بسكم عسارة
بلا شك كانت تدخلات مجلس الأمة المنحل من أهم أسباب عرقلة التنمية في الكويت آخر عشرين عاماً، بعدما طغت على ممارسات كثير من أعضائه أفكار شعبوية ورجعية لا تتماشى مع التنافس بين الدول المحيطة والشقيقة، ودفع المواطن ثمن الشلل الذي عانته البلاد، وتضررت مشاريع الدولة وأصحاب المشاريع التجارية، وموظفو القطاع العام الذين أنهكتهم المحسوبية والواسطة وضعف الإنجاز. لسنوات طويلة، عارض نواب المجلس تشريعات حيوية كقانون المطور العقاري والرهن العقاري واتحاد الملاك، وحرموا آلاف الشباب من فرص تملك مساكن تناسب إمكاناتهم. كما حاربوا الوكيل المحلي للشركات العالمية، وصوّروا التجار حيتاناً ومتنفذين تحت شعار «التجار كلونا»! بدلاً من تشجيع الاستثمار وفتح السوق وخلق الفرص، ناهيك عن قرارات شعبوية استنزفت الميزانية، وصراعات عطلت مصالح الدولة. حتى جاء قرار صاحب السمو أمير البلاد بحل المجلس، إيذاناً بمسيرة التصحيح، ولم يكن ذلك رفضاً منه للديمقراطية التي حذّر سموه من انحرافها، بل ضرورة فرضتها المرحلة وفق مقولة «مجبر أخاك لا بطل»، لفتح المجال أمام تشريعات إصلاحية وعقليات أكثر انفتاحاً ومرونة، وتطبيق القانون على الجميع، وفق مبدأ «الموس على كل الروس».
وشهدنا بعد ذلك إصلاحات تشريعية كتطوير قانون الأحوال الشخصية وحماية الأسرة وإلغاء المادتين 153 و182، وإصلاح الطرق وتنظيم جليب الشيوخ، وتغليظ قوانين المرور والمخدرات، واستحداث العقوبات البديلة، وضبط العمل التعاوني والخيري، وملاحقة غسل الأموال والتلاعب بمزايا الإعاقة، وتطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية.
وبالرغم من ذلك، لا يزال بعض المسؤولين يتبنون العقليات السابقة بقرارات تفتقر إلى الدراسة والنظرة الاقتصادية، فتحوّل معالجة الثغرات إلى قيود تعرقل الاستثمار وفرص العمل، فلمحاربة «التضمين» وكشف «المستفيد الفعلي» نجد اشتراط مئة ألف دينار للشريك الأجنبي المقيم وفق المادة (19)، دون مراعاة قدرة المشاريع الصغيرة كالبقالات والمصابغ والصالونات والمطاعم، التي تحتاج إلى رقابة واقعية لا اشتراطات تعجز عن تلبيتها.
وكذلك إلغاء الوكيل المحلي للشركات العالمية، وهو قرار يصعب فهم جدواه بتعميمه على القطاعات، فالوكيل الكويتي ليس مجرد مستفيد من هامش ربح، إنما شريك يسهّل التراخيص والصيانة والمتابعة، وينقل الخبرات، ويخلق فرص عمل، ويضمن حقوق المتعاملين. وبالإمكان استثناء القطاعات الاستراتيجية والعسكرية والاستثمارات العملاقة عبر هيئة تشجيع الاستثمار المباشر، دون الإضرار بالشركات الكويتية العاملة في النفط والهندسة والفنادق والتجزئة، أما الإقامة الذهبية، فاشتراط 5 ملايين دينار لإقامة تمتد 15 عاماً يثير التساؤل حول جدواها، بينما تتيح دول شقيقة الإقامة الدائمة بمزايا أفضل مقابل نحو 80 ألف دينار كويتي!! فكم مستثمراً يستطيع توفير 5 ملايين؟!
بيت القصيد... ليس من الحكمة إغلاق مئة باب رزق لمعالجة ثغرة في باب واحد، فالإصلاح لا يعني تضخيم القيود والعسارة، بل معالجة الخلل دون خنق الاستثمار. نريد عقليات حكومية متجددة وجريئة، تسهّل قوانين القوى العاملة، وتدعم رواد الأعمال وتكسر البيروقراطية، لا تستنسخ ممارسات عطلت التنمية.
«تركوا عسارة»... قالها معالي النائب الأول ونقولها معه، فالكويت تحتاج إلى عقول منفتحة ومرنة ومتحركة مع متغيرات المرحلة، لا عقليات منغلقة تجتهد في إجهاد الناس، وسد أبواب الرزق بحجة اصطياد الثغرات!