تسونامي الحزب الديموقراطي
خسارة الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الأميركية لمجلسَي الشيوخ والنواب وحُكام الولايات لم تكن مفاجأة، بعد أن تحوَّل مزاج الناخب الأميركي من مؤيدٍ وداعم إلى ناقم على سياسات الرئيس ترامب والبيت الأبيض.
في المقابل، استغل الحزب الديموقراطي إخفاقات الإدارة الأميركية الترامبية في معالجة القضايا التي تمس مصالح المواطنين، وساعده الإعلام على كشف الكثير من جوانب ترامب السلبية، بعد أن تمكَّن من استدراجه، وكشف تناقضاته وحماقاته، مما تسبَّب في تراجع شعبيته بشكلٍ غير مسبوق.
ورغم اعتراف الرئيس ترامب الخارجي، بأن الحرب على إيران كانت وراء خسارة الحزب الجمهوري للانتخابات، فإنه مازال يُكابر ويُبرر موقفه، متجاوزاً بذلك بقية إخفاقاته، كسوء تقديره للتعرفة والرسوم الجمركية، وموقفه من الحرب الأوكرانية- الروسية، وغزو فنزويلا الذي أظهر أميركا وكأنها نمرود هذا العصر، فضلاً عن دعمه اللامحدود لإسرائيل في حرب الإبادة على غزة، وأخيراً ملفات إبستين.
على ذات السياق، أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، عبر منصة إكس، أسباب الخسارة، بأن كثيرين من القواعد الشعبية للحزب الجمهوري قد صوَّتوا لديموقراطيين، وعزا هذا التحوُّل في أصوات الجمهوريين إلى أربعة مطالب، لتشمل: إنهاء الحرب، والتركيز على تكاليف المعيشة والتضخم، وإعطاء الأولوية لمصالح أميركا، وتغيير طبيعة العلاقة مع إسرائيل، ثم ربطها بجملة في غاية الأهمية، بأن «المسار المستقبلي للحزب يجب أن يبدأ من نقطة سبب هزيمتنا».
ونتيجة حتمية لتلك السياسات حمَّل الناخب الأميركي الرئيس الأميركي وإدارته والحزب الجمهوري مسؤولية هذه الإخفاقات كاملة. وبذلك حوَّل خنقه منهم إلى دعم الحزب الديموقراطي، لإدراكه بأنه لم يكن طرفاً في تلك القرارات.
خيارات الرئيس ترامب باتت محدودة. ورغم معرفته بأن السياسة الخارجية وإعلان الحرب كفلهما الدستور له، وامتلاكه لحق الفيتو، فإن ذلك لا يعني تمكنه من الحركة بحُرية إذا ما استخدم الكونغرس قانون الإغلاق المالي الحكومي، وهو بالمناسبة إجراء دستوري ومالي يؤدي إلى توقفٍ مؤقت لعددٍ من أعمال المؤسسات والوكالات الحكومية الفدرالية عند إقرار الموازنة وتوفير التمويل اللازم لاستمرار عمل الحكومة في المواعيد المحددة، خصوصاً فيما يتعلَّق بالميزانيات الخاصة للتمويل العسكري. وكذلك بإمكانه وقف التعيينات القضائية والإدارية، وعرقلة كثير من التشريعات. وعلى ذات المسار، فإن مجلس النواب بإمكانه فتح تحقيقات رقابية حول ملفات الفساد الإداري والمالي.
من اللافت أيضاً أن المرشحين المدعومين من الرئيس قد خسروا مقاعدهم أمام الديموقراطيين، مما يؤكد سخط الأميركيين على كل ما يمت بصلة لشخص ترامب.
فوز الديموقراطيين رسالة تجاوزت الداخل الأميركي، ليصل صداها إلى العالم، بعد أن قُرئت بأكثر من طريقة. فعلى سبيل المثال، الكرملين اعتبرها خسارة، لذلك طالب الرئيس ترامب بالسعي إلى وقف الحرب مع أوكرانيا، فيما وصفت بكين هذا التغيير بأنه شأن داخلي. أما مدريد، فقد رأت في فوز الديموقراطيين رفضاً لسياسات الاستبداد.
السؤال الأخير والأكثر أهمية بالنسبة للعالم العربي، هو: كيف قرأت حكوماته هذا التسونامي الأزرق، وكيف ستتعامل معه، وهل بمقدورها تحقيق موازنة التعامل مع هذا الوضع الجديد؟
ودمتم سالمين