الهوية الوطنية.... ومسارات الإصلاح
تتولى الحكومة الكويتية، منذ ما يزيد على سنين عديدة، ووفقاً لتوجهات سامية من سمو الأمير، حفظه الله، السير بنهج إصلاحي غير مسبوق في تاريخ البلاد، حيث شهدت على مدى أربعة عقود تراجعاً محزناً في مجالات الدولة كافة، بل لقد تفشّى العديد من مظاهر الفساد وصوره في تلك الحقبة، وتحوّل البلد إلى حالة يؤسف لها بالتراجع المخيف في التعليم والتوظيف، وفي استغلال جائر للخدمات ونزيف مالي في المشاريع والمناقصات والخدمات والدعومات، حتى انتشرت الاتكالية على الدولة في معظم القطاعات، بدءاً من معيشة المواطن وخدماته، فحدث انفلات في الاستغلال الجائر للخدمات الصحية؛ سواء في صرف الأدوية بلا ضوابط ولا قيود، أو في مناقصات الأدوية والمعدات الطبية، وكذلك في العلاج بالخارج بميزانياته المتضخمة واستغلاله الجائر، وعلى رأسها المتنفذون بالقرار والسلطات؛ مثل أعضاء مجلس الأمة أو كبار الموظفين التنفيذيين وشبكاتهم بالأجهزة الحكومية، وانتهاء بتأمين عافية الذي كان نموذجاً صارخاً للهدر المالي والتنفيع والتكسب الشعبوي على حساب الدولة.
وقد تعددت مظاهر الهدر المالي والفساد والتنفيع في القطاعات كافة، مثل الدعومات بأنواعها، والتموين وهدره غير المبرر، أو في المناقصات والمشاريع الكبيرة، مثل مشروع جامعة الكويت في الشدادية.
بل لقد طال الفساد الجوانب السياسية والاجتماعية والخدمية، وحتى مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات التعاونية.
ولعل أخطر تلك الملفات الفساد والعبث والتزوير والانتساب والتدليس الذي لحق الهوية الوطنية والجنسية تحديداً.
ولقد منّ الله على الكويت بأن تولى سمو الأمير، حفظه الله، مقاليد الحكم والسلطة في ديسمبر ٢٠٢٣، لتنتقل الكويت إلى حقبة جديدة وعهد جديد غير مسبوق عنوانه الإصلاح العملي والنافذ، اتّسم بالجدية ووقف مظاهر الفساد وغلق منابعه، فتوالت الإصلاحات المالية دون هدر أو فساد، مع رقابة صارمة متزامنة، مع توجيه الإنفاق على المشاريع النافعة للبلد والمطورة له، فدارت عجلة مشاريع معطلة أو مؤجلة أو متأرجحة، فرأينا البنية التحتية تتطور وبمعالجة جذرية، مثل الطرقات والمطار والتحوّل الرقمي وتحسين الخدمات، وأوقفت مظاهر الفساد والعبث بكل جوانبه، ودخل النظام الوظيفي بجدية وانضباطية والتزام غير مسبوق تغيّرت معه حالة الأجهزة الحكومية وموظفيها، وتمت محاربة جميع صوره؛ غسل الأموال، والرشاوى، ومكافحة فعالة للمخدرات وتهريبها والاتجار فيها، وكذلك في تنظيم الطرق والمرور وتغليظ عقوباتها، ليتحقق ردع غير مسبوق.
ولعل أبرز مظاهر الإصلاح تمثّل في ملف الهوية الوطنية؛ سواء في الجنسية؛ التي تم تطهيرها من تراكمات العبث والتزوير والانتساب والتدليس، أو الحصول عليها دون أساس سليم من القانون، وكذلك في الهجرة والإقامة؛ التي تم تصحيح كل مظاهر فسادها جنباً إلى جنب مع العمالة، وكل ذلك بفضل التوجيهات السامية لسمو الأمير، وتفاعل وعمل دؤوب للحكومة ونموذجها الرائد، اللجنة العليا للجنسية برئاسة الشيخ فهد اليوسف والفريق العامل بمعيّته.
ولا بُد من أن أؤكد هنا أنه لا يوجد إصلاح من دون تبعات أو آثار جانبية أو حتى أخطاء، لكنها تبقى محصورة في نطاق محدود، بل إن استدراك آثاره السلبية يمكن أن يتم بمعالجات لاحقة، ولا توجد مسيرة إصلاح في أي دولة يمكن أن توضع آلية كاملة مسبقة لها، لكن البارز فيها المعالجة اللاحقة والعاجلة لآثارها وتداعياتها، قدر المستطاع، وبشكل متتابع أمر ضروري ومُلحّ.
ولا يخفى أن لمسارات الإصلاح أعداءها ممن يحاول أن يعرقلها أو يتذمر من جهودها، أو يشيع الروايات والأخبار المضللة عنها، فضلاً عن أنها لن تحوز في أي بلد من البلدان رضاً كاملاً من كل الشعب، خصوصاً ممن مسّ الإصلاح مصالحهم أو نكش فسادهم أو وصل إلى عشّ دبابيرهم، ويبقى أن ما تم إصلاح غير مسبوق بقيادة حكيمة لسمو الأمير وللحكومة، أعاد للدولة اعتبارها وهيبتها، بل وإلى الأجهزة والنظام في الدولة حيويتهما، مغلقاً كل منافذ الفساد.
إيران... جمرٌ تحت الرماد
رغم الجهود الدبلوماسية الحثيثة التي تبذلها دول الخليج والمنطقة لمنع حرب شاملة، وتدمير إيران بالكامل، وهي جهود طيبة... تبقى إيران بنواياها التوسعية، وغايات تصدير الثورة، وتأجيجها وتسليحها لأذرعها الخبيثة، هي الجمر الذي تحت الرماد، ولا يُؤمن جانبها تجاه دول المنطقة إذا تم الإبقاء على توجهاتها نفسها.