اختصاصات موزعة ومسؤولية ضائعة
يسأل المواطن العراقي عن مدرسة متهالكة أو طريق مقطوع أو خدمة متأخرة، فيجد نفسه يدور بين ثلاث جهات، كل واحدة تقول إن الاختصاص عند غيرها، وسبب هذه الحيرة ليس الإهمال وحده، بل غموض خريطة الصلاحيات بين المركز والإقليم والمحافظة. حدد دستور 2005 في مادته العاشرة بعد المئة اختصاصات حصرية للسلطة الاتحادية، منها السياسة الخارجية والدفاع والسياسة المالية والجمارك والعملة وشؤون الجنسية.
وأعطت المادة الخامسة عشرة بعد المئة كل ما لم يُذكر في هذه القائمة للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وجعلت الأولوية لقانون الإقليم عند التعارض في الاختصاصات المشتركة، غير أن النص شيء والتطبيق شيء آخر، فالاختصاصات المشتركة لم تُنظَّم بقوانين تفصّلها، وبقيت إدارة النفط والغاز مثلاً محل خلاف بين بغداد وأربيل، لأن المادة 112 تتحدث عن إدارة الحقول الحالية بالتعاون مع الأقاليم المنتجة دون أن يصدر قانون يحدد معنى هذا التعاون.
وفي المحافظات منح الدستور مجالس المحافظات صلاحيات إدارية ومالية واسعة، وجاء قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم لينظم ذلك، لكن التمويل ظل مرتبطاً بالموازنة الاتحادية، فصار المحافظ مسؤولاً أمام الناس عن خدمات لا يملك مالها، والوزارة الاتحادية تملك المال وتبتعد عن المساءلة المباشرة، والنتيجة اجتماعية قبل أن تكون قانونية، فالمواطن الذي لا يعرف الجهة المختصة يوجّه غضبه إلى الجهة الأقرب إليه، وغالباً ما تكون المحافظة أو الدولة عموماً، بينما قد يكون القرار في وزارة بعيدة.
وهذا الغموض يضعف الثقة بالمؤسسات، ويمنح السياسي فرصة لإلقاء المسؤولية على غيره، والمطلوب ثلاث خطوات: أولاها قانون يحدد الاختصاصات المشتركة بدقة، وثانيها دليل مبسط تنشره كل محافظة يبيّن للمواطن أي جهة تختص بأي خدمة وكيف يتظلم، وثالثها ربط المسؤولية بالمال، فمن يملك الإنفاق يُسأل عن نتيجته. إن الدولة الاتحادية لا تنجح بتوزيع السلطات على الورق وحدها، بل بأن يعرف الناس حدود كل سلطة، فمن لا يعرف من يحكم ماذا، لا يستطيع أن يحاسب أحداً، ولا أن يطالب بحقه.
* كاتب عراقي