هذه المرة ترامب هو مَنْ ألحق الهزيمة بنفسه
أكتب منذ مارس 2025، وتحديداً منذ واقعة الدردشة الفوضوية لوزير الدفاع بيت هيغسيث عبر تطبيق «سيغنال»، مقالات تتكرَّر فيها الفكرة نفسها: «ترامب يبدِّد كل شيء مرةً أخرى».
ولعل هذه الانتخابات تكون، بحُسن الحظ، آخر مواجهة انتخابية بين ترامب ونفسه؛ أي آخر انتخابات يستطيع فيها الديموقراطيون تجاهل الفوضى والاختلالات السياسية داخل معسكرهم، لمجرَّد أن دونالد ترامب يقف في مواجهتهم.
وربما يجد أحد الحزبين على الأقل، وهو الحزب الجمهوري، سبباً أخيراً لمراجعة ذلك التصرُّف النادر الذي أتاح الوصول إلى هذه اللحظة. ففي واحدٍ من أسوأ القرارات الحزبية على الإطلاق، قرَّر ديموقراطيو جو بايدن أن ترامب سيكون وسيلتهم لإعادة انتخاب رئيس غير محبوب ومتقدم في السِّن، بدا عاجزاً عن مواصلة مهامه.
أراد ترامب أن يكون حاضراً في ورقة الاقتراع هذا الأسبوع، وكان كذلك بالفعل. لكن، إذا ما قُورنت رئاسته الثانية بالفرصة التي أُتيحت له، فإنها تمثل إخفاقاً هائلاً. كان فوزه في انتخابات 2024 قادراً على أن يُصبح انتصاراً تاريخياً يبرر مسيرته السياسية. فقد كان قد كسب بالفعل معركته الأساسية بشأن الهجرة، بعدما أعاد بايدن، في عامه الأخير، فرض السيطرة على الحدود الجنوبية في محاولة لإنقاذ رئاسته.
لقد تنازل الديموقراطيون عملياً عن سباق 2024، وإن لم يدركوا ذلك، عندما استخدموا سُلطتهم القضائية لمساعدة بايدن في اختيار منافسه. كانت خطتهم بمنزلة محاولة يائسة لإنقاذ رئاسة بايدن، التي كشفت عن نفسها باعتبارها خدعة سياسية؛ فقد باع «جو المعتدل»، بدافع ضعفه الشخصي، ناخبيه أجندة يسارية ناشطة لم يكونوا يريدونها أصلاً عندما اختاروه.
لكن الخطة فشلت. وورث ترامب، المستفيد من ذلك، اقتصاداً بدأ يتعافى من جائحة كوفيد، وطفرة الذكاء الاصطناعي. لم يكن قادراً على محو التضخم الذي تركه بايدن، لكنه كان يستطيع إعلان الانتصار عليه.
وكان الأهم أنه كان يستطيع ترك خصومه، لا نفسه، يظهرون باعتبارهم مصدر الفوضى. لكنه خرج عن المسار بسبب تشدده المفرط في ملف الهجرة، وحروبه الجمركية غير الضرورية، واستفزازاته المجانية للأصدقاء والحلفاء، وخاض مغامرة محفوفة بالمخاطر في فنزويلا، ثم تعامل، على نحو ما، مع نجاح تلك المغامرة باعتباره دليلاً على قدرته على تكرار الأمر نفسه في إيران.
ويقول المدافعون عن ترامب إن المعارك التي اختار خوضها في ولايته الثانية كانت ذات أهمية استثنائية، وتستحق ذلك، حتى لو أدَّت إلى تقليص قاعدته الانتخابية أو تفكيكها.
لكن عليهم أن يُدركوا أن الولايات المتحدة ستبقى بعد رحيل ترامب بوقتٍ طويل. ولن تكون مغامراته السياسية الكلمة الأخيرة في أي قضية. كان البلد سيستفيد أكثر بكثير لو استطاع ترامب مغادرة البيت الأبيض عام 2029 وهو يحظى بنسبة تأييد تتجاوز نسبة الرفض، تاركاً للطبقة السياسية رسالة واضحة مفادها أن الجمهور لا يريد الاشتراكية الجديدة ولا سياسات الهوية العنصرية، بل يريد شيئاً يشبه السلام والازدهار والقوة الوطنية الأميركية التقليدية التي سعى ترامب إلى تجسيدها.
كانت أمام ترامب فرصة لتغيير البلاد عبر دفع معارضيه نحو الوسط، كما فعل في ملفَّي الحدود وتمويل الشرطة. وفي بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، لم يكن يحتاج سوى إلى رفع نسبة تأييده فوق 50 في المئة، كي يُصبح كثير من الديموقراطيين في الولايات المتأرجحة أقل حماسة لمعارضته.
وفي ولايته الأولى، وسَّع ترامب قاعدته لمجرَّد أنه لم يكن الرجل الذي حلَّ محله. ولنتذكَّر كيف ارتفعت سوق الأسهم عندما أدرك المستثمرون، بصورة عفوية، حجم الضرر الذي ألحقته الحملة التنظيمية لإدارة أوباما بروح المبادرة والاستثمار.
كانت لديه الفرصة نفسها في 2024. ولم يكن مطلوباً منه سوى أن يفعل ويقول أقل. لكن حربه على إيران، كما قلت آنذاك، جسَّدت ترامب في أقصى درجاته، مهما اعتبرها أنصار تاكر كارلسون خيانة. فقد انطلقت من وهم النجاح المُطلق الذي لازم صورته الإعلامية منذ دخوله الحياة العامة. ويكفي أن نراه يستحضر باستمرار جائزة نوبل التي لن ينالها، وكأن الحديث عنها يمنحه متعة تقارب متعة الفوز بها.
لكن، يا أميركا، إن للقدر سخرياته. فقد أفضت نجاحات ترامب وإخفاقاته معاً إلى وضع فئة من الناخبين في دائرة الضوء، وهي الفئة التي جرى توصيفها خطأً باعتبارها «الطبقة العاملة البيضاء».
وسنرى ذلك بوضوح في الصراع العنيف الذي سيقسم الديموقراطيين خلال المرحلة المقبلة. فالمواجهة ستكون بين مَنْ يريدون حزباً مؤيداً لأميركا والازدهار، يمثل الناس العاديين، وبين مَنْ يرون أن إظهار الازدراء لأميركا الوسطى هو جوهر اعتزازهم بأنفسهم.
ربما خسر ترامب، لكن ناخبيه قد يحققون مكاسبهم لاحقاً، إذ يمكن أن يصبحوا الكتلة المتأرجحة التي تدور حولها المعارك الانتخابية المقبلة.
أما النقص الأكبر الذي كشفته نتائج الثلاثاء، فهو غياب قائد للديموقراطيين؛ شخصية قادرة على تحويل الحزب إلى قوة تؤمن بالحكم المسؤول، بدلاً من أن يظل مجرَّد حزب لا يجمعه سوى رفض ترامب.
* هولمان دبليو. جينكينز الابن