وجهة نظر: الاستهلاك الخاص
يشكو الكثير من المواطنين والمقيمين من ارتفاع الأسعار والضغط على مستويات المعيشة. يعتمد المواطنون على رواتبهم ومعاشات التقاعد ويعمل غالبية المواطنين في الحكومة ودوائرها ومؤسساتها، لكن بيانات البنك المركزي الأخيرة تشير إلى أن إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في الكويت خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام (يناير - سبتمبر) بلغت 42.3 مليار دينار، يشكل هذا المبلغ مستوى قياسياً لبلد مثل الكويت وحجم اقتصادها، حيث يقدر الناتج المحلي الإجمالي بموجب بيانات البنك الدولي بـ157.2 مليار دولار أو 48.9 مليار دينار في عام 2025.
يعتمد البنك المركزي على حساب بيانات الدفع المتنوعة ومن خلال آليات مختلفة، مثل مدفوعات نقاط البيع والبطاقات وسحوبات النقد من أجهزة البنوك. يحظى السكن شاملاً الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه والغاز بأهمية نسبية، ثم يأتي الإنفاق على الغذاء والمشروبات، وفي الدرجة الثالثة هناك مصاريف النقل والاتصالات، ورابعاً الخدمات التعليمية والصحية، وأخيراً مصاريف الملابس. يشكل إنفاق الكويتيين في الخارج جزءاً من هذا الإنفاق الاستهلاكي، حيث بلغ خلال الفترة المشار إليها ما يقارب 2.4 مليار دينار، أي ما نسبته 5.7 في المئة، علماً أن حركة السفر خلال هذه الفترة تراجعت نظراً للحرب مع إيران وتعطل عمليات السفر وارتفاع أسعار التذاكر.
الإنفاق الاستهلاكي الخاص في البلدان ذات الاقتصادات الطبيعية، مثل الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي واليابان، يشكل أهمية في الناتج المحلي الإجمالي. في الولايات المتحدة مثل الإنفاق الاستهلاكي الخاص 67.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وهذه نسبة شبه ثابتة خلال السنوات المنصرمة، لكن هذه النسبة تتراجع في الصين لتصل إلى 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتبلغ 52.5 في المئة باليابان وما يقارب 54.1 في المئة بألمانيا.
ويلاحظ أن هناك بلداناً تعتمد بشكل كبير على الاستهلاك المحلي، ومنها الولايات المتحدة، في حين تعتمد الصين وألمانيا على التصدير إلى الخارج. الكويت بلد مصدر للنفط وتعتمد على آليات الإنفاق العام، ومن ثم يظل الإنفاق الاستهلاكي مؤشراً أساسياً لقياس مستويات المعيشة وحيوية النشاط الاقتصادي. بطبيعة الحال الكويت تستهلك ما يتم استيراده وإن كان هناك جزء من الاستهلاك يعتمد على الإنتاج المحلي والخدمات المحلية، مثل المنتجات الزراعية. يمثل هذا الاستهلاك أهمية كبيرة للمنشآت الاقتصادية في البلاد ويعزز إمكانياتها لتحقيق الإيرادات وجني الأرباح. وكما هي الحال في البلدان الأخرى فإن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تلعب أدواراً هامة في تلبية الطلب الذي يمثله الاستهلاك الخاص.
يعتمد الاستهلاك الخاص على الائتمان، وتشير بيانات بنك الكويت المركزي إلى أن إجمالي الائتمان الشخصي في نهاية سبتمبر من هذا العام بلغ 20.9 مليار دينار، مرتفعاً بنسبة 4.4 في المئة منذ بداية العام. يتركز استخدام الائتمان الشخصي لتمويل اقتناء السكن أو أعمال الإنشاءات وكذلك اقتناء السلع المعمرة والسيارات.
مظاهر الاستهلاك قد تبدو مبالغا فيها، حيث هناك اهتمام باقتناء السلع الكمالية أو التمتع بخدمات متميزة أو تناول الطعام في المطاعم الفاخرة، فضلاً عن السفر المتكرر في الإجازات القصيرة والطويلة، لكن هذه المظاهر معتادة في المجتمعات التي يتمتع أفرادها بمداخيل جيدة. الخدمات العلاجية قد تستنفذ جزءاً من مداخيل الأسر الكويتية وأسر بعض المقيمين الذين يترددون على عيادات ومستشفيات خاصة، لكن الأهم من ذلك هناك التعليم في المدارس الخاصة والذي جذب طلبة من أسر ذات دخل متوسط ودخل مرتفع، وبات التعليم الخاص مهماً للكثير من الأسر في الكويت التي تعتبره ضرورياً للارتقاء بالمستوى التعليمي لأبنائها.
مهما يكن من أمر فإن بيانات الاستهلاك الخاص في الكويت تؤكد أن الأوضاع المعيشية مازالت مناسبة وهناك قدرات جيدة على الإنفاق، ويبدو أن هذا الاستهلاك لم يتأثر كثيراً بالحرب الدائرة في المنطقة وتأثيراتها على اقتصاديات البلاد.
* مستشار وباحث اقتصادي