وجهة نظر: نصف كهرباء الكويت من الطاقة النووية... هل تستحق المليارات؟

قراءة اقتصادية في تكلفة الطاقة وقيمة النفط والغاز حتى عام 2050

نشر في 08-11-2026
آخر تحديث 07-11-2026 | 18:25
 طارق الوزان

تواجه الكويت سؤالاً اقتصادياً يتجاوز تأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء: كيف يمكن المحافظة على أمن الطاقة، وفي الوقت نفسه تحقيق أعلى قيمة ممكنة من مواردها النفطية والغازية؟

فكل برميل نفط أو كمية غاز تُستهلك محلياً قد تمثّل فرصة بديلة للتصدير أو التصنيع أو تجنب الاستيراد. ومن هنا تستحق الطاقة النووية الدراسة، ليس باعتبارها خياراً محسوماً، بل وسيلة محتملة لتوفير الكهرباء وإعادة توجيه بعض الموارد الهيدروكربونية نحو استخدامات أعلى قيمة.

غير أن جدوى هذا التوجه تتوقف على معادلة واضحة: هل تتجاوز المنافع الاقتصادية الصافية للوقود الموفَّر التكلفة الإضافية للكهرباء البديلة، بعد احتساب الاستثمارات والتمويل والمخاطر؟

الطلب المتزايد وتكلفة الفرصة البديلة

وفق بيانات «Ember» المحدثة، أنتجت الكويت نحو 89.2 تيراواط ساعة من الكهرباء عام 2025، شكّل الغاز الطبيعي نحو 62 في المئة منها، والمصادر الأحفورية الأخرى نحو 35 في المئة.



وإذا نما الطلب بنسبة 2 بالمئة سنوياً، فقد يصل الإنتاج المطلوب إلى نحو 146 تيراواط ساعة بحلول 2050، بزيادة تقارب 64 بالمئة، وهو سيناريو حسابي، وليس توقعاً رسمياً.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى احتمال ارتفاع الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 50 بالمئة بحلول 2035. وتحذّر من أن تعثّر تنويع مصادر التوليد قد يخفض إيرادات صادرات النفط والغاز إقليمياً بنحو 80 مليار دولار، ويرفع فاتورة الاستيراد بنحو 20 مليارا في ذلك العام.

هذه تقديرات إقليمية، لكنها تكشف أهمية إدارة الاستهلاك المحلي للوقود بوصفه قراراً اقتصادياً، وليس مجرد مسألة تشغيل محطات كهرباء.

الطاقة النووية وحجم الاستثمار

لتوليد نصف كهرباء الكويت المسجلة عام 2025، أي 44.6 تيراواط ساعة سنوياً، تحتاج البلاد إلى قدرة نووية تقارب 5.7 غيغاواط، بافتراض معامل تشغيل يبلغ 90 بالمئة.

وقد ترتفع القدرة المطلوبة إلى نحو 9.3 غيغاواط بحلول 2050 إذا استمر نمو الطلب المفترض.

وتتراوح التكلفة الإنشائية لهذه القدرة بين 46.5 و83.7 مليار دولار، بافتراض 5000 إلى 9000 دولار لكل كيلوواط، قبل احتساب كامل تكاليف التمويل والبنية المساندة، وهي تقديرات أولية، وليست تكلفة مشروع محدد.

ووفق تقرير «Lazard» الصادر في يوليو 2026، تتراوح التكلفة المرجعية للكهرباء من محطات الغاز الجديدة ذات الدورة المركّبة بين 51 و129 دولاراً لكل ميغاواط ساعة، مقابل 175 إلى 255 دولاراً للمحطات النووية الأميركية الجديدة، و40 إلى 98 دولاراً للطاقة الشمسية الكبيرة.

ولا يمكن تطبيق هذه الأسعار الأميركية مباشرة على الكويت، لاختلاف تكاليف التمويل والوقود والإنشاء والتشغيل.

كما ينبغي التمييز بين تكلفة تشغيل المحطات الغازية القائمة وتكلفة إنشاء محطات جديدة، واحتساب متطلبات الشبكات والاحتياطيات الكهربائية وتحلية المياه، فالمقارنة الصحيحة ليست بين أسعار الكهرباء وحدها، بل بين التكلفة الاقتصادية للمنظومة بأكملها.

القيمة الاقتصادية للغاز الموفَّر

إذا حلّت الكهرباء النووية محل 44.6 تيراواط ساعة منتجة بالغاز، وبافتراض كفاءة توليد تبلغ 50 بالمئة، فقد توفر نحو 834 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً.

وتعادل القيمة النظرية لهذه الكمية نحو 1.5 إلى 3.7 مليارات دولار سنوياً، عند أسعار تتراوح بين 5 و12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

لكن هذه القيمة لا تمثّل ربحاً صافياً، كما يفترض الحساب إحلال الطاقة النووية محل الكهرباء الغازية تحديداً، وليس محل المزيج الحالي من الغاز والوقود النفطي.

ويجب التمييز بين الغاز المستورد، الذي قد يؤدي توفيره إلى خفض فاتورة الواردات، والغاز المحلي الذي قد تتاح له استخدامات تصديرية أو صناعية، وفق نوعيته وتكلفته.

فالميثان يمكن توجيهه إلى الميثانول والأمونيا ومشتقاتهما، بينما يصلح الإيثان لإنتاج الإيثيلين والبوليمرات، وصولاً إلى مواد متقدمة للتغليف والصناعات الطبية والهندسية، لكن ارتفاع قيمة المنتج النهائي لا يعني بالضرورة ارتفاع الربحية، فالتصنيع المتقدم يحتاج إلى استثمارات وتقنيات وأسواق تنافسية.

وعليه، فإن المعيار الحقيقي هو صافي القيمة المضافة والعائد على رأس المال، بعد خصم جميع التكاليف والمخاطر.

نقطة التعادل الاقتصادي

لنفترض أن تكلفة إنتاج الكهرباء الغازية تبلغ 90 دولاراً لكل ميغاواط ساعة، مقابل 175 دولاراً للنووية، عند إنتاج 44.6 مليون ميغاواط ساعة سنوياً، تبلغ التكلفة نحو 4 مليارات دولار للغاز، مقابل 7.8 مليارات للنووي، أي بفارق يقارب 3.8 مليارات سنوياً.

وعند تقييم الغاز بنحو 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن تعويض هذا الفرق يتطلب منفعة اقتصادية إضافية تقارب 12.5 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية فوق قيمة الغاز المحتسبة أصلاً ضمن تكلفة الكهرباء الغازية، وهذا حد تعادل حسابي مبسط، وليس عائداً صناعياً متوقعاً، كما أنه لا يشمل الاستثمارات الصناعية الإضافية وتوقيت التدفقات النقدية ومخاطر التنفيذ.

لذلك يجب اختبار البدائل وفق صافي القيمة الحالية، وتكلفة التمويل، وأسعار الوقود، وكفاءة المحطات، وحساسية النتائج لتأخير المشاريع، فالغاز الموفَّر لا يصبح مكسباً اقتصادياً لمجرد تحويله إلى الصناعة، وإنما عندما تحقق استخداماته البديلة عائداً صافياً يتجاوز التكلفة الإضافية لتوفيره.

الشراكة الكويتية - السعودية

قد توفر الشراكة مع المملكة العربية السعودية فرصة لتقاسم الاستثمارات والمخاطر، وتطوير الخبرات والربط الكهربائي، وتحسين شروط التمويل والتعاقد، لكن نجاحها يتطلب ترتيبات واضحة للملكية وشراء الكهرباء وتوزيع المسؤوليات، خصوصاً عند تجاوز التكاليف أو تأخر التشغيل.

كما يتطلب المشروع رقابة نووية مستقلة، ومعايير صارمة للسلامة وإدارة الوقود المستهلك والنفايات والتفكيك، وتقدم محطة براكة الإماراتية تجربة إقليمية مهمة للاستفادة المؤسسية، دون افتراض تطابق ظروفها الاقتصادية مع الكويت.

استراتيجية اقتصادية حتى 2050

وتحتاج الكويت إلى مقارنة 3 مسارات: تحديث محطات الغاز ورفع كفاءتها، إدخال الطاقة النووية تدريجياً، والجمع بين مصادر كهرباء بديلة وتوجيه الموارد الهيدروكربونية المناسبة إلى صناعات أعلى قيمة.

ويجب أن تشمل المقارنة الطاقة الشمسية وكفاءة الاستهلاك، وأثر كل مسار على أمن الإمدادات والمالية العامة والميزان التجاري والعائد على رأس المال،

وأقترح إعداد دراسة اقتصادية مستقلة خلال 12 شهراً، بالتعاون الكويتي - السعودي، تختبر حصصاً مختلفة للطاقة النووية، بما فيها الصفر و50 بالمئة، وتحدد المزيج الأكثر جدوى وفق سيناريوهات واضحة حتى 2050.

فالهدف ليس بناء أكبر قدرة نووية، أو تحويل أكبر كمية من الغاز إلى البتروكيماويات، بل تحقيق أعلى عائد اقتصادي مستدام من الموارد الوطنية.

الاستنتاج

إن مستقبل الكهرباء في الكويت يرتبط بقرار أوسع حول كيفية إدارة الثروة الهيدروكربونية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية طويلة الأجل.

وقد تكون الطاقة النووية جزءاً من الحل، لكن جدواها يجب أن تثبتها المقارنة الشاملة مع الغاز والطاقة الشمسية وكفاءة الاستهلاك والفرص الصناعية البديلة.

فالسؤال ليس هل تستطيع الكويت بناء المفاعلات النووية، بل هل تستطيع إنتاج الكهرباء بتكلفة اقتصادية تتيح تحقيق قيمة أكبر من مواردها النفطية والغازية؟

والقرار يجب أن تحسمه الأرقام، لا جاذبية التكنولوجيا.

* باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية

back to top