريق محاميه، لمهاجمتي أنا شخصياً، واشتكى من إقدامي على إجراء مقابلات «تشهيرية» بسبب «أحقاد شخصية». ونجح التكتيك الذي استعمله، فكتب الكثيرون في وسائل الإعلام عن هجومه قبل أسابيع من نشر مقالتي.

اهتمام واسع

يرى هيرش أن مقالته حصدت اهتماماً واسعاً، لكنها لم تكن كافية لإجراء مراجعة رسمية لتلك الحادثة. واعتُبِر الانتصار على صدام حسين عام 1991 نهاية لوصمة عار رافقت الهزيمة التي طاردت الجيش الأميركي منذ نهاية حرب فيتنام، ولم يكن أي مسؤول مستعداً لتشويه هذه الصورة. لم يرفع ماكفري أي دعوى قضائية، رغم انتقاداته اللاذعة، وسرعان ما شعرتُ بأن الولايات المتحدة لم تهتم بقتل السجناء أو الجنود العراقيين بلا مبرر أثناء عودتهم إلى دياهم عبر مسار حدّده اتفاق سلام يهدف إلى إنهاء الحرب.

وقال: كانت آخر قصة حضّرتُها بطلبٍ من ريمنيك قبل هجوم 11 سبتمبر تتعلق بسلسلة من النشاطات الفاسدة التي قامت بها شركة النفط الأميركية العملاقة (موبيل)، بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفياتي. كان متوقعاً أن يؤمَّن النفط بأسعار منخفضة على نحو مفرط مقابل البرميل الواحد خلال تلك الأيام الفوضوية، طالما يتلقى هؤلاء المسؤولون السوفيات السابقون رشاوى كبيرة، علماً بأن جزءاً كبيراً منهم كان ناشطاً في الاستخبارات ويتجه إلى الاستيلاء على أصول بقيمة مليارات الدولارات. وقد تطلّب تنقيح هذه المقالة المعقدة أشهراً عدة، وسرعان ما دفعت عدداً من أهم شركات المحاماة في نيويورك إلى التهديد برفع دعاوى قضائية، علماً بأن «موبيل» وكيانات معنيّة أخرى كانت تملك تلك الشركات كلها. أتذكّر أن المستشار العام الذي تم تعيينه حديثاً في المجلة أعلن في أحد الاجتماعات أنه وجد صعوبة في تصديق احتمال أن تقوم شركة كبيرة مثل «موبيل» بنشاطات غير قانونية كتلك التي تكلمتُ عنها.

وأضاف: كنت أتوق إلى سماع هذا النوع من التعليقات، فتوجّهتُ نحوه وربّتُ على خدّه وقلتُ له: «يا لك من فتى لطيف». (تبيّن أن هذا المحامي هو من أشرس داعمي نشر قصصٍ يصعب استكشافها في المجلة). حافظ ريمنيك على تماسكه رغم كل شيء، مع أن قلقه تراجع بفضل تعديلات قمتُ بها في المقالة، بناءً على استشارات قانونية. نُشِرت هذه المقالة المعقّدة في يوليو 2001، وكان يصعب أن يقرأها أيٌّ كان، لأنها مليئة بمصطلحات غير مألوفة عن المعاملات التجارية وأسماء أجنبية كثيرة، لكنها جذبت اهتمام الحكومة الفدرالية التي سارعت إلى فتح تحقيق حول المخالفات الواردة في المقالة.

وأوضح أن المقالة حملت عنوان «ثمن النفط». ورغم المصاعب التي رافقت نشرها وافتقارها إلى الأسلوب السلس، فإنها جذبت أنظار تجار النفط ومصدّري الطاقة في أوروبا والشرق الأوسط إليّ، وسهّلت عليّ مهامي بعد هجوم 11 سبتمبر.

back to top