في المرمى: التأجيل فرصة لا خسارة
قد يرى البعض أن قرار تأجيل بطولة كأس آسيا لكرة القدم، التي كان مقرراً انطلاقها في يناير المقبل بالمملكة العربية السعودية الشقيقة، جاء مبكراً أو اتُّخذ على عجل، خصوصاً أن الموعد المحدد للبطولة لا يزال يفصلنا عنه نحو شهرين، إلا أن التوقف عند توقيت القرار وحده قد يحجب عنا جوانب أخرى أكثر أهمية، فرب ضارة نافعة، وربما يكون التأجيل في مصلحة الجميع.
وقبل كل شيء، فإن جاهزية المملكة العربية السعودية لاستضافة الحدث الكروي الأهم على مستوى القارة الآسيوية أمر لا يقبل التشكيك، وما تمتلكه من إمكانات وبنية تحتية وخبرات تنظيمية يجعلها قادرة على تقديم نسخة استثنائية من البطولة، لكن من الواضح أن الأوضاع السياسية التي تمر بها المنطقة ألقت بظلالها على القرار، وهو أمر لا يمكن تجاهله.
ولا بد أن نشير إلى أن الموقف السعودي في التعامل مع فكرة التأجيل يستحق الإشادة، فالمملكة وقيادتها الحكيمة، قبل الاتحاد الآسيوي، حريصة على سلامة وصحة جميع المشاركين، ذهنياً قبل أن تكون بدنياً، وقد تعاملت مع القرار بروح المسؤولية والواقعية، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو التمسك بالموعد لمجرد التمسك به، كما أن التأجيل يمنح الجهات المنظمة فرصة إضافية للوصول إلى جاهزية أكثر اكتمالاً، سواء على مستوى الملاعب أو الاستعدادات اللوجستية أو الضيافة وغيرها من التفاصيل المرتبطة بتنظيم بطولة بهذا الحجم، فضلاً عن إتاحة الوقت الكافي لتدريب وتأهيل الكوادر البشرية التي ستتولى إدارة هذا الحدث القاري.
ومن الناحية الرياضية، فإن القرار قد يسهم بشكل أكبر في إعادة ترتيب روزنامة المسابقات المحلية للاتحادات المشاركة، وتحسين توزيع المباريات وأيام الراحة، بما يضمن حصول اللاعبين على فترات مناسبة للاستشفاء، خصوصاً أولئك الذين خاضوا منافسات كأس العالم، وما صاحبها من ضغط بدني وذهني كبير.
أما بالنسبة لمنتخبنا الوطني، فإن تأجيل البطولة يمثل فرصة ذهبية لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، ولا أن نتعامل معها باعتبارها مجرد زيادة في فترة الإعداد، فالأزرق بحاجة إلى استثمار كل يوم إضافي في سبيل بناء منتخب أكثر جاهزية وقدرة على المنافسة، خصوصاً في ظل ما تتطلبه المشاركة القارية من استعداد فني وبدني وذهني، كما يمنح التأجيل الجهاز الفني مساحة أكبر لإعادة تقييم خياراته، ومتابعة اللاعبين الذين برزوا خلال الفترة الماضية، واكتشاف عناصر جديدة لم تتح الفرصة لضمها سابقاً بسبب ضيق الوقت أو محدودية التجارب، وكذلك فإن فترات التوقف الدولية المقبلة يمكن أن تشكل محطات مهمة لتجربة هذه العناصر، ودمجها مع المجموعة الحالية، واختبار مدى قدرتها على تقديم الإضافة المطلوبة.
ولعل الأهم من ذلك، أن تكون هناك رؤية واضحة وبرنامج إعداد متكامل يضع المنتخب أمام تجارب حقيقية تكشف نقاط القوة والضعف وتساعد على معالجة الأخطاء، فالمشاركة في كأس آسيا فرصة لإثبات قدرة الأزرق على استعادة ولو جزء بسيط من لونه وبريقه المفقود، والتأجيل لن يصنع ذلك وحده، لكنه يمنحنا وقتاً إضافياً قد يكون ثميناً إذا أحسنا استغلاله.
بنلتي
البطولة تأجلت ولم تُلغَ، والتأجيل ليس دائماً خسارة، لأنه منح الجميع وقتاً إضافياً، فالمواعيد قد تتغير، والظروف قد تتبدل، وعلينا أن نعرف كيف نستثمر الفرص في النهاية، والفرصة أصبحت أكبر، فلنستغلها لصناعة منتخب يليق بطموحاتنا... أما المملكة وقدرتها على إنجاح التنظيم فهذا ليس محل نقاش إن طلب منها اليوم أو غداً أو حتى بالأمس.