حياة لها غاية
مع زيادة المشتتات في الحياة، وزيادة مسؤولياتها على الأسر الناشئة، قد يتساءل بعض الآباء أحياناً: ما الغاية؟! هل تستحق رعاية الأسرة والأبناء كل هذا التعب والعناء؟ هل الغاية أن نصدّر أطفالاً أكثر للمجتمع ليعانوا معاناتنا نفسها؟!
والحقيقة أني سمعت ذلك عدة مرات وبشكل مباشر وغير مباشر أحياناً من بعض الآباء الشباب، وقد نسمعه أيضاً ممن عزفوا عن الزواج مطلقاً. وللأسف، لم يكن هذا المنطق سائداً أو معروفاً في الأجيال التي سبقتنا. لكن مع تطور الزمن وكثرة الملهيات والمشتتات، برز هذا السؤال لدى عدد غير قليل من شبابنا.
والسبب هو فقدان الغاية والرسالة والمعنى، فالشباب في السابق كانوا يرغبون في الزواج إما لتكثير النسل والتفاخر بالمال والذرية، لاعتبارهم أن الزواج جزء رئيسي وسنة ثابتة من سنن الحياة، بل من مُتعها أيضاً، أو لأنهم ببساطة شديدة يريدون التقرب من الله بهذا الأمر طلباً لمرضاته.
أما اليوم، فكثير من السنن قد تبدلت، وكثير من المتع قد تطورت وتغيرت، وصار الزواج لدى بعضهم مسؤولية كبيرة أو حملاً ثقيلاً أو مشروعاً غير مربح، كما قد يُنظر إليه أحياناً من ناحية مادية واقتصادية بحتة.
وقد نعذر أولئك الشباب للوهلة الأولى بسبب تغير الزمان وتبدل أحواله وصعوبة التنشئة فيه. لكننا لا نستطيع أن نعذرهم إن فهموا الغاية الحقيقية من الزواج، ألا وهي عبادة الله وعمارة الأرض، وذلك لكون الزواج سنة من سنن الاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض.
فالإنسان كما تعلمون لم يُخلق عبثاً، بل خلق لغاية، وغاية عظيمة جداً، ولولاها لما يكرّمه الله سبحانه وتعالى بأمانة الاستخلاف على الأرض لعمارتها وتحقيق العبودية للخالق عز وجل.
لكن عندما ضيّع الإنسان هذه الغاية العظمى لسبب أو لآخر، أو تناساها أحياناً بسبب ضغوط الحياة أو كثرة ملهياتها، قد يشعر بأن حياته بلا معنى، ولذلك ينشغل البعض بالتمتع واللهو حتى إن كان مباحاً وإن خالف ذلك الغاية من خلقه ووجوده.
ولو استذكر هذا الشاب أو ذاك عظمة هذه الأمانة، وأعني أمانة الاستخلاف في الأرض بإقباله على الحلال وطلب العفاف والستر بالزواج وبإنجاب ذرية صالحة يرعاها ويتقي الله فيها، لهانت عليه الأمور، ولأدرك أن الزواج أكثر من مجرد دعوة للتكاثر والزيادة بلا معنى.
ختاماً، إن الحياة بالمفهوم الإيماني الصحيح لها غاية، والإنسان بطبيعته كلما استشعر أن هناك غاية عظمى من وجوده وبقائه وتكاثره شعر بقيمة نفسه، واستسهل الصعب من أجل تلك الغاية. فلتكن غاياتنا صحيحة وسليمة لتهون علينا مصاعب الحياة، لعلنا ندرك من خلالها الغاية التي وُجِدنا من أجلها.