طرابزون... عروس الشمال وعاصمة الجمال

• لؤلؤة البحر الأسود فيها ما لا عين رأت... تجمع بين التاريخ والجغرافيا في لوحة إبداعية ربانية
• الجريدة. زارت المدينة ضمن وفد إعلامي خليجي لاكتشاف سحرها وطبيعتها البكر

نشر في 04-11-2026
آخر تحديث 04-11-2026 | 17:43
«لا أذاق الله أحداً لوعة الشوق إلى طرابزون»... مقولة شعبية تركية شهيرة تعبر عن مدى عشق الزائرين لطرابزون، وصعوبة نسيان جمالها بعد مغادرتها، ودعوة بأن يجمع الله كل مشتاق لها، وألا يظل أحد يعاني ألم الحنين إليها. لؤلؤة البحر الأسود «فيها ما لا عين رأت... تجمع بين التاريخ والجغرافيا»... وأهالي طرابزون دائماً ما يتباهون بأن الله حباهم بطبيعة خلابة، قائلين: «الجغرافيا هي القدر، والحمد لله الذي كتب قدرنا على أرض طرابزون». قبل أن تطأ قدماي هذه المدينة كنت أتساءل لماذا هذا العشق والشوق؟... فكانت الإجابة بسؤال من مرشدنا السياحي التركي في نهاية الرحلة مع وداعنا، لماذا أنت «حزين» على مغادرة طرابزون؟ على مشارف عروس الشمال التركي، في هذه المدينة الواقعة في منطقة البحر الأسود وعلى طريق الحرير القديم نقطة التقاء الأديان واللغات والثقافات تتلاشى الحدود تماماً بين سحر الخيال وواقع الطبيعة الخلابة، لتجد نفسك أمام لوحة ربانية فريدة... هنا ينحني عنفوان البحر الأسود بأمواجه الهادئة والثائرة ليغازل نسمات الجو العليل المحملة برذاذ المطر العذب والضباب الكثيف الذي يلفّ المدينة كوشاح أبيض ساحر مثل قلوب أهلها النقية الصافية. ولم تكتفِ الطبيعة البكر في هذه البقعة بفرش بساطها الأخضر على السهول، بل تسلقت في كبرياء وشموخ نحو قمم الجبال الشاهقة التي تعانق الغيم، بينما الغابات الكثيفة والشلالات المتدفقة التي تخفي بين طياتها أسراراً لا تنتهي من عجائب الطبيعة.

في قلب هذا الجمال الطبيعي الآسر، ينبض التاريخ العريق في كل زاوية ومنحدر صخري، حيث تبوح القلاع والمتاحف والأديرة والمساجد والأضرحة والخانات والحمامات والأسواق الشاهدة على تعاقب الحضارات، بأسرار مدينة جمعت بين مجد الماضي وعظمة الحاضر، وتوجت بحق كعاصمة للجمال لا تشبه أي مكان آخر في العالم.

وفيما تُعد تركيا واحدة من أكثر وجهات العطلات شعبية في العالم، حيث تستقبل ملايين السائحين سنوياً، وتصنف بأنها من أبرز وجهات السفر المفضلة لدى دول الخليج؛ تأتي طرابزون في المقدمة كقبلة للباحثين عن جمال الطبيعة والاستمتاع بالهدوء والترفيه والتسوق. 

«الجريدة» زارت طرابزون ضمن وفد إعلامي خليجي بدعوة من الوكالة التركية للترويج والتطوير السياحي لاكتشاف تاريخ وأسرار المدينة الساحرة وثقافتها وطبيعتها الخلابة والمطبخ الطرابزوني الشعبي والتراثي. 

دير سوميلا وكنيسة آيا فارفارا... رحلة للجبل

بدأنا البرنامج برحلة صعود الى دير سوميلا (دير مريم العذراء) الذي يقع في منطقة ماتشكا وسط غابات التندرة على منحدر صخري في جبل كاراجا داغ، المطل على وادي ألتين ديره ويرتفع عن سطح البحر 1200 متر و300 متر فوق الوادي.

ورغم أن البداية كانت شاقة في صعود الجبل إلا أنها مشوقة في اكتشاف قبلة للسائحين الباحثين عن جمال الطبيعة والتاريخ والحضارة، حيث تُشير الروايات إلى أن دير سوميلا تأسس على يد كاهنين، هما برنابا وسوفرونيوس، اللذين قدما من أثينا خلال عهد الإمبراطور الروماني الشرقي ثيودوسيوس الكبير (375–395م)، واستمر الدير في أداء وظائفه حتى القرن الثالث عشر.

تركيا قبلة السائحين الخليجيين الباحثين عن الطبيعة الخلابة والاستمتاع بالهدوء والترفيه والتسوق

وبعد خضوع الساحل الشرقي للبحر الأسود للحكم التركي، مُنح دير سوميلا حماية السلطان، إلى جانب عدد من الحقوق والامتيازات.

وتزدان الأجزاء الداخلية من المبنى بلوحات جدارية تستمد جمالها من الكتاب المقدس.

وعلى طول الممر المؤدي إلى دير سوميلا تقع كنيسة آيا فارفارا، التي يعود تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر، ويعكس بناؤها التراث التاريخي للمنطقة، حيث تتجلى سمات العمارة الرومانية الشرقية وعمارة الروم (المجتمع المسيحي الأرثوذكسي الشرقي في الإمبراطورية العثمانية)، وتشتهر بخلفيتها الثقافية والتاريخية الغنية.

حديقة طرابزون النباتية... جمال وإبداع

ومن أعلى جبل كاراجا داغ إلى حديقة طرابزون النباتية الواقعة بالقرب من وسط المدينة مباشرة، في حي تشاموبا، بمنطقة أورتا حصار، حيث تأسر زوارها بجمالها المذهل، وتمتد على مساحة 105 آلاف متر مربع، وتضم نحو 516 نوعاً نباتياً، تشمل ما يقارب 21500 شجرة، وشجرة صغيرة، وشجيرة.

وتحوي الحديقة مجموعة مخصصة للنباتات الطبية والعطرية، إضافة إلى زراعة الأنواع النباتية المهددة بالانقراض والمحمية وبحيرات ومناطق للاطفال والعائلات ومطاعم ومقاه.

متحف طرابزون... مقر قيادة حرب الاستقلال

وفيما تعد المتاحف الوجهة المثالية لاستكشاف تراث المدينة، يأتي في المقدمة وعلى رأس القائمة متحف طرابزون الذي يقع في قصر كوستاكي، الذي يُصنف كأحد أندر نماذج العمارة الأوروبية في تركيا، ويضم العديد من القطع الأثرية والإثنوغرافية.

وقام المصرفي الشهير كوستاكي تيوفيلاكتوس ببناء القصر خلال القرن العشرين، وتحديداً في الفترة بين عامي 1898 و1913.

المتاحف والأديرة والمساجد والقصور والجبال الشاهدة على تعاقب الحضارات تبوح بأسرار الماضي وعظمة الحاضر

صمم المبنى مهندسون معماريون إيطاليون، وتم تشييده باستخدام مواد متنوعة جُلبت خصوصاً من إيطاليا.

وخلال حرب الاستقلال التركية، استُخدم القصر مقراً للقيادة، وأقام فيه مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، خلال زيارته الأولى إلى طرابزون عام 1924.

وفي عام 2001، افتُتح القصر أمام الجمهور بوصفه متحف طرابزون الذي يحتوي على 3561 قطعة ثمينة.

خان ألاجا... الحضارة العثمانية

وفي المحطات التاريخية أيضاً للمدينة يعتلي خان ألاجا (النُزل) قائمة الوجهات السياحية، حيث يقع في حي باكيرجيلار، ومن المرجح من أسلوب بنائه وعناصره المعمارية أنه يعود إلى القرن الثامن عشر. 

ويتميز المبنى بالخصائص المعمارية الكلاسيكية للخانات الحضرية العثمانية، وتحول الخان إلى مركز نابض بالحياة، تُصنع فيه المنتجات المحلية والحرف اليدوية التقليدية.

بوزتبِه... «سقف طرابزون»

وعلى بُعد 3 كيلومترات فقط من وسط المدينة، تقع بوزتبه وتُعد واحدة من المواقع المثالية للاستمتاع بإطلالة بانورامية على طرابزون من الأعلى.

وغالباً ما يُشار إليها بأنها «سقف طرابزون»، إذ توفر مشهداً بانورامياً رائعاً، وتُعد منصة المشاهدة فيها محطة شهيرة للراغبين في التقاط صور مذهلة للمناظر الطبيعية.

دير كزلار... وعهد إمبراطورية طرابزون

وفي «سقف طرابزون» وبالتحديد عند سفح جبل بوزتبه يتلألأ دير كزلار داخل المشهد التاريخي للمدينة، حيث تم تشييده خلال عهد إمبراطورية طرابزون، وتأسس في عهد ألكسيوس الثالث ميغاس كومنينوس.

ويُعرف الدير أيضاً باسم دير باناغيا ثيوسكباستوس، وكان المجمع الرهباني يتألف في البداية من الكنيسة المنحوتة في الصخر على الجانب الجنوبي، والمصلى الموجود عند مدخله، وحجرات الرهبان.

وتزين الدير النقوش والصور الشخصية لألكسيوس الثالث وزوجته ثيودورا ووالدته إيرين الجزء الداخلي من الكنيسة الصخرية.

مسجد آيا صوفيا... وقصة خروج آدم من الجنة

من ضمن 9 مبان تاريخية تحمل اسم «آيا صوفيا» في تركيا والتي ترمز باليونانية إلى «الحكمة المقدسة» يأتي مسجد «آيا صوفيا طرابزون»، حيث كانت الكنيسة الرئيسية والكبرى في المدن البيزنطية تسمى بهذا الاسم لكن بعد الفتح العثماني جرى تحويل هذه الكنائس إلى مساجد.

وشيدت كنيسة آيا صوفيا في طرابزون خلال عهد مانويل الأول كومنينوس، بين عامي 1238 و1263، وتُعد نموذجاً جميلاً للكنائس الرومانية الشرقية المتأخرة.

وتقع الكنيسة داخل مجمع ديري، وفي الجانب الغربي منها يقع برج الجرس، الذي يعود تاريخه إلى عام 1427.

وقد تحول المبنى إلى مسجد عقب فتح طرابزون على يد السلطان محمد الفاتح وأصبح مبنى تابعاً لمؤسسة وقفية خيرية.

وتُعد آيا صوفيا واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانية الشرقية المتأخرة كما أن اللوحات الجدارية للمسجد تعود إلى تلك الفترة وتحكي عبر رسومات تراثية قصة خروج آدم وحواء من الجنة.

أورتا محلة... قصور تاريخية ومنطقة محمية

وفي محطة تاريخية عثمانية أخرى تمر الرحلة في حي أورتا محلة الذي يقع في منطقة أكشابات التابعة لطرابزون، ويتميز بطابعه المعماري الفريد الذي يجذب الأنظار.

ويحتضن الحي نماذج من العمارة المدنية العثمانية، ويُعد أحد الأحياء النادرة التي حافظت بالكامل على طابعها التاريخي.

ويضم أورتا محلة منازل وقصوراً تاريخية وشوارع مرصوفة بالحجارة ونوافير، وقد صُنّف منطقة محمية منذ عام 1988.

أتاتورك... يهدي أملاكه للشعب

وبين التاريخ والسياسية يبرز أحد معالم تركيا السياحية «قصر أتاتورك» الذي شهد علاقة حب بين الحاكم والشعب، حيث أهدى أتاتورك أملاكه إلى الأمة التركية.

وقد استُضيف مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، في هذا القصر خلال زيارته الأولى إلى طرابزون عام 1924.

وخلال زيارته الثانية، أقام أتاتورك في القصر، وقرر أثناء إقامته، في 11 يونيو 1930، إهداء كامل ثروته إلى الأمة التركية.

ورشة فن الكازازية... صناعات الحرف اليدوية

وفيما تشتهر طرابزون بالطبيعة الخلابة فأنها تزدخر أيضاً بالعديد من الحرف اليدوية التي تُمارس داخل ورش صغيرة، بما في ذلك نسج الحرير والكتان، وصناعة البشتمال (المناشف التقليدية)، ونسج القطن، وصناعة المجوهرات، والنجارة.

ويُعد فن الكازازية، وهو أحد فنون صناعة المجوهرات، من أبرز الحرف اليدوية في المدينة عبر لف أسلاك الذهب والفضة حول خيوط الحرير.

المطبخ الطرابزوني... نكهات متنوعة وثقافات مختلفة

تشتهر طرابزون بمطبخ غني يضم نكهات متنوعة دخلت إليه بفعل ثقافات مختلفة على مدى آلاف السنين.

ومن أبرز مأكولات مطبخ طرابزون سمك الأنشوفة الذي يعد علامته  المميزة، إذ توجد في طرابزون 40 وصفة مختلفة تُحضّر باستخدامه. وكذلك هناك مئات الأطباق التي تُعد باستخدام الذرة، والكرنب، والفاصولياء الخضراء، والبندق.



أما عن الأطباق والمنتجات المحلية فمنها سورميني بيديسي (نوع من الخبز المسطح)، وكفتة أكشبات (كرات اللحم)، وهمسكوي سوتلاج (الأرز بالحليب)، فضلاً عن الأنشوفة المقلية، والأرز بالأنشوفة، وحساء القراص، والكايغانا (نوع من الفطائر الرقيقة المشابهة للكريب)، والكويماك (طبق تقليدي من الذرة المهروسة)، وحساء الكرنب، والكرنب المحشي. 

فيما يُعد خبز فكفيكبير (خبز طرابزون الكبير) وزبدة تونيا من أكثر المنتجات التي يفضلها السائحون.

ويرتبط الشاي أيضاً ارتباطاً وثيقاً بهذه المنطقة وتتركز زراعته بشكل رئيسي في شرق طرابزون، حيث يحتسي سكانها الشاي في الأباريق النحاسية مع مشهد البحر الأسود ذي اللون الأزرق العميق الممتد أمام الإطلالة السماوية للمدينة العريقة.

back to top