عدوى اليقين

نشر في 04-11-2026
آخر تحديث 03-11-2026 | 19:02
 سعيد المبارك

ثمة شيء لافت في الإنسان، قد يعرف القليل عن موضوع ما، لكنه يتحدث عنه بثقة كاملة، بينما يتردد المتخصص أحياناً قبل أن يمنحك إجابة نهائية. كأن المعرفة، كلما اتسعت، كشفت لصاحبها عن مساحات أكبر من المجهول، في حين تمنح المعرفة المحدودة بعض أصحابها شعوراً بأن الصورة اكتملت. ليست المشكلة أن نمتلك آراء، أو أن ندافع عنها، بل أن نصل إلى مرحلة نعتبر فيها رأينا الحقيقة الوحيدة الممكنة، وننظر إلى الاختلاف معه بوصفه نقصاً في الآخرين، لا احتمالاً يستحق الفحص. 

هنا يبدأ ما يمكن تسميته «عدوى اليقين»، حين تنتقل الثقة من كونها شعوراً شخصياً إلى موقف مغلق، لا تسمح لصاحبه بمراجعة أفكاره، مهما ظهرت أمامه من شواهد جديدة. وتزداد هذه العدوى وضوحاً في النقاشات العامة، حيث لا يُكافأ الإنسان دائماً على دقة ما يقول، بقدر ما يُكافأ على سرعة الرد وقوة النبرة والقدرة على حسم الجدل، يصبح التراجع عن رأي سابق أشبه بالهزيمة، والاعتراف بعدم المعرفة تنازلاً عن المكانة، حتى لو كان ذلك الاعتراف أكثر صدقاً ونضجاً. 

وما يزيد الأمر تعقيداً أن الإنسان قد يجد حوله من يؤكد قناعاته باستمرار، فيظن أن كثرة الموافقين دليل على صحة رأيه، مع أن الحقيقة لا تُقاس بعدد الأصوات المؤيدة لها. والأمر لا يتوقف عند الأفراد، فالمؤسسات أيضاً قد تقع في الفخ ذاته، حين تتحول القرارات السابقة إلى مسلّمات، وتصبح مراجعتها موضع حرج، بدلاً من أن تكون فرصة للتعلم والتصحيح. وفي هذه الحالة، لا يحمي اليقين القرار من الخطأ، بل قد يحمي الخطأ من الاكتشاف. 

المفارقة أن التقدم في المعرفة لا يحتاج إلى إجابات أكثر فحسب، بل إلى أسئلة أفضل، وإلى استعداد دائم لاختبار ما نظنه صحيحاً... فالعقل الذي لا يسمح باحتمال الخطأ أن يقترب من أفكاره، يحرم نفسه من فرصة تطويرها. وليس المقصود أن نتردد في كل موقف، أو أن نفقد القدرة على اتخاذ القرار، بل أن نفرّق بين الحسم والمكابرة، وبين الثقة والاعتقاد بأننا لا نخطئ، فهناك فرق كبير بين إنسان يملك رأياً ويدرك حدوده، وآخر يجعل من رأيه حدوداً لما يستطيع العالم أن يكونه. 

ربما لا نحتاج إلى أن نتفق أكثر بقدر حاجتنا إلى أن نصغي بصورة أفضل، وأن نمنح الأسئلة حقها، وأن نتعامل مع مراجعة المواقف بوصفها علامة على حيوية العقل، لا انتقاصاً من صاحبه. فليس كل مَن رفع صوته امتلك الحجة، ولا كل مَن تراجع عن موقفه خسر المعركة، فقد يكون الإنصات أعمق من الرد، والمراجعة أشجع من الإصرار. فالنضج لا يعني أن نصل إلى مرحلة لا نشك فيها بشيء، بل أن نعرف متى تكون ثقتنا مبررة، ومتى يكون السؤال أصدق من الإجابة. فأخطر ما في اليقين ليس أن يجعلنا نعتقد أننا نعرف كل شيء، بل أن يجعلنا نتوقف عن اكتشاف ما لا نعرفه. 

* كاتب سعودي

back to top